تأخذك إلى أعماق الفكر

نــظـرة شــاملة على فلسفة نيتشه

0

يُعد الفيلسوف الألماني “فريدريك نيتشه” من أهم فلاسفة العصر الحديث، ويُعرف “بفيلسوف القوة”، وله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. أفكاره لا تزال تثير جدلًا على نطاق واسع ويُقدم لها تفسيرات متضاربة ومختلفة، فهي فلسفة مميزة جدًا، وهي ليست مميزة في أفكارها فحسب، بل في الأسلوب ذي البلاغة والعمق.

إني أكتب الفلسفة للمستقبل، وستخصص كراسٍ لتدريس الفكر النتشوي، أنا شيء و كتاباتي شيء آخر، أنا سابقٌ لأواني.

إرادة القوة

نيتشه رفض أفكار الفلاسفة السابقين التي تنادي باحتقار الجسد، لأنها تعبر عن الضعف والانحطاط، فإرادة القوة عند الضعفاء تتمثل في احتقار الجسد والغريزة، إرادة القوة هي سلاح لتحطيم الانحطاط الذي عرفته أوروبا خلال فترة زمنية طويلة، فالحقيقة نسبية لأنها تعتمد على ما تره إرادة القوة محققًا لأهدافه.

إرادة القوة هي الفكرة النقيضة لإرادة الحياة عند الفيلسوف الألماني “شوبنهاور” الذي يدعو للعزوف عن الحياة لتجنب آلامها، في حين أن “نيتشه” يعلن وفاءه وحبه للحياة.

وبقدر ما تكون الحياة قوية بقدر ما يكون العالم الموجود أكثر خصوبة(1). أكّد نيتشه على صراع الأقوياء الذي هو صراع طبيعي، وأن إرادة القوة لها هدف وغاية، وهي الوسيلة الوحيدة لتحقيق السعادة في هذا العالم. ويقدس “نيتشه” القوة لأنه يعتقد أنها موجودة في كل أرجاء الكون، إرادة القوة هي جوهر الحياة، وليس مجرد خاصية من خصائصها، ويعلن “نيتشه” على لسان زرادشت إيمانه المطلق بإرادة القوة: “لقد أفصحت الحياة دائمًا أن أتفوق على ذاتي”(2)

إعلان

الإنسان الأعلى

يجب أولًا إلقاء الضوء على فكرة موت الإله عند “نيتشه؛ تُعتبر فكرة “موت الإله” دعوة إلى تحطيم القيم البالية وبالتالي القضاء على مفهومي الخير والشر من منظور الأديان والثواب والعقاب والجنة والنار، لذا يدعو “نيتشه” عبر فكرة موت الإله إلى رفض ما هو مطلق وكل القيم المستمدة من العالم الميتافيزيقى والاهتمام بالعالم المادي وحده، فالإنسان لا يمكن أن يكون له هوية في وجود الإله، ولا يمكن أن يوجد من هو أقوى من الإنسان، ولا يوجد مرجعية مطلقة له.

ولهذا عمل نيتشه جاهدًا لإحداث البناء الفعال المتجه نحو التقدم والازدهار، باعتبار أن فكرة موت الإله هي أقصى تجلٍ لإرادة القوة، وتمثلها أحسن تمثيل”(3) . وبدايةً من عصر النهضة فالتنوير والثورة العلمية ومن أهمها نظرية التطور، أصبح دور الإله غير فعال، ووجوده تلاشى شيئًا فشيئًا”.

يقدم نيتشه بديلاً للإله وهو الإنسان الأعلى، مفهوم “الإنسان الأعلى” يظهر بشكل متناثر في الكثير من كتبه، لكنه أخذ شٌهرة واسعة عندما ذكر في كتابه الشهير “هكذا تكلم زرادشت” والذي نُشر في 1883م، وهو عبارة عن رواية فلسفية بطلها “زرادشت” مؤسس الديانة الزرادشتية المنتشرة في إيران. واعتبر نيتشه هذا الكتاب بمثابة “إنجيل” خاص به، فعلى البشرية جمعاء أن تنتظر الإنسان الأعلى، فالإنسان الحالي ليس إلا مرحلة وسيطة، لا هدف لها سوى الوصول إلى الإنسان الأعلى.

