جون هيك ونظرية العدالة الإلهية: نظرات في كتاب: “الشر وإله المحبة”

تقديم
يُعَدُّ كتاب الشر وإله المحبة للفيلسوف واللاهوتي البريطاني جون هيك (19222012) أحد أبرز الأعمال الكلاسيكية في فلسفة الدين المعاصرة. وقد اعتُبر، منذ صدوره الأول، مرجعًا أساسًا لكل باحث في هذا الحقل، ولا سيما في مشكلة الشر، التي شغلت الفكر الديني والفلسفي منذ أقدم العصور، ولا تزال تحتفظ براهنيتها وحِدّتها حتى اليوم. ولا تكمُن أهمية الكتاب في موضوعه فحسب، بل في المنهج الذي اتبعه مؤلفه، وفي قدرته على الجمع بين التحليل الفلسفي العميق والحسّ الإنساني القريب من التجربة المعيشة.

مسألة الشر ومعنى الثيوديسيا

السؤال الجوهري الذي يسعى هيك إلى معالجته هو: كيف يمكن التوفيق بين وجود الشر والمعاناة في العالم، والإيمان بإلهٍ موصوف بكلية القدرة، وكمال العلم، وطلاقة المحبة؟
هذا السؤال شكّل على مدار تاريخ الفكر الديني والفلسفي محورًا لما عُرف بـ الثيوديسيا أو نظرية العدالة الإلهية، أي محاولة تسويغ عدالة الله في عالم يفيض بالألم والمعاناة.

وما يميّز معالجة “هيك” لهذه المسألة أنه لا يكتفي بتقديم إجابة مباشرة، ولا بإعادة إنتاج الحلول الموروثة، بل يعود إلى الجذور التاريخية والفكرية للمشكلة، عبر قراءة مقارنة لأهم الاتجاهات الفلسفية واللاهوتية التي تناولتها، من الفلسفات القديمة، مرورًا بالوسيطة، وصولًا إلى المعالجات الحديثة والمعاصرة.

الشر بوصفه تجربة وجودية

ينطلق هيك من مسلّمة أساسية مفادها أن مشكلة الشر ليست مجرد إشكال نظري أو تمرين فلسفي ذهني، بل هي قبل كل شيء تجربة وجودية يعيشها الإنسان في حياته اليومية. فالألم والمعاناة يفرضان نفسيهما في وقائع الفقد، والمرض، والفقر، والحروب، والكوارث الطبيعية، وتترك آثارها العميقة في النفس الإنسانية.

لهذا يؤكد “هيك” أن فهم الشر لا يمكن أن يتم من خلال الفلسفة المجردة وحدها، بل يتطلب مزاوجة دقيقة بين التحليل الفلسفي، والتأمل اللاهوتي، والإنصات إلى التجربة الإنسانية الحيّة. ومن هنا يكتسب مشروعه بعدًا إنسانيًا واضحًا، يجعله قريبًا من أسئلة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي.

إعلان

المقارنة بوصفها منهجية أساسية

يعتمد “هيك” في معالجته للمشكلة على المنهجية المقارنة بوصفها الأداة الرئيسة لفهم المواقف المختلفة. فهو لا يقدّم حلًا جاهزًا، ولا ينطلق من دفاع مسبق عن رؤية بعينها، بل يعرض تصورات المدارس المتعددة، ويحللها تحليلًا نقديًا، كاشفًا عن مواطن القوة والقصور في كل منها.

ويظهر ذلك بوضوح في نقده للفلسفة الأوغسطينية، التي ترى أن الشر ليس وجودًا حقيقيًا، بل هو مجرد حرمان أو نقصان في الخير ناتج عن سوء استعمال الإنسان لإرادته الحرة. ورغم شيوع هذا التفسير وتأثيره الواسع، يرى هيك أنه لا يفي بتفسير عمق المعاناة الإنسانية، بل قد يزيد المشكلة تعقيدًا.

في المقابل، يشدد هيك على أن الحرية الإنسانية ضرورة وجودية، لا غنى عنها لترقّي الإنسان روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا، وأن هذه الحرية لا يمكن أن تتحقق إلا في عالم ينطوي على التحدي والمخاطرة وإمكان الشر.

تكميل النفس والعودة إلى الله

يقدّم هيك بديله الشهير المعروف بـ ثيوديسيا تكميل النفس Soul-Making Theodicy”، حيث يُنظَر إلى العالم لا بوصفه مكانًا للآلام فحسب، بل فضاءً لتكوين الروح وصناعة الإنسان.

