مارتن لوثر ومحمد بن عبد الوهاب، ماذا فعل الإصلاحيان؟

ملحوظة قبل القراءة / هذا مقال تاريخي وليس عقائدي مما اقتضي لدواعي محدودية عدد كلماته والالتزام بموضوعة ان يقتصر على جوانب بعينها تخدم غرضه دون غيرها.

يا سيدي المسيح أطلَّ علينا من عليائك ودع يوم قصاصك يشرق ودمِّر عش الشيطان في روما.
في إبريل/نيسان 1521م مَثَلَ القس الألماني مارتن لوثر أمام أعضاء مجلس الإمبراطورية الرومانية المقدّسة في مدينة فورمس الألمانية. لمواجهته بتهمة الهرطقة، كان مارتن لوثر يرغب في مناقشة أفكاره التي أوصلته إلى هذا الموقف. ولكن لم يسمح له  بالإجابة إلا على سؤالين فقط بنعم أو لا؛وهما: هل هو مؤلف الكتب المنشورة باسمه؟ وهل يرغب في التراجع عن شيء قاله فيها؟ كانت إجابة مارتن لوثر بسيطة واضحة.

“مالم أقتنع بأدلة من نصوص الكتب المقدسة أو حجة لا جدال فيها. فأنا مصمّم على النصوص المقدسة التي استشهدت بها وبما يمليه على ضميري الذي هو أسير لكلمة الله”.

كان لوثر يحطِّم “ربما دون قصد” قيود رُسخَت لألف عام عندما أعلن أن لا يوجد دليل على ادعاء الباباوات السلطة المطلقة، ولا دليل أنَّ القديس بطرس الذي يزعم الباباوات أنهم خلفاؤه قد وطئت قدماه روما أبدًا.

كان مارتن لوثر المنتمي لأسرة من الطبقة المتوسطة قد بدأ شقَّ طريقة المهنيّ بدراسة القانون، ولكنه فجأة توقّف عن استكمال دراسته في 1505م، وعاد لبلدته والتحق بدير أوغسطينيان المجاور ليتحول إلى راهب ويدرس اللاهوت بدلًا من القانون، حتّى تحوَّل لمحاضرٍ وأستاذ جامعيّ بالإضافة لمهامه الكنسية.

وعندما بدأت حملة بيع صكوك الغفران لتمويل تشييد كاتدرائية سانت بيتر الجديدة في روما تساءل لوثر غاضبًا لماذا لا يشيّد البابا الكاتدرائية بأمواله الخاصة بدلًا من أموال المسيحين الفقراء؟

كانت صكوك الغفران التي تعني اسمها حرفيًّا وثائق تمنحها الكنيسة للمتبرعين تفيد بغفران آثامهم وخطاياهم فلا يحاسبون عليها في الآخرة، وقد انتشرت عشية الحروب الصليبية حيث كان فرصة لتمويل الحملات من هؤلاء الذين لا يريدون المشاركة في الجهاد المقدس ثم تحولت لعادة راسخة تقوم بها الكنيسة لجمع التبرعات في كل حين، كتب لوثر غاضبًا “إنَّه من الغرور الثقة في نيل الخلاص بصكوك الغفران حتى إن وهب البابا روحه ضمانة لذلك”.

إعلان

في عشية يوم عيد جميع القديسين 1517م وبينما كانت الحشود تتجمع متجهة لكنيسة قلعة فيتنرج لشراء صكوك الغفران علَّقَ لوثر على باب الكنيسة رسالته بأطروحات خمسة وتسعين مناهضة لصكوك الغفران تطعن في مصداقيتها وشرعيتها وتهاجم البابا لسماحه بها.

ودون أن يدري كان مسمار مارتن لوثر الذي علَّقَ به الرسالة قد شقَّ باب الكنيسة المغلق المنيع.

أثارت تلك الرسالة ضجَّة كبيرة سرعان ما وصلت نسخة منها إلى روما على يد رئيس الأساقفة الذي كان يتربَّح من صكوك الغفران فتمَّ استدعاء مارتن لوثر إلى روما ولكنه بناءً على نصيحة الأمير فريدريك توجّه إلى أوجسبورج حيث طلب منه الكاردينال التراجع عن آرائه وعندما رفض طالب بتسليمه إلى السلطات أو نفيه من ساكسونيا، ولكن الأمير فريديك رفض ذلك وسرعان ما أصدر البابا ليو العاشر أمرًا رسميًّا يدعم التعاليم البابوية عن صكوك الغفران وعندما وصل للوثر رسالة تهديد بحرمانه كنسيًّا (عقوبة تعني قطع الصلة بين الشخص والكنيسة وحرمانه من أي عمل كنسيّ حتى التوبة) بأمٍر بابويٍّ أحرقها علنًا في ديسمبر 1520م ثم صدر أمر رسميٌّ بحرمانه كنسيًّا في يناير 1521م، ردَّ عليه بعنف في خطاب مفتوح إلى أشراف الأمة الألمانية المسيحية قال فيه “يجب أن يكون الكتاب المقدّس مرجعنا الأخير للعقيدة أو أداء الشعائر، فالكتاب المقدّس لا يقدِّم أيَّ بينةٍ على حق البابا المطلق في دعوة مجلس، وإذا كان ينشد بالحرمان من غفران الكنيسة أو التحريم أن يمنع مجلسًا فإننا يجب أن نستخف بسلوكه كأنه تصرُّف رجل مجنون ونقذفه بحرمانه معتمدين في ذلك على الله ونقمته بقدر الإمكان ويجب دعوة مجلس في أقرب وقت وعليه أن يفحص المفارقة الفظيعة في أن زعيم العالم المسيحي يعيش في ترف دنيوي يفوق ما يحلم به أيّ ملك ولا بدَّ أن يضع هذا حدًّا لاستيلاء رجال الدين الإيطاليين على التبرعات الألمانية وأن يقلل إلى واحد في المئة من “زمرة الهوام” الذين يشغلون في روما مناصب دينية تُدرُّ عليهم دخلًا دون أن يؤدوا عملًا ويعيشون بصفة أساسيّة على الأموال التي يسلبونها من ألمانيا”.

ثم انتهت محاكمة لوثر أمام أعضاء مجلس الإمبراطورية الرومانية المقدسة في مدينة فورمس بأن أعلنه الإمبراطور شارل الخامس خارجًا عن القانون وهذا ما كان يعني إهدار دمه، ولكنَّ أمير ساكسونيا فريدريك الذي كان من مؤيديه سرًا أخفاه في قلعة فارتبورج متواريا عن الأنظار إلى أن اضطرت القلاقل والاضطرابات التي أحدثها مؤيديه في مدينة فيتبرج إلى طلب مجلسها منه العودة إليها بسلام.

ولكن الأمور كانت أبعد ما تكون عن السلام فسرعان ما انتشرت أفكار لوثر بين الناس انتشار النار في الهشيم وإن لم يكن لوثر أول ناقد للكنيسة فقد كان أكثرهم نجاحًا بينما سبقه سلسلة طويلة من المعارضين أعدموا بتهمة الهرطقة وأحرِقوا على الأوتاد أو سجنوا حتى موتهم.

وكان سر نجاح لوثر هو أن حركته شبّت في المدن الألمانية الحرة وتحت حماية حكَّامها كأمير ساكسونيا فريدريك وحاكم هيسي فيليب الذين منحوا اللوثريين القوة اللازمة لصدِّ محاولة الإمبراطور لسحقهم، كما وفَّر اختراع جوتنبرