لست دون كيشوت: توقف عن محاربة طواحين الهواء

دون كيشوت لم يكن دون كيشوت حتى، لقد اختار لنفسه هذا الاسم، حيث أنّ اسمه الحقيقي ألونسو كيخانو، كان من طبقة النبلاء المتدهورة، وقد رث اللقب أكثر مما ورث المال، تأرجح دومًا بين نقطتين، لم يكن فقيرًا أو غنيًا، شابًا أو عجوزًا، لم يكن عاطلًا لكنه لا يعمل، هذا الرجل علق في منتصف الطريق بين كلِّ الأشياء، وانغمسَ في رواياتٍ عن الفروسية والفرسان، دخلها كاملًا ونسي عقله هناك.
كلّ البشرِ تأخذُ الواقع معها إلى الكتب، إلّا ألونسو كيخانو أخذَ الكتبَ معهُ إلى الواقع، خرجَ من بين الصّفحاتِ روحًا جديدةً. وفي لحظةٍ من لحظاتِ المصير، عندما يخرجُ من أعماقِ المرء قرارٌ صارمٌ، يغيّرُ كلّ ما بعده، قرّر أن يصيرَ فارسًا بطلًا، حتى لو لم يملكْ مقوّماتِ البطولة. أخذَ درع جدّه القديم، وصنعَ خوذةً من الورق المقوى، دعمّها بحلقاتٍ معدنية، ثم كما الفرسان اختار اسمًا فخمًا يناسبُ مهنته الجديدة، وكذلك اسمًا لحصانه، وحبيبة لا يحبها ولكنه يحتاج أن يجدّ من يهدي نصره إليها، وأيضًا اختار لها اسمًا نبيلًا يليقُ بمكانته كفارس، ليكون دون كيشوت دي لا مانتشا بطل الرواية الإسبانية الشّهيرة، والتي ألفّها الأديب الإسباني ميغيل دي ثربانتس عام 1605.
إذن فقد تنصل سلاحه، وعمل من خوذته الناقصة خوذةً كاملة، وأطلق على حصانه اسماً جميلاً، واتّخذ لنفسه اسماً مجيدًا، ولم يبق عليه إلّا أن يبحث عن سيدةٍ يحبّها. مقطع مترجم من رواية دون كيشوت
قد يبدو الأمر برمتهِ طفوليًا وساذجًا، يبعث على الضّحك والسّخرية، ولاسيما الخوذةَ الغريبةَ المصنوعة من الورقِ المقوى، تمثلُ هذه الخوذة ببساطتها كلّ موقفٍ قلنا فيه: “ليسَ الأمرُ بهذهِ البساطة.”، وفي أعماقنا نتمنى لو كانَ الأمرُ بهذه البساطة، ولو كانت الحلولُ الآنيةُ المرتجلة تجدي نفعًا. ولنعترف بحقيقةٍ أخرى، لا نقرُّ بالمجملِ بها، عن الشّخصية الغريبة التي تسكنُ داخلنا، ونتعاملُ معها ومع رغباتِها كالإثِمّ الخفيّ، نتركُها أسيرةَ قمقمِ الغياب، حتى تتلاشى وتذبل، وعندما نطمئنُ إلى ذبولِها، نعودُ إلى العالم الحقيقي بحسرةٍ مكتومة، لنتابع حياتنا مُرتدين الوجه الذي نفصحُ عنه للآخرين.
نحنُ عدنا إلى الواقع، وإلى الحيزِ الذي نشغلهُ فيه، لكن دون كيشوت لم يعد، وإنما امتلكَ ما يكفي من الشّجاعة ليعيشَ حلمه، كما نعلمُ فإنّ الخطّ الفاصل بين الشّجاعة والجنون واهٍ جدًا، ويخضعُ لمعايير المجتمع السائدة، ودون كيشوت كان مزيجًا من الشّجاعة والجنون، أساء استخدامَ كليهما، فوظّف الشّجاعة في غيرِ موضعها، وأفرطَ باستخدامِ الجنون، تجاهلَ الحقيقة، واختار تصديقَ ما لا يفسدُ أوهامه، وينحتُ صورته كفارسٍ جوالٍ يجوبُ الدروب، باحثًا عن مظلومينَ لينقذَهم، وينشرَ العدل والقيم من حولهم.
