هل نعيش في عصر مظلم؟ (مترجم)

كان العالم الإيطالي فرانشيسكو بيتراتش “Petrarch” أول من استخدم مصطلح “العصر المظلم” لوصف الفترة التي أعقبت سقوط روما. رأى بيتراتش أن تلك الفترة كانت فترة انحطاط ثقافي وفكري في أوروبا مقارنة بالعصور القديمة، فكان التاريخ الأوروبي اللاحق بالنسبة له قد فقد الكثير من إنجازات الحضارة الكلاسيكية.

من الصعب على أي فرد في عصرنا الحالي، تزخر فيه المعرفة الإنسانية بالعلوم والثقافة، أن يقبل فكرة أننا نعيش في “عصر مظلم”. فكمّ المعرفة المتراكمة لدينا تتعارض بشكل صارخ مع هذا الوصف، بل أننا قد نجده وصفًا غير منطقي.
تطور فكر بيتراتش
كان بيتراتش، الذي غالبًا ما كان يطلق عليه “أبو الإنسانية”، شخصيّة طليعيّة ومحورية في تطوير عصر النهضة. أعاد هذا التفكير الجذري بالإنسانية في أوروبا إحياء الماضي الكلاسيكي كما هدف إلى إحياء قيمه.
كانت كتابات بيتراتش الخاصة المليئة بالحنين إلى مجد روما واليونان، تقارن عظمة العصور القديمة بما رآه انهيارًا ثقافيًا في عصره.
وعلى الرغم من أن هذه الفكرة كانت مبنية على نظرته الشخصية، إلّا أنها أثرت بشكل كبير على طريقة تفكير المؤرخين.
اتّفق المؤرخون المعاصرون عمومًا على أن بيتراتش كان على صواب في هذه الفكرة، وأنّ هناك بالتأكيد فترات من الانحطاط الثقافي. كما اتفقوا على أنه من الممكن تطبيق أفكاره على فترات أخرى من التاريخ؛ فقد كان هناك أكثر من عصر مظلم واحد؛ أشهرها العصر المظلم اليوناني، الذي يمتد بين ممالك الميسينيّة في العصر البرونزي وعالم هوميروس إلى اليونان الهيلينيّة اللاحقة.
إعلان
لعدّة قرون بعد انهيار العصر البرونزي حوالي عام 1200 قبل الميلاد، فقدت اليونان الكثير مما كانت عليه؛ سقطت القصور والمدن والممالك العظيمة. تقلّصت التجارة داخل اليونان إلى مستوى ضئيل من الضروريات. وتوقّفت التجارة بين ما تبقى من الدول اليونانية والحضارات المحيطة تقريبًا. انهارت ثقافتهم، وفُقدت الكثير من المعارف المكتوبة، حتى أن اليونانيين في العصر المظلم نسوا القراءة، واضطروا إلى إعادة تعلم سرّ الكتابة في وقت لاحق من الفينيقيّين.
تحوّلت اليونان إلى مجتمع زراعي بسيط. ومع ذلك، رغم هذا الظلام الثقافي، استطاع اليونانيون الحفاظ على الذاكرة الجمعيّة لتاريخهم وتراثهم حين استمروا في سرد الحكايات الشفهية، محافظين بذلك على جزء من مجد الماضي.

