تأخذك إلى أعماق الفكر

فورست جامب: السّاذجُ الّذي ربح الرّهان!

مرّت خمس وعشرون سنة على إصدار”روبرت زيميكس” لتحفتِه الخالدة فورست جامب Forrest Gumb  في العام 1994م، الفيلم مُقتبَس عن رواية صادرة في العام 1986م للكاتب “ونستون جرووم” وتحملُ نفس الاسم، الفيلم من بطولة توم هانكس وروبين رايت وسالي فيلد وبعيدًا عن الأداء العبقري لِتوم هانكس على مستوى التّقني الفذّ والمعجز والّذي استحقّ عنه جائزة الأوسكار للعام الثاني على التّوالي وهي سابقة نادراً ما تحدث في جوائز الأوسكار، الفيلم يحمل العديد من الرّسائل والاسقاطات سواء السياسيّة أوالاجتماعيّة منها، الفيلم يجمع خليطًا فذّ من الرّومانسية والكوميديا والدراما ما يجعلك تضحك وتحزن وتبكي في آنٍ معًا.

الحياة مثل علبة الشوكولاتة:

دائمًا ما نغفل أنّ الحياة أحيانًا تمنحنا فرصةً أخرى، يبدأ الفيلم بريشةٍ بيضاء تطير بعيدًا وعاليًا ثم تحطّ على قدم فورست الذي سريعًا ما يخبّئها في كتابِه الطفولي ذو السّماء الزرقاء؛ ذلك الكتاب/الفرصة الّذي يمنحه لابنه في نهاية الفيلم، الرّيشة الّتي تمّ تأويلها بأنّها الفرص الّتي تمنحها لنا الحياة، فورست المُعاق الذي لايحمل القدر الكافي من الذّكاء كأقرانِه لكنه يحمل قلبًا صافيًا كماء السّماءِ دائمًا ما كان يربح ويُكافَأ حتى في ساحةِ المعركة، يقابل سادة البيت الأبيض مرّة تلو الأخرى يحمل نجمة الشّرف ليس سوى أنّه قد سمع وأدرك نصيحة حبيبته الوحيدة “جيني” :

Run Forrest run

فورست ذلك المعاق الذي انتصر رغم ضعفِه وربح الرّهان لأنّه لا يحمل أيّ كرهٍ أو ضغينة للحدّ الذي دعاه لأن يقول للملازم “دان” بكل ثقة وعفوية : سأذهبُ إلى الجنة.

حياتُه الّتي كانت دومًا كعلبة الشّوكولاتة؛ لا يدري ما الّذي تخبّئه له إلّا أنّها تكافئه مرة تلو أخرى وهو كان يستلذّ بطعمِها المراوغ في فمه.

سأكون دائمًا فتاتك:

“جيني” صديقة وحبيبة الطفولة وحدها من دعته ليجلسَ بجانبها في باص المدرسة بعد أن نبذه الجميع فظلّت في نظرِه حبيبته وفتاته الوحيدة/الدّائمة، هي من دعته يومًا لصلاة في وسط حقول الذرة هربًا من أب شرير ..صلاة ختمتها بدعائها: “اللهم اجعلني طيرًا كي أطير بعيدًا.”

إعلان

كان يراها فتاته المثالية لا كما يراها العالم، يحسبها تغّني على المسرح/الحياة وهي تخفي عوراتها بجيتارِها الخشبي، عارية تمامًا إلّا من بعض قداسة أطفاها عليها عشق فورست الطفولي، هي حبّه الثّابت الصّلب بينما “جيني” تمثّل كل معاني السيولة وهشاشة العلاقات الإنسانيّة في عصر الثّورات الجنسيّة والهيبي وحروب المرتزقة وخطوة “أرمسترونج” على سطح القمر، كانت نصيحتها المحفزة له :

إذا تورّطت بمشكلة، لا تحاول أن تكون شجاعًا.”