نیتشه یتغنى دائمًا بالإنسان الأعلى، الذي یحطم كل القیم وكل المقاییس البشریة، لا بد ألا يكون للإنسان الأعلى أي عقبات بما فيها “الإله”، فالإنسان الأعلى ليس لطموحه حدٌ فهو دائم التطور، فهو “حيوان ناقص” أي يجب دائمًا أن يعمل على تحسين ذاته، وبالتالي هو “خالق ذاته” فلا يوجد -حسبما اعتقد نيتشه- ما هو أعلى أو أقوى منه كي يخلقه أو يطوره، والقوة لدى الإنسان إنما “تظهر في الإبداع والاستقلال والتحكم في النفس ومغالبة الظروف وقهر الصعاب حتى یبقى الإنسان سید نفسه وسید الأرض”.(4)

والإنسان الأعلى هو رمز يشير إلى كائن لديه قدرات خارقة تفوق البشر الحاليين، هذا المفهوم جاء نتيجة تأثر نيتشه بداروين ونظرية التطور التي ظهرت في كتاب “أصل الأنواع” في عام 1859م، أي قبل تسعة عشر عامًا فقط من كتابة “هكذا تكلم زرادشت”. الإنسان -حسب نظرية التطور- جاء حيثما جاءت الحيوانات وجميع الكائنات الحية، فهو الصورة الأكثر تطورًا من جميع الكائنات الحية، وبالرغم من ذلك يرى “نيتشه” أن الفارق بين الإنسان والشمبانزي مثلاً فارق ضئيل للغاية، أي أن الإنسان لم یتقدم عن المستوى البدائي كثیرًا، لذا فالإنسان يجب أن يتطور أكثر فأكثر، ويقول نيتشه على لسان زرادشت: “كنتم دودة ذات يوم، لكنكم ما زلتم تحملون الدودة بداخلكم”، فمثلما القرد هو صورة بدائية للإنسان الحالي، يجب أن يكون الإنسان الحالي هو الصورة البدائية للإنسان الأعلى.

أهم ما يميز الإنسان الأعلى هو تخلصه من الأفكار الدينية القديمة، فلا يوجد إله، بل الإنسان الأعلى هو الإله وهو ممثل القيم العُليا، وهو غير قابل للفناء، لذا لن تكون الأديان ذات أهمية وبالتالي لن تكون هي مصدر الأخلاق وستصبح مجرد ميثولوجيا.

وقيم الإنسان الأعلى تختلف جذريًا عن قيم الإنسان العادي أو البشرية في الوقت الراهن، فالإنسان الأعلى ليس عنده ما يسميه نيتشه “بأخلاق العبيد”، فيريد نيتشه التخلص من الإله الطيب، بل يريد “إلهًا شريرًا”، أي إلهًٌ قوي ودموي وغير متسامح، متسائلاً: بأيّ شيء يفيد إلهٌ لا يعرف الغضب والانتقام والحسد والسخرية والمكر والعنف.

يوضح نيتشه أن البشرية لم تقدم أي إنسان عظيم بالمعنى الذي يريده حتى الآن، لهذا يسخر نيتشه على لسان زرادشت من كل الأشخاص الذين يعتبرهم التاريخ أبطالاً وعظماء. بالرغم من ذلك كان نيتشه معجبًا للغاية بشخصية القائد الفرنسي “نابليون بونابرت” لأنه كان له تأثيرٌ قوي في أوروبا، فما فعله “نابليون” ساهم في صنع ما عليه أوروبا اليوم.

أخلاق العبيد وأخلاق السادة

نيتشه هو مفكرٌ أخلاقي قبل أن يكون فيلسوفًا ذا آراء تجاه طبيعة العالم. إن أصل معرفتنا أخلاقي، فنحن نريد أن نعرف لنزيد سيطرتنا على الأشياء، وبالتالي إن مجال الأخلاق أوسع المجالات وأشملها (شارل مالك، 1977). يعتقد نيتشه أن الإنسان يصارع دائمًا من أجل تحقيق رغباته.

