تأخذك إلى أعماق الفكر

الفلسفة والذكاء الاصطناعي: مترجِم جوجل هو أحد تجليات نظرية فتغنشتاين في اللغة

فتغنشتاين
0

بعد أكثر من ستين عامًا على نشر نظريات فتغنشتاين الفلسفية عن اللغة، يقوم الذكاء الاصطناعي وراء مُترجِم جوجل بتقديم مثالٍ عمليٍّ على نظريات فتغنشتاين تلك. باتريك هيبرون–Patrik Hebron  الذي يعمل على التعلم الآلي في التصميم في شركة Adobe، والذي درس الفلسفة في فترة البكالوريوس مع الباحث المختص بفتجنشتاين جاري هاجبيرج–Garry Hagberg، يلاحظ أن الشبكات المسؤولة عن الترجمة في جوجل عبارة عن تمثيل حرفي لعمل فتغنشتاين.

كان موظفوا جوجل قد اعترفوا في السابق بأن نظريات فتغنشتاين منحتهم طفرة في جعل خدمات الترجمة الخاصة بهم أكثر فعالية، ولكن بطريقة ما، هذه الصلة الرئيسية بين فلسفة اللغة والذكاء الاصطناعي قد تم إهمالها وتجاهلها.

بشكل حاسم، تعمل خدمة الترجمة في جوجل من خلال فهم الكلمات في سياقها. تستند خدمة الترجمة على لوجارتمية صمَّمَها العاملون في جوجل تُسمى word2vec، والتي تنشئ بدورها “تمثيلات ناقلة”، والتي تعني بشكل أساسي أن كل كلمة يتم تمثيلها عدديًا.

كي تعمل الترجمة، يجب على المبرمجين إنشاء “شبكة عصبية”، وهي شكل من أشكال التعلم الآلي، تُدَرب على فهم كيفية ارتباط هذه الكلمات ببعضها البعض. تحتوي معظم الكلمات على معانٍ عدة ( كما يلاحظ هيبرون، فإن كلمة “الجذع”، على سبيل المثال، يمكن أن تشير إلى جزء من فيل أو شجرة أو حقيبة أو سيارة)، وبالتالي، يتعين على مترجم جوجل فهم السياق. ستقوم الشبكة العصبية بقراءة ملايين النصوص، مع التركيز على الكلمتين اللتين تسبقان الكلمة المراد ترجمتها والكلمتين اللتين بعدها، حتى تتمكن من التنبؤ بترجمة مبنية على الكلمات المحيطة بها. يحسب الذكاء الاصطناعي الاتصالات الاحتمالية بين كل كلمة، والتي تشكل الإحداثيات لمساحة متجهة متعددة الأبعاد، ومستحيلة التخيُّل.

إعلان

إليك الجزء الرائع: تبيّن أن الجبر يمكن تطبيقه على التمثيلات المتجهة للكلمات وتقديم نتائج ذات مغزى مفاهيمي. يستشهد هيربون بالنموذج المعياري، والذي قد نشر عام 2013 في Computer Science: إذا أخذت التمثيل المتجه لكلمة “king”، بدون التمثيل المتجه لكلمة  “man”، وأضف إليه كلمة “women”، فإن النتيجة سترسو على التمثيل المتجه لكلمة “queen”. وكما يلاحظ هيبرون بأن “هذا ليس صدفة؛ فعلى سبيل المثال، هناك علاقة متشابكة مشابهة بين تمثيلات المتجهات لـ “بكين” و “الصين” كما هو الحال في “موسكو” و “روسيا””.

ويضيف أيضًا هيبرون “إن الكلمات المماثلة، تقع في أماكن متشابهة”، ويقول إن “العلاقات المكانية بين هذه الكلمات، تنطوي على الطرق التي نفكر بها في العلاقات المفاهيمية بينهما”.

هذا الارتباط هو تطبيق لمفهوم فتغنشتاين للغة. في كتاب تحقيقات فلسفية، الذي نُشر بعد وفاته في عام 1953، جادل الفيلسوف بأنه لا توجد معان معيارية ثابتة للكلمات، وإنما تكمن معانيها في استخدامها. كما تم شرحه في موسوعة ستانفورد للفلسفة عن نظرية فيتجنشتاين: “إذا كان علينا أن نحقق في المعنى، فيجب على الفيلسوف ” أن ينظر ويرى” في تنوع الاستخدامات التي توضع بها الكلمة”. كما شدد على أن الكلمات يجب أن تفهم من خلال “تشابه الأسرة” إلى كلمات أخرى: “ليس هناك سبب للنظر، كما فعلنا تقليديًا -وبشكل دوغماتي- عن جوهر واحد يحوي معنى الكلمة، وبالتالي، هو مشترك لجميع استخدامات تلك الكلمة. يجب علينا، بدلًا من ذلك، أن نذهب في رحلة مع استعمالات الكلمة من خلال “شبكة معقدة من أوجه التشابه المتداخلة والمتقاطعة”.

إذًا، تنطبق ترجمة جوجل بشكل دقيق على نظريات فتغنشتاين، وكما يقول هيبرون: “هناك علاقة، بالمعنى الحرفي، بين هاتين الفكرتين لأن الطرق التي نتوصل إليها مع تمثيلات الكلمات في word2vec هي أننا نجد في الأساس مكانًا لهم في الفضاء من خلال النظر في الكلمات المحيطة بها وتحديدها على النحو المحدد في مجموع كل استخداماتها في السياق”.

هذا ليس المثال الوحيد للذكاء الاصطناعي الذي يضع النظريات الفلسفية تحت الاختبار. يجادل تشومسكي، مثلًا، بأن خصائص معينة للغة، مثل القواعد النحوية، لها جذور بيولوجية وفطرية في العقل، ولكن على الطرف المقابل، يشير الرائد والخبير في مجال التعلم المتعمق-Deep Learning  يوشيا بينغو-Yoshua Bengio إلى أن التعلم المتعمق يتعارض مع هذه النظريات (نظريات تشومسكي). في حين أن التعلم الآلي مفيد، قطعًا، في حد ذاته. يشير هيبرون إلى أنه من الممكن أيضًا أن يكون هناك “دراسات حالية لمفاهيم فلسفية مجردة”. نظرًا لأن الفلاسفة مثل جورج بول وجوتلوب فريجه أوجدوا رمزًا للكمبيوتر، فمن المنطقي أن التقدم في الذكاء الاصطناعي سوف يعود باستمرار إلى النظريات الفلسفية.

فريق الإعداد

إعداد: مروان محمود

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر مصدر الترجمة
تعليقات
جاري التحميل...