هو عصر الجبناء يا عزيزي طيّب القلب عصر الهشاشة وحبوب الهلوسة وأندية التعري، هي كانت الحب السائل/المراوغ لكنه دومًا كان على يقين تام من عودتها حتى ولو لفترة قصيرة ثم تذهب بعدها لتمارس خفتها المعتادة في زمن لايؤمن بمقولة الحب الرومانتيكي :

لقد تعاهدنا على ألّا يفرقنا إلّا الموت .

لدينا نمط حياة مختلف:

في فترة الخمسينيّات والستّينيّات ظهرت أنماطُ حياة مختلفة مع بزوع عصر موسيقى الرّوك وموضة الميني جيب وإصدار “هيو هافنر” لمجلّته الجنسيّة الشهيرة ” بلاي بوي” في العام 1953م، تلك التّغيرات الّتي عاصرها وعاشها الاثنان ..فورست الذي علَم ملك الروك ” ألفيس بريسلي” رقصته الشّهيرة  وجيني التي ظهرت على صفحات المجلة بصورة ترتدي الزيّ الجامعي بشكل مبتذل ممّا أدى إلى فصلها من الجامعة لتبدأ بعدها رحلتَها المرهقة، تخرجُ من مأزق لآخر وهو يراسلها من حربه الدائرة في فيتنام دون أن يستلم منها ردّ ولو لمرة واحدة لتعود إليه رسائله كاملة دون أن تمسّ وصدي صوتها في أذنه:

 لا يمكنك فعلُ ذلك طوالَ الوقت

نعم لا يمكنك أن تحبّ وتهتمّ وتؤمِن في معنى الحبّ الصّلب راسخ الأركان لشخصٍ يؤمن في هشاشةِ عصره، لاينبغي أبدًا أن تكون مثاليًّا في عصرٍ غير مثاليّ على الإطلاق، صديقي لدينا نمط حياة مختلف.

“جيني” البازلاء التي تكره الجزر:

“أنا وأنتِ كالبازلاء والجزر”… هل تصورت يومًا البازلاء دون الجزر؟

تلك هي الرواية المُعتادة للعلاقات الصّلبة، بسذاجتِه وعقله غير المُدرِك لطبيعةِ الأشياء حولَه كان يراها حبيبته الوحيدة والدّائمة في الوقتِ الّذي تراه هي فيه مجرّد علاقة عابرة أو سائلة، علاقة لايعوّل عليها؛ تعشق سذاجتَه وطيبة قلبه لكنّه لايصلح زوجًا.

 أنا لست رجلًا ذكيًّا لكنّني أعرف ماهو الحبّ

يدرك فورست أصالة حبه لكنّها تراه في حدودِ الهشاشة والسيولة التي تعرفها، يرى عالم الاجتماع البولندي “زيجمونت باومان” في كتابِه “الحب السائل” أن ذلك النوع من العلاقات اصطلح على تسميته ب “علاقات الجيب العلوي” والّتي تعني أن المرء يحتفظ بها في جيب سترتِه العلوي بحيث يمكنه إخراجها متى شاء وبسهولة .

غير أنّ ما أدركته جيني أخيرًا هو أنّ فورست هو ملاذُها الأخير والوحيد فتسلمه نفسها في ليلة حب فريدة أثمرت بعدها ” فورست الصغير” لتذهبَ بعدها مرة أخرى فيقرر هو أن يجري ..فقط يجري دون هدف في رحلة استغرقت أكثر من 3 أعوام ألهمَ خلالها الكثيرين، يتوقّف بعدها ليعود لبيته الصغير في انتظارِ عودتها لكنّها تلك المرة ترسل له رسالة صغيرة ليذهبَ إليها ويعرف أنّ الطّائر المُتَعب قد أرهقه الطّيران، فيعودا معًا بصحبة فورست الصّغير إلى البيت القديم حتّى تتحقّق مقولة الحبّ الأبدي فيفرقهما الموت وترحل جيني ويبقى فورست بصحبة ولده الصغير ليعطيه كتابه/حظه السعيد.

يربح فورست جامب الرّهان لأنّ من يراهن على الحب دون حقد أو كره ..حتمًا يفوز.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسن أبومازن

تدقيق لغوي: أمل مصري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.