وفق هذا التصور، لا يُخلَق الإنسان كاملًا منذ البداية، بل يولد ناقصًا، غير ناضج، ويُوضَع في عالم مليء بالتحديات، ومن خلال هذه التحديات تتاح له فرصة النمو والارتقاء. فالشر، في هذا السياق، يصبح شرطًا لإمكان النضج الأخلاقي والروحي، ووسيلة لاقتراب الإنسان من الله وعودته إليه عن وعي واختيار.

ويطرح هيك هنا مفهوم المسافة المعرفية بين الله والإنسان، وهي مسافة ليست مكانية، بل معرفية، تتيح للإنسان إيمانًا حرًا غير قسري، وتجعل العودة إلى الله فعلًا نابعًا من الداخل لا استجابة مفروضة من الخارج.

رفض الحلول التبسيطية

من أبرز ما يميز كتاب هيك رفضه القاطع للحلول التبسيطية، كإرجاع الشر إلى حكمة إلهية غامضة لا سبيل إلى فهمها. فهو يعترف بوضوح أن المعاناة موجودة في العالم وجودًا كثيفًا وصادمًا، وأنها لا يمكن دائمًا تبريرها بسهولة.

هذا الاعتراف يمنح معالجة هيك صدقًا إنسانيًا نادرًا، ويجعل مشروعه أقرب إلى الإنسان المعاصر، الذي لا يبحث عن إجابات جاهزة بقدر ما يبحث عن فهم أعمق لمعنى ألمه ومعاناته.

الترجمة العربية: نحو أفق أوسع

تفتح ترجمة كتاب “الشر وإله المحبة” إلى العربية أفقًا جديدًا للنقاش حول مشكلة الشر، بعيدًا عن الجدل الدفاعي أو الاعتذاري التقليدي. فرغم غنى التراث العربي والإسلامي بقضايا القضاء والقدر، والحرية الإنسانية، والعدل الإلهي، والمعاناة البشرية، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة للاطلاع على الإسهامات المعاصرة في فلسفة الدين الغربية.

وتتلاقى أفكار هيك في جوانب عديدة مع مفاهيم مركزية في الفكر الإسلامي، مثل الابتلاء، وتكميل النفس، والتوبة، والتحلي بمكارم الأخلاق، والنظر إلى الدنيا بوصفها دار عبور لا مقام.

ولا تقتصر الترجمة على النقل اللغوي، بل تسعى إلى موضعة أفكار هيك داخل السياق العربي والإسلامي، من خلال الشروح والتعليقات، وتذييل الكتاب بقاموس يضم أكثر من 220 مصطلحًا فلسفيًا ولاهوتيًا، بما يعين القارئ على الفهم والتفاعل النقدي.

ختام: إمكانُ الرجاءِ

لا يقدّم كتاب الشر وإله المحبة إجابةً نهائية أو حسمًا قاطعًا لمشكلة الشر، بقدر ما يفتح أفقًا جديدًا للتفكير فيها. فجون هيك لا يسعى إلى تبرير الألم أو التقليل من حدّته، ولا إلى الدفاع الاعتذاري عن الإيمان، وإنما يحاول أن يفهم المعاناة الإنسانية في سياق أوسع يمنحها معنًى، ويجعلها جزءًا من مسار الإنسان نحو نضجه وكماله.

بهذا المعنى، يتحوّل الشر من كونه اعتراضًا على المحبة الإلهية إلى سؤالٍ وجوديّ عميق عن الحرية، والمسؤولية، وحدود الإنسان، وإمكان تَرَقِّيه الأخلاقي والروحي. ويغدو العالم، بما فيه من نقصٍ وتحدٍّ، فضاءً مفتوحًا لصناعة الذات الإنسانية، لا مجردَ مسرحٍ للآلام والشرور.

وتأتي أهمية هذا العمل، ولا سيما في سياقه العربي، من كونه يدعو إلى مقاربة عقلانية وإنسانية لمشكلة طالما أُحِيطت بالصمت أو التسويغ السهل. فهو يحرّك التفكير النقدي، ويشجّع على الحوار بين الفلسفة والدين، وبين التراث والأسئلة المعاصرة، دون أن يفصل بين الإيمان والعقل أو يختزل أحدهما في الآخر.

ومن هنا، لا تُعد قراءة هذا الكتاب مجرد اطلاعٍ على نظرية فلسفية في الشر، بل هي دعوة إلى إعادة النظر في تجربة الإنسان مع الألم والمعاناة، وإلى مساءلة الذات عن معنى الوجود، ومغزى الحرية، وإمكان الرجاء في عالمٍ ناقصٍ، لكنه يقبل الترقِّي والتحسين.

إعلان

اترك تعليقا