يخوضُ الفارس دون كيشوت عشرات المغامرات، والتي هي في الحقيقة كوارث وضربٌ من العبث، لكنّه في كلّ مرة يصدقُ ما يريدُ تصديقه، يهاجمُ قطيع خراف معتقدًا أنهم جيشٌ من الأشرار، ويحرّرُ مجموعةً من المجرمين معتقداً أنهم أسرى، وينخرطُ في شجارٍ في نُزلٍ حقير، لكنهُ يصفُ النزل كأنه قلعةٌ حصينة. ويبقى المشهدُ الأشهر بين جميع معاركه العبثية، عندما اختار محاربة طواحين الهواء وقتلها. وقع نظره عليها وهي تدور في السّهل، وصرّخ في مساعده سانشو “اُنظرْ عمالقة سأقاتلهم وأقتلهم جميعًا”، حاولَ مساعدهُ إبعاد غشاوةِ الخيال عن عينيه، أخبره أنهم مجردُ طواحين هواء، لكنّه أصرّ على موقفه، ثمّ حمل رمحه الطويل، وانطلق ليحقّ الحق، وينصرَ الخيرَ على العمالقةِ المُفسِدين، فعلِقَ الرمحُ في جناح الطّاحونة، وألقى بهِ بعيدًا مكسورًا مهزومًا، ورغمَ هذهِ الهزيمة لم يستفقْ من خيالاته، ولم يغير قناعاتهُ، بل أقنعَ نفسهُ أنّ ساحرًا حوّلهم إلى طواحينَ، ليسرقَ منه مجدَ الانتصار، فأوجد أسبابًا غير منطقية لخسارته المنطقية.
إعلان
محاربة طواحين الهواء
لم يجبرْ أحدٌ دون كيشوت على ترك مزرعتهِ ومنزله، لم يجنده ملكٌ لخدمةِ العدالةِ ونشرِ الفضيلة، ولم يعملْ إنسانٌ على إيهامه أنّ طواحينَ الهواءِ التي تسلّم نفسه للريح، وتطحنُ الحبوبَ في جوفِها، عمالقةٌ بأذرعٍ شيطانيةٍ يحيكون المكائد، ويسعون لإيقاع الأذيةِ في البشر.
الإنسان يختارُ بكامل إرادته الحرّة معاركَه العبثيّة، يهدرُ طاقاتهِ وإمكانتهِ في مواضعَ لن تحملَ لهُ إلا الخيبة، ويبذلُ العرق والدم في ملاحقةِ السّراب، يكرّهُ ذاته حتى يستنزفها. وكما يقول المتنبي في إحدى قصائده “ألزمتَ نفسك شيئًا ليس يلزمها…”.
ونستحضر هنا عبارةَ الحارث بن عباد عندما طحنت رحى الحرب أيامَ الجاهلية قبيلتين عربيتين، وسفك من الدماء ما سفك بسبب ناقةِ البسوس، فجاءَ بنو شيبان إلى الحارث، وطلبوا إليه نُصرتهم ضد قبيلة تغلب، فرفضَ أن يكون طرفًا وقال جملته الشهيرة: “لا أنا من هذا، ولا ناقتي ولا جملي.” أو كما شاعَ القول: “هذه الحربُ لا ناقة لي فيها ولا جمل”. وتكمن المفارقة أنّ الحارث بن عباد عندما طالت الحرب وامتدت لعشرات السنوات، توسّط بين القبيلتين في محاولةٍ للصلح، فقُتِل ولده بُجير، بعد أن أرسلهُ رسولًا للصلح.
