السادة الأفاضل… حين يتحول الريف إلى خرابة أخلاقية

قليلةٌ هي الأعمال التي تتناول الريف المصري والتغيّرات التي طرأت عليه. فبخلاف التركيز على الافتعال في الدراما الصعيدية، والطبيعة المخملية المعقّمة لدراما الكومباوند، يظل الريف لغزًا غير مفكوك.
يبدأ فيلم «السادة الأفاضل» بمشهد رقص على أغنية يتكرر فيها مرارًا تعبير «كله ع البايظ»، في لمحة دالّة على الاتجاه العام الذي يسير فيه الفيلم حتى نهايته. لكن السؤال يظل مطروحًا: هل باظ كل شيء فعلًا؟
عندما تفكر في فيلم عن الريف، قد يتبادر إلى ذهنك الزرع واللون الأخضر، والفلاحون وهم يكدحون في أراضيهم. حسنًا، كل ذلك تغيّر الآن. نحن أمام خرابة مدينية أخرى، من الطوب الأحمر والقبح، معزولة وسط أشرطة خضراء تضيق باستمرار حتى تكاد تفنى.
كما أن الأبطال هنا ليسوا فلاحين بالمعنى التقليدي؛ فقد انصرفوا عن الأرض التي تفتتت ملكيتها، وتم تجريف أغلبها، ونضب خيرها، إلى أعمال أقل شأنًا: توك توك، مطعم حواوشي… فالفلاح هنا انعدم، ولم يبقَ إلا اسمه والذهنية التي تحكمه.
السِّمة الأساسية المسيطرة على الأبطال — حتى في ما يُفترض أنه أقدس لحظات المصريين، الموت — هي النصب وكيفية «تخليص المصلحة في السريع»: من الرهان على مباريات كرة مباعة، إلى محاولة سرقة مكتب البريد أثناء الجنازة، إلى تزييف الموت نفسه للخروج بمصلحة. عالم كامل من النصب والسرقة ومحاولات الاستلاب بلا حق.
حتى الحاج أبو الفضل وولده، عندما حالفهما الحظ واكتشفا مقبرة فرعونية في أرضهما، حاولا النصب على تاجر الآثار في بيعها، ناهيك عن تبديد الأموال يمينًا ويسارًا (فرح الأخ بنصف مليون مثلًا)، لدرجة تعذّر الأخ الأكبر عن شراء شقة له. فالنصب، والخبث، والتبديد، و«ريحة الفقر» أمور لا يمكن بسهولة الخلاص منها.
إعلان
الوجه الآخر للمجتمع الريفي، والذي ركّز عليه الفيلم بكثافة، هو المشهدية المغرقة في إظهار السمت الديني ومظاهر التقوى الزائفة. فأسماء مثل السادة الأفاضل، والسيد، والطاهر، وغيرها، منتشرة بكثافة في الريف، وتحمل دلالات دينية وربما عِرقية لا تخطئها العين. وأسماء المحلات: الحمد لله، فضل الله، والعبارات الدينية المنتشرة في كل مكان… هل يذكّرك ذلك بشيء؟
حتى الملابس واللحى تؤدي الدور نفسه. شخصية أشرف عبد الباقي مثلًا يُفترض أنه رجل ورِع يمنع ابنه من لعب النرد لأنه حرام، بينما لا يتورع عن محاولة تبصيم أخيه الميت على بيع أملاكه قبل الدفن. حتى الدكتور الصيدلي، الذي أدّاه المخرج معتز التوني في واحدة من تجلياته العبثية، يُطلق لحيته وتظهر علامة الصلاة، بينما يحتفل مع مومس بليلة العيد في مخزن الصيدلية.
إذن، الجميع مشترك في كذبة اجتماعية يحاول التغطية عليها بعدّة الشغل الديني. وفي هذا السياق، لا يفوتني الإشادة بدور دينا يحيى كفتاة ليل، في أداء نادر وشجاع لشخصية موصومة اجتماعيًا.
نقطة أخرى مشتركة بين جميع أبطال الفيلم، بنسب متفاوتة، هي انخفاض مستوى الذكاء. فالتورط مع تاجر سلاح ومخدرات، ومحاولة النصب عليه في الآثار، ثم الإيهام بالموت للهروب من المشكلة، لا تبدو أفكارًا ذكية عمومًا. المشكلة أن الريفيين يرون أنفسهم أذكياء للغاية، وهي معضلة مزدوجة؛ لأنك لا ترى أصل ومحرك الصراعات المحلية المتقدة في الريف، ولا روافدها حين تُحكَم المدينة بالعقلية نفسها. الغباء والطمع مترافقان، والحلول الغبية تخلق مشكلات أكثر تعقيدًا، يستعصي حلها حتى على الأذكياء، وهكذا ندور في حلقة عبثية، مضحكة ومبكية في آن.
يخرج الفرعون من مقبرته ليرى مصرًا غير مصرِه، وشعبًا غير شعبه، ويقف مرة أخيرة وسط الحقول، متحسرًا على البهدلة التي رآها بعد مماته، مقسمًا على لعن أبنائه واحدًا إثر الآخر.
إعلان