ويسعى إلى تحقيق هذه الرغبات بعنفٍ لأن رغباته غالبًا تكون متعارضة مع رغبات أُناس آخرين، لكن البقاء للأقوى، فيوجد علاقة صراع بين قوة “الأغنياء” الحاكمين والمسيطرين وقوة “الفقراء” المحكومين والخاضعين لطغيان هؤلاء الحاكمين الأغنياء، فالقوة هي السلاح الوحيد في هذا الصراع، وبالتالي انتصرت طبقة “الحاكمين الأغنياء”، الإرادة التي ليس عندها هذا السلاح أصبحت تكمن في الضعف والخوف والخضوع والطاعة، يسمي”نيتشه” هذه القيم بأخلاق العبيد.

ويرى نيتشه إن التاريخ يمثل ثنائية بين أخلاق العبيد وأخلاق السادة؛ أخلاق العبيد هي أخلاق نفعية، أي يتصف بها الفقراء والضعاف ليحصلوا على مصالحهم الشخصية، على سبيل المثال: الضعيف يطيع من هم أقوى منه حتى يكسب ودّهم ويستفيد من ورائهم وليس حبًا فيهم، أما أخلاق السادة فهي الشجاعة وإرادة القوة والاعتماد على النفس والفخر، وهذا النوع من الأخلاق هو الذي يفضّله نيتشه.

أخلاق السادة هي أخلاق الأقویاء، فیها یشعر الفرد بالسمو والقوة والعظمة، ونيتشه يقدم مفهومًا غريبًا للأخلاق، فالمقیاس الأخلاقي للفعل هو أن یعبّر عن روح القوة التي یشعر بها الفرد في نفسه، فإذا فعل الشخص خيرًا يجب أن يكون نتيجةً لإحساس القوة وليس نتيجةً للخوف مثلما الحال عند العبيد، وبهذا یكون الأرستقراطي هو “السید المسیطر الذي یتمیز بالقّوة والبطولة والصراحة التي تعتبر الطابع الرئیسي في أقواله”(5).

العود الأبدي

تظهر فكرة العود الأبدي في القسم الثالث من كتاب “هكذا تكلم زرادشت”، وهي أن كل ما حدث من قبل وما يحدث الآن سوف يحدث مرّةً أخرى أيضًا، بالطريقة نفسها في كلِّ مرّةٍ وإلى الأبد، أي يوجد دورات من الحياة حيث الكون والإنسان يُعاد خلقهم من جديد ليحدث مثلما حدث تمامًا، وهذه الدورات تستمر في التكرار إلى الأبد. وإعادة خلق الكون لبداية دورة جديدة تحدث في “السنة الكونية” كما أسماها نيتشه، ولا نعلم المدة الزمنية لهذه الدورة أو السنة الكونية.

ويوجد أفكار مشابهة لفكرة العود الأبدي في الحضارات القديمة مثل الحضارة الفرعونية وفي أديان الهند مثل البوذية، وهذه الفكرة ليست مجرد مفهوم فلسفي بل يمكن اعتبارها فرضية كونية، ربما هذه الفكرة مهّدت لنظرية الانحسار العظيم للعالم “ستيفن هوكينج”، والتي تقول أن الكون سيفنى ثم ينبثق مرة أخرى بنفس الشكل وسوف يحدث ذلك مراتٍ لا متناهية.

يُعلق الدكتور عبد الرحمن بدوي على هذه الفكرة قائلاً: “فالإنسان منا إذًا -تبعًا لهذه النظرية- سيحيى من جديد نفس الحياة التي يتبعها”(6)، أي أن الزمن يسير بشكل دائري وليس إلى الأمام، ويقول نيتشه: “إن كل اتجاه على خط مستقيم إنما هو اتجاه مكذوب، فالحقيقة منحرفة، لأن الزمان نفسه خط مستدير أوله وآخره”.