الفطنُ من يجيدُ اختيار معاركه، من يعرفُ أي جبلٍ يجدرُ به تسلّقه، وأي جبلٍ عليه أن يلتفَ من حوله. إذا لم تكن الحربُ حربُك فإنّ الخسارة والفوز سواء، كلاعب كرة قدمٍ أدخل هدفاً بيده، ثمّ ذهب يتراقصُ محتفلًا بإنجازه، وعند إلغاء الهدف اعترضَ وتَظلّم وهاجم الحكم. الحقيقةَ واضحة جليّة، وليست مجرد وجهة نظر أو أمر يحتملُ الجدل، والنظرة القائمة على الظنون والأهواء الشّخصية لن تكون صائبةً أو مُحقة.
دون كيشوت ليس شخصيةً خيالية، ولا مجردَ بطلٍ في روايةٍ إسبانيةٍ قديمة، هو جزءٌ من التّركيبِ النّفسي للإنسان، نراهُ في أنفسنا، وفي الآخرين مِن حولنا، وإذا ما وضعنا عدسةً مكبّرةً لها أبعادُ المنطق على ما نحسبه بطولاتٍ، لوجدنا معظمها لا يخرج عن كونه محاربة طواحين هواء، طاقاتٌ ومواهبٌ مهدورة، تركزُ على الفعلِ، لا على النتائجِ، تشتتُ تركيزنا، وتحجب عنا الفرص الحقيقية للنّماء. ندخلُ جدالاتٍ ونقاشاتٍ، نحتدُّ ونغضب وترتفع أصواتنا، ونحنُ نعلمُ أننا لنخرج منها بإقناع الطرفِ الآخر، ونركزُ على عثراتٍ ومطباتٍ ليست في طريقنا حتى، نخترعُ العوائق لنتوهّم النجاة.
كنت أسألُ نفسي دومًا: هل كان دون كيشوت يعيشُ في المدينة الفاضلة؟ ألم يكن في مدينته أشرارٌ حقيقيون حتى يبلغَ به الأمرُ محاربة طواحين الهواء الجامدة؟ إنها الحاجةُ لإيجاد عدوٍ غير عادي، لخلق الخصم الذي يعزز صورة البطل المرسومة في خياله. جميعنا نفعلُ ذلك داخل ذواتنا وفي مجتمعاتنا، نثيرُ الزوابع، نضخمُ المواقف، ثمّ نمتطي صهوة جوادٍ هزيل، وفي أكفنا رماحٌ قديمة، ونختفلُ بوهم الانتصار على وهم العدو.
وإذا خرجنا من نطاقِ الفردِ وإنصافهِ لنفسهِ وقدراته، فإنّ صناعةَ العدو ليست موضوعًا عارضًا، بل هي سياسةٌ تتبعها دولٌ وحكومات، وحتى الفرق الدينية التي تمتلكُ معظمَ عوامل التوافق، ويجمعها ما هو أكثرُ بكثيرٍ مما يفرقها، لكن التّركيز على الفجوات يخلقُ التّباعد، والتّباعد يتحولُ تدريجياً إلى خصومات، ليصبح أي مظهرٍ من مظاهرِ علوِ الكعبِ ولو بكلمة، فوزًا عظيمًا على العدو المُبتدع، فلا نقاط تُحتسَب بلا فوزٍ، والفوز لا يُحتسَب من الأساس فوزًا بلا خصمٍ في الجانب المقابل.
لستَ دون كيشوت فلا تنغمس في وهمٍ لذيذ، لا تحاولُ إصلاحَ العالم قبل أن تصلح نفسك، لا تطف الشوارع بخوذةٍ هشةٍ من الكرتون، لا تردُ عنك إلا الغبار. أنت بطلٌ في قصتك الخاصة، تُنهكك معاركك الصّغيرة، وتخوضُ داخل أضلاعكَ كل يومٍ حروبًا، لا يعرفُ عنها أحدٌ شيئًا، فلا تستنزف مرونتك وهمتك فيما لا يعنيك، ولا تنفخْ الرّماد، وتنتظرُ نورًا يشرق، لا تكن رُبان السّفينة الغارقة، تمتلكُ أحلامًا تصدعُ رأسك، تطنُّ في أذنك ليلًا ونهارًا كالبعوضة، فنحنُ نحاربُ من أجل أحلامنا، وكوابيسنا في حضرتها ستفرُّ هاربة.
إعلان
