هل من المستحيل علمياً أن ينحدر البشر من زوجين فقط؟ – ترجمات

هل تجعل الأدلة الجينية من المستحيل علميًا أن يكون البشر قد مروا باختناق سكاني مكون من فردين فقط في الماضي خلال تاريخهم التطوري؟ هذا سؤال يطرح علي بشكل شبه متكرر من قبل الأصدقاء المتدينين. من خلال فهمي الحالي للأدلة الجينية، لا يمكنني القول بشكل قاطع أن هذا أمر مستحيل. في هذا المقال، سأناقش فصل من كتاب حديث حول هذا الموضوع. أكتب هذا المقال كي أناقش أفكاري مع علماء الأحياء الآخرين، وكي أتحقق من أنني لا أفوِّت شيئًا.

– آدم والجينوم.

غالبًا ما يجمع المؤمنون بالديانات الإبراهيمية الذين يقبلون التطور بينه وبين الاعتقاد بأن جميع البشر قد انحدروا من زوجين. حتى الآن، افترض الكثيرون أن هذا الاعتقاد متوافق مع التطور والعلم السائد.

هذا ليس صحيحا، وفقًا لما كتبه عالم الأحياء المسيحي دينيس فينيما في كتابه آدم والجينوم عام 2017. يزعم الفصل الثالث من هذا الكتاب أن الدراسات الجينية السكانية تعطي تقديرات مستقلة بأن الكثافة السكانية البشرية لم تنخفض ​​أبداً في تاريخ البشر التطوري عن حوالي 10,000 فرد. وهو ما يعني أن انحدار البشر من زوجين أمر مستحيل، وهذه حقيقة مشابهة لمركزية الشمس. إنه يعطي قرائه المسيحيين خيارًا بين تبني العلم السائد، أو التمسك بمعتقدات لا يمكن الدفاع عنها حول آدم وحواء.

هذا جيد، طالما أن العلم السائد يُظهر حقًا أن انحدار البشر من زوجين هو استحالة مطلقة. لكن بعد أن نظرت إلى الأدلة التي يستشهد بها فينيما، لم أقتنع بعد. لا أستطيع أن أردد صدى صوته وأقول لشخص يؤمن بانحدار البشر من زوجين أنه ضد العلم، سأشرح تفكيري مناقشاً الأدلة التي يستشهد بها على حدة.

– الدليل الأول: انخفاض في التنوع الجيني (Genetic diversity).

الفصل الثالث من كتاب آدم والجينوم يجادل بأن انحدار البشرية من زوجين فقط من شأنه أن يتسبب في انخفاض شديد في التنوع الجيني، مما قد يكون له آثار مدمرة. يكتب فينيما: ”إذا تم تشكيل البشر من خلال مثل هذا الحدث (عن طريق زوج واحد) أو إذا تم تقليل عدد الأنواع إلى زوج تكاثر واحد في مرحلة ما من تاريخ هذه الأنواع، فإن ذلك سيترك علامات مميزة في جينوم هذه الأنواع، وهذه العلامات ستستمر لمئات الآلاف من السنين بانخفاض حاد في التنوع الجيني للأنواع الناتجة ككل. أحد هذه الأنواع التي تفتقر بشدة إلى التنوع الجيني هو الشيطان التسماني، وهو جرابي آكل للحوم وُجد سابقًا في جميع أنحاء أستراليا، ولكنه الآن فقط في جزيرة تسمانيا قبالة الساحل الأسترالي. كان لدى شياطين تسمانيا تنوع جيني ضئيل للغاية خلال مئات السنوات القليلة الماضية: معظمهم يملك نفس الأليلات بالضبط مع وجود اختلافات نادرة فقط“.

إعلان

ثم يذهب ليصف كيف تُصاب شياطين تسمانيا بسرطانات الوجه المعدية؛ وهو أمر يعزوه إلى تنوعها الوراثي المنخفض. ويخلص إلي أن: ”الآثار المترتبة على ذلك واضحة: لقد عانت شياطين تسمانيا من انخفاض شديد في العدد في الماضي البعيد، لكن البشر لم يعانوا من ذلك“.

كتب لاحقًا: ”تقدم قصة الشيطان التسماني، طريقة لطيفة لرؤية الأشياء التي نتوقعها، إذا بدأ البشر في الواقع بشخصين فقط“.

إنها قفزة صغيرة إلى حد ما أن نقول إنه إذا كان البشر قد مروا باختناق سكاني شديد، فسيكون لديهم مستويات تنوع جيني مماثلة لشياطين تسمانيا. في حين أنه يبدو واضحًا أن شياطين تسمانيا قد مرت باختناق سكاني شديد، إلا أن الاختناقات ليست كلها متشابهة. يمكن أن تختلف في طولها وكذلك في شدتها، والاختناق القصير له عواقب أقل خطورة من الاختناق الطويل. كل ما نحتاجه لفرضية آدم وحواء هو الاختناق السكاني القصير والحاد.

من السهل أن يكون لديك حدس مضلل حول الآثار الجينية لاختناق سكاني قصير ومفاجئ. على سبيل المثال، اقترح عالم الأحياء إرنست ماير أن العديد من الأنواع قد مرت عبر اختناقات شديدة في أحداث التأسيس (حدث التأسيس هو: إنتاج مجموعة سكانية جديدة من عدد صغير من الأفراد اللذين ينتمون إلى مجموعة كبيرة من الأسلاف). وجادل بأن الفقدان الشديد للتنوع في مثل هذه الأحداث من شأنه أن يعزز التغير التطوري.

فقدت حجة ماير حول الفقد الشديد للتنوع الجيني الكثير من قوتها عندما أظهر علماء الوراثة السكانية أنه حتى إذا تم تقليل عدد الأنواع إلى زوج تكاثر واحد فقط، فلن يؤدي ذلك إلى انخفاضات هائلة في التنوع الجيني، إذا تبع ذلك نمو سكاني سريع.

عندما يتم أخذ شخصين بشكل عشوائي من كثافة سكانية كبيرة، فسيحملان في المتوسط ​​75% من التغاير الزيجوتي (التغاير الزيجوتي Heterozygosity هو مقياس للتباين الجيني: ويعني وجود أليلين – الأليل هو نسخة مغايرة من نفس الجين، فمثلا الجين الذي يصنع لون العيون له نسخ مغايرة تعطي سمات ظاهرية أي ألوان مختلفة للعيون، مختلفين في مكان واحد أو أكثر على الكروموسومات) لهذه الكثافة السكانية.

مثلاً تملك أليل للون العيون الأزرق وأليل للون العيون البني، أو أليل لشعر مجعد وأليل لشعر أملس، أو أليل فصيلة الدم A وأليل فصيلة الدم B وحسب تفاعل هذه الأليلات مع بعضها البعض تحصل على سماتك الظاهرية، أليل لون العيون البني يسود على أليل لون العيون الأزرق لذلك ستحصل على عيون بنية لكن مع ذلك فما زلت تحتفظ بأليل لون العيون الأزرق، أليل فصيلة الدم A يتفاعل مع أليل فصيلة الدم B فتصبح فصيلة دمك من نوع AB) وهكذا.

من اختناق سكاني مكون من أنثى واحدة مخصبة، إذا تضاعف حجم السكان كل جيل، بعد عدة أجيال، سيكون لدى السكان أكثر من نصف تغاير السكان الزيجوتي قبل حدوث اختناق لهم. إذا كان النمو السكاني أسرع من هذا، فستكون نسبة التغاير الزيجوتي أعلى. وبالتالي، فإن اختناق قصير وحاد يتبعه نمو سكاني سريع، لن يحكم على نوع ما بمصير شياطين تسمانيا.

أي أن زوجين من البشر يمكنها حمل تغاير زيجوتي كبير من أسلافهم السابقة، بشرط أن يكون مستوى التغاير الزيجوتي في أسلافهم عالٍ، ثم يمكنهما بعد ذلك تمرير معظم هذا التغاير الزيجوتي إلى نسلهم طالما أن نسلهم ينمو بسرعة.

يجادل دينيس فينيما بعد ذلك أنه لو انحدرت البشرية من زوجين فقط، فسيحدث انخفاض شديد في الثراء الأليلي Allelic richness/diversity (مقياس آخر للتنوع الجيني وهو: العدد الإجمالي للأليلات في مجموعة سكانية ما).

فمثلاً معقد التوافق النسيجي الكبير Major Histocompatibility Complex/MHC، هو مجموعة من الجينات التي تلعب دور مهم في المناعة، كل جين من جينات هذا المعقد له ألف أليل. كيف يمكن أن تظهر كل هذه الأليلات من فردين فقط؟ لابد من حدوث انخفاض شديد في العدد الإجمالي للأليلات.

وهذا الانخفاض الشديد سيؤثر سلباً على الكائنات الناتجة، فجسم الانسان يستطيع محاربة عدد لا حصر له من الڨيروسات والبكتيريا والطفيليات الآن بسبب هذا الثراء الأليلي، لو لا يوجد ثراء أليلي فأي عدوى يمكن أن تقتلك بسهولة، وبالتالي هناك فرص أكبر لتعرض البشر للانقراض.

هذا صحيح. لكن مرة أخرى، لو حدث نمو سكاني سريع جداً بعد هذا الاختناق الحاد، فمن الممكن توليد ثراء أليلي مجدداً، وبالتالي فما زال يمكننا الحصول على تنوع جيني كبير (تغاير زيجوتي، وثراء أليلي) من فردين فقط.

– الدليل الثاني: اختلال التوازن الارتباطي (Linkage disequilibrium) بين السكان.

يستشهد فينيما بدراسة تفحص أنماط اختلال التوازن الارتباطي (LD) في البشر (اختلال التوازن الارتباطي هو مقياس لمقدار إعادة التركيب الجيني الذي حدث بين المواقع على الكروموسومات البشرية خلال تاريخهم التطوري، إعادة التركيب الجيني هي عملية يتم فيها كسر أجزاء من الكروموسومات أو الحمض النووي وإعادة تجميعها مع بعضها البعض بطرق مختلفة لتوليد توليفات جديدة من الأليلات، هناك علاقة رياضية بين حجم السكان في وقت ما واختلال التوازن الارتباطي، فمن خلال معرفة أنماط اختلال التوازن الارتباطي يمكننا رياضياً معرفة عدد السكان في وقت معين من الماضي)، كدليل على أن الكثافة البشرية لم تقل أبداً لشخصين فقط. هذه الورقة، بكلماتها الخاصة ”تستند إلى العلاقة التقريبية المعروفة بين (LD)، و(Ne) الحجم الفعال للسكان، أي عدد السكان البالغين والقادرين على التكاثر“.

يعلق فينيما على الدراسة قائلا: ”تشير النتائج إلى أننا ننحدر من مجموعة يبلغ عدد أفرادها حوالي 10,000 فرد، وهي نفس النتيجة التي حصلنا عليها عند استخدام التباين الجيني، يوسع هذا التحليل معرفتنا بالماضي منذ ما يقرب من 200,000 عام مضى، عندما يظهر جنسنا ”الهوموسيبيان“ لأول مرة في السجل الأحفوري (في نفس السنة التي صدر فيها الكتاب، تم اكتشاف حفرية أرجعت أصول الهوموسيبيان إلى 300 ألف سنة وليس 200 ألف سنة فقط). وجد الباحثون أنه خلال هذه الفترة، احتفظ البشر الذين يعيشون في إفريقيا الزنجية بحد أدنى من السكان يبلغ حوالي 7000 فرد، وأن أسلاف جميع البشر الآخرين حافظوا على حد أدنى من السكان يقدر بحوالي 3000 – مرة أخرى، بالإضافة (7000+3000) نحصل على نفس الرقم“.

تعتمد هذه الدراسة بشكل حاسم على معرفة معدل إعادة التركيب الجيني للسكان. يتم استخدام معدل إعادة التركيب الجيني على حد سواء لحساب حجم السكان الفعال (من LD) وتقدير الفترة الزمنية. لكن الطريقة الرئيسية المستخدمة لتقدير معدل إعادة التركيب الجيني من قبل المؤلفين هي أنماط اختلال التوازن الارتباطي. يتم أيضًا استخدام أنماط اختلال التوازن الارتباطي لحساب أحجام السكان الفعالة بدلالة معدل إعادة تركيب معروف. يوجد هنا درجة من الاستدلال الدائري، لا مفر منه. عندما استخدم المؤلفون طريقة مختلفة قليلا لتقدير معدل إعادة التركيب الجيني (والتي تعتمد أيضًا على مقاييس اختلال التوازن الارتباطي)، انخفضت جميع تقديراتهم لـ (Ne) بمتوسط ​​27%. وبالتالي فنحن أمام تقديرات أولية فقط لحجم السكان الفعال. أنا متأكد من أن مؤلفي الدراسة لن ينظروا إلى نتائجهم على أنها ذات يقين مكافئ لمركزية الشمس.

من الواضح، مع ذلك، أن الورقة لم تقدم تقديرا لحجم السكان الفعال يصل إلى فردين فقط. هل هذا إذن يدحض فرضية آدم وحواء؟ لا أعتقد ذلك، لأن مثل هذا السيناريو ببساطة لا يتوافق مع الأساليب المستخدمة في هذه الدراسة. تفترض الأساليب أن السكان -في أي نقطة زمنية معينة- في حالة توازن سكاني، كما لا تحدث أي انفجارات سكانية (نمو سكاني كبير)، وبالتالي فلا يمكن لهذه الأساليب أن ترصد الاختناقات السكانية الحادة والقصيرة.

وحتى لو كانت نتائج هذه الدراسة صحيحة تمامًا، فإن المؤلفين لا يدلون بأي تصريحات حول حجم السكان منذ أكثر من 200,000 عام فقط. يبدو أن هذا يترك الباب مفتوحًا أمام احتمال وجود آدم وحواء في السنوات السابقة.

– الدليل الثالث: طريقة التحام الأليلات (PSMC method).

يستشهد فينيما أيضًا بدراسة منشورة في مجلة (Nature) عام 2011. هذه كانت الدراسة الأولى التي تستخدم طريقة التحام الأليلات (PSMC method) وهي طريقة يتم فيها تحليل الجينوم الفردي لاستنتاج أحجام السكان الفعالة السابقة في الماضي (على الأشجار التطورية يحدث تفرع إذا اتجهنا من الماضي إلى المستقبل، أسلاف يتفرع نسلها بشكل شجيري، فلو أردنا معرفة عدد السكان الذين انحدر منهم هذا النسل، التفرع سينعكس ويصبح التحام في نقاط معينة على الشجرة التطورية (كل نسل [فرع في الشجرة التطورية] يرجع إلى سلفه [أصل الفرع])، باستخدام هذه الطريقة عندما نتتبع مسار الجينات الحالية للنسل البشري في الماضي، نجد أن هذه الجينات لا تعود/تلتحم عند فردين/سلفين فقط بل تعود/تلتحم عند جماعات/أسلاف). باستخدام هذه الطريقة على الجينوم البشري، فعدد الأفراد لم ينخفض عن 5700 فرد. هل يثبت هذا أن الاختناق السكاني القصير والمفاجئ لم يحدث أبداً؟ لا أعتقد ذلك. نظرًا لأن هذه التقنية غير قادرة على رصد الاختناقات السكانية الحادة والقصيرة، لاحظ مؤلفوا الورقة بأنفسهم: ”أحد القيود على طريقة التحام الأليلات (PSMC method) هو أنها غير قادرة علي رصد التغيرات المفاجئة في عدد السكان الفعال، على سبيل المثال، انخفاض الكثافة السكانية الفوري من 12000 إلى 1200 منذ 100,000 سنة مضت“.

في الآونة الأخيرة أيضا، أظهرت بعض عمليات المحاكاة التي أجراها طالب دراسات عليا أن طريقة التحام الأليلات (PSMC method) لا تكتشف الاختناقات السكانية الحادة والقصيرة، مثل تلك التي يسببها الوباء أو الكوارث الطبيعية. وبالتالي لا أستطيع أن أرى أن تحليلات (PSMC method) (التي تم إجراء العديد منها على الجينوم البشري منذ الورقة الأصلية) يمكن الاستشهاد بها على أنها تدحض بشكل صارم الاختناق السكاني القصير والحاد.

خاتمة:

السؤال الذي يطرحه أصدقائي المؤمنون مختلف عن الأسئلة المطروحة في الدراسات التي نوقشت أعلاه. لا يسألني أصدقائي عما إذا كان من المحتمل أن يكون البشر قد مروا في أي وقت مضى باختناق سكاني مكون من فردين فقط بل يسألونني إذا كان ذلك ممكنًا. لم يتم تصميم أي دراسة حتي الآن لاختبار هذه الفرضية. هذا ما نحتاجه لحل هذه المشكلة.

لقد تناولت الحجج المقدمة ضد هذه الفرضية في فصل من كتاب واحد تناول هذه القضية أكثر من أي مصدر آخر صادفته، قد تكون هناك حججا أخرى، وربما أفضل، لم يقدمها فينيما وبالتالي لم أتفاعل معها.

إذا فوتت شيئًا ما، فأود أن أعرفه من القراء. في حين أن هذه القضية قد تبدو تافهة للعديد من القراء، بالنسبة لأعداد كبيرة من المؤمنين في العالم، فهذه قضية حرجة. هل يواجهون حقًا خيارًا ثنائيًا بين قبول العلم السائد والاعتقاد بأن البشر، في مرحلة ما من تاريخهم التطوري، قد انحدروا جميعًا من آدم وحواء ”زوجين“ فقط؟ أنا منفتح لفكرة أنهم يواجهون معضلة، لكني بحاجة إلى مزيد من الأدلة قبل أن أقتنع.

مقال مترجم بتصرف: المصدر:


 

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: رنا داود

اترك تعليقا