 “شاهدتُ راعيًا فتيًا ينتفض محتضرًا، الروع على وجهه، وتدلّت من فمه أفعى حالكة السواد، لعلّ هذا الراعي كان يغط في رقاده عندما انسلّت الأفعى إلى حلقه وانشبكت فيه، وبدأتُ أسحب الأفعى بيدي، ولكنني شددت عبثًا، فسمعتُ في داخلي صوتٌ يهيب بالراعي، قائلاً عُضّ عليها بأسنانك، ولا تني حتى تقطع رأسها، على أن الراعي بدأ يشدّ بأسنانه منفذًا ما أمرتُ به”

هكذا تكلم زرادشت

إن الراعي الذي كان يغطّ في نومه هو الإنسان الغافل عن فكرة العود الأبدي، وإن الأفعى هي رمز فكرة العود الأبدي نفسها، الفكرة التي تملأ فم الإنسان قرفًا وتخنقه، وسبب القرف هذا هو أنه لو أن كل شيء يعود، فكل سمو الإنسان باطل. وفشل زرادشت في إخراج الأفعى وسحْبها من فم الراعي يُظهر أن الإنسان وحده هو الذي يصنع قدره بيديه، ولا إنسان آخر يقدر أن يصنع قدره.

نيتــشه والعــدمــية

العدمية هي الاعتقاد بأن الحياة ليس لها معنى، ورفض كل القيم الأخلاقية والدينية، ويُمكن اعتبار نيتـشه فيلسوف عدمي من حيث رفضه لكل القيم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية، ونقطة التقاء العدمية بالوجودية هي أن الحياة ليس لها معنى، لذا يُعتبر نيتشه الممهد لظهور الوجودية.

آمن نيتشه أنه لا يوجد مقياس مطلق لهذه القيم، وهذه القيم الموروثة لها تأثيرات سلبية علينا، ولهذا لا بد من التخلص منها تمامًا، خاصةً القيم الدينية. فبالنسبة لنيتشه أي اعتقاد بأن شيئًا ما صحيحٌ هو اعتقادٌ خاطىء، وهو يعتقد أن المشكلة الأكبر للقيم الدينية وقيم عصر التنوير هي ترويجها على أساس أنها مطلقة صالحة لكل مكان ولكل زمان، وعدم التعامل معها على أساس أنها وليدة للظروف التاريخية والفكرية حينئذٍ. وفي كتابه “إرادة القوة” يوضح أن “سؤال: لماذا ليس له إجابة”، ويؤكد أن إنهيار المعنى والهدف من الحياة هو أكبر القوى المدمرة للبشرية في التاريخ.

نيتشه والحضارة الإغريقية

أبدى نيتشه اهتمامًا كبيرًا تجاه الفلسفة والميثولوجيا الإغريقية، وهذا الاهتمام يظهر في كتبه “مولد التراجيديا” و”الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي”، ويعتقد أن إسخيلوس وسوفوكليس يمثلان قمة الإبداع الفني التراجيدي، لكن “يوريبيديس” يمثّل انحدار التراجيديا الإغريقية، وعلى الجانب الآخر فإن “ديونسيوس” هو شخصية محورية في كتابات “نيتشه”، لدرجة أنه وصل إلى أن يصف نفسه بديونسيوس، خاصةً في كتاباته الأخيرة.

استعار نيتشه اسمين من أسماء الآلهة الإغريقية وهما أبوللون وديونسيوس، “ديونسيوس” هو إله الخمر والعربدة عند الإغريق، بينما “أبولون” هو إله الحق والشفاء والشمس والنور، يستخدمهما كرمزين للإشارة إلى ثنائية الطبيعة الإنسانية؛ الجزء الأبولي رمزٌ للتفكير المنطقي والعقلانية، فهو الجزء الذي يميل إلى النظام، بينما الجزء الديونيسي هو رمز المشاعر والشهوات والفوضى، ويظهر الجزء الديونيسي من طبيعتنا عند سماع الموسيقى، لأنها تخاطب المشاعر لا العقل، كما تتجلى في حالات السُكر، بينما الجزء الأبولوني يظهر -مثلاً- في فن النحت، لأنه يعتمد على التشكيل وليس العشوائية، وفي الكتابة أيضًا.

المصادر
1-(صفاء جعفر، محاولة جديدة لقراءة فريدريك نيتشه، ص111)
2-(نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ص 122).
3-(نبيل عبد اللطيف، فلسفة القيم، ص 70)
4-(إرادة القوة، ص6).
5-(فؤاد زكریا، نیتشه، ص 169)
6-(فؤاد زكریا، نیتشه، ص 169)
فريق الإعداد

إعداد: أبانوب وجدي

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

تدقيق علمي: زهراء زكي

الصورة: نهى محمود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...