في قلب شيروبوليس، المستوطنة القديمة في ليفراندي الواقعة في جزيرة إيوبويا اليونانية، تقع مقابر العصر المظلم اليوناني. هنا دفن اليونانيون موتاهم بطقوس مهيبة، وفي وسط هذه المدافن يكمن قبر هيرون، قبر البطل، في الداخل شخصان، رجل وامرأة. تم حرق الرجل، وتم لفّ رماده في قطعة قماش كتان ووضعها في قنينة قبرصيّة.
بينما بقيت المرأة في ثيابها الأنيقة، محاطة بقطع أثرية لامعة مصنوعة من معادن ثمينة من عصور سابقة. فكانت ترتدي قلادة من بابل كان عمرها ألف عام في الوقت الذي دُفِنت فيه مع المرأة.
من الصعب على من يعيشون في عصر ما أن يدركوا بأنفسهم وبوضوح مدى ظلامه. فالأثرياء وأصحاب النفوذ، على سبيل المثال، قد لا يشعرون بأنهم يعيشون في عصر من الانحطاط، بينما تذهب معرفة الإنسانية إلى الخراب من حولهم، بل أنهم لا يرون أنفسهم غير ورثة لحضارة عريقة. وهذا ما يجعل تحديد العصر المظلم أمرًا نسبيًا.
عصر الاندثار والنسيان
إذن، ما هو الشيء الذي أشار إليه بيتراتش عندما رأى عصره المظلم، وما هو الشيء الذي يفتقده اليونانيون؟
هناك جانبان رئيسان يتفق كلاهما على أنهما يُحدّدان العصر المظلم، أحدهما من أولئك الذين عاشوا في ذلك الوقت، والآخر من أولئك الذين ينظرون إلى الوراء.
من جانب، يلجأ الناس غالبًا في فترات الاضطرابات إلى الدين بحثًا عن المعنى والأمان. في العصور المظلمة، حيث كان المستقبل غامضًا والمعرفة العلمية محدودة وبأيدي قلّة من الأفراد، كان الدين هو الملاذ الوحيد للكثير، حيث قدّم الدين للناس تفسيرات بسيطة ومعقولة للأحداث المعقّدة، واعدًا بحياة أفضل في الآخرة، لكنه بالمقابل كان أداة للسيطرة على العقول ولتبرير الظلم والاستبداد بهدف الاستيلاء على الثروة وتعزيز سلطة الحكّام.
المعرفة قوّة، ومن يملكها يملك السلطة. يسعى أولئك الذين يملكون المعرفة إلى الاحتفاظ بها لأنفسهم، فعندما يجهل الناس الحقائق، يسهل عليهم قبول الأيديولوجيات المتطرفة ويصبحون أكثر عرضة للتلاعب والخداع. فمن يسيطر على المعلومات يسيطر على التفكير، وبالتالي يوجه مسار المجتمع
تجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ فقدان المعرفة مرتبط بالجانب الثاني الذي يُحدّد مفهوم “العصر المظلم” من منظور أولئك الذين ينظرون إلى الوراء، أي إلى التاريخ.
ففقدان المعرفة يرتبط بشكل مباشر بفقدان السجلات والوثائق التاريخية. فما نعتبره نحن “عصرًا مظلمًا” هو في الأساس فترة زمنية غابت عنا تفاصيلها، في حين أنً الناس الذين عاشوا فيها ربما كانوا يرونها على أنها عصور عادية. حتى لو كانت هناك آثار عظيمة دالة على تلك الفترة، كما يثبت الدفن في ليفراندي، غير أننا قد لا نكون على دراية بها ببساطة لأن السجلات التي توثّق تلك الأدلة قد ضاعت أو دُمِّرت.
كيف ينطبق هذا على مجتمعنا الحالي؟
تمامًا كما حدث في العصور المظلمة، حيث تركزت المعرفة والثروة في أيدي قلة، نرى اليوم تركيزًا متزايدًا للثروة في أيدي الشركات الكبرى. فالرأسمالية، وإن كانت محركًا للابتكار والنمو، إلا أنها تساهم أيضًا في زيادة الفجوات الاقتصادية وتقليل فرص الوصول إلى الموارد، بل إنها توجه جهودنا الواسعة إلى غايات لا تترك أي أثر دائم.
وعلى الرغم من التقدم التكنولوجي الهائل، إلّا أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقميّة يجعل من سجلاتنا الإلكترونية عرضة أكثر من أي وقت مضى للمحو الكامل في حالة حدوث كارثة عالمية، آخذة معها هيكل وسلطة عالمنا ومعظم ذاكرتنا الجمعيّة.

لقد أصبحنا أسرى التقنيات التي ابتكرناها. فنحن نستخدم الآلات لتصنيع آلات أكثر تعقيدًا، مما يزيد من اعتمادنا عليها بشكل كبير. يجعلنا هذا النظام المعقد عرضة للانهيار، فإذا فقدنا القدرة على إنتاج هذه الآلات، فسنفقد معها القدرة على الحفاظ على مستوى معيشتنا الحالي.
كما لا يمتلك مجتمعنا أي شيء ملموس يتركه وراءه.
تم تصميم “The Shard” وهو أطول مبنى وأبرز معلم في لندن ليدوم 75 عامًا فقط. هذا المأوى السكني تم بناؤه من الخرسانة المُسلّحة لكسب المال، على أن يتم هدمه لاحقًا.
السبب في تذكّر بيتراتش الرومان مرتبط ارتباطًا وثيقًا باختيارهم الحجر مادة أساسيّة لبناء مدنهم وطرقهم. فالحجر، بصلابته وديمومته، حافظ على أجزاء كبيرة من نسيج حياتهم اليومية، حتى بعد مرور قرون. على النقيض من ذلك، قد تكون شعوبا كثيرة كالبرابرة قد ظُلمت وذلك لاختيارهم الخشب كمادة بناء رئيسيّة، ممّا أدّى إلى زوال آثار حضاراتهم بشكل أسرع.
يبدو عالمنا الحديث فريدًا من نوعه، وفي نواحٍ كثيرة هو كذلك. ولكن هل سيوافق بعض المؤرخين المستقبليّين، عندما ينظرون إلى عصرنا على أنه فريد أو استثنائي فعلًا؟
سيتم نسيان سجلات عصرنا، وستتحول مبانينا إلى غبار. ستُرفض إنجازاتنا الثقافية، التي قُوضت في مساعيها الفنية مثل أي شيء آخر بسبب الحاجة إلى أن تكون “مربحة”.
ولن يستنتج المؤرخون أنّ هذا كان عصرًا ذهبيًا، بل عصرًا مظلمًا.
مقال مترجم بقلم: جوزيف جرين
29 أبريل 2024
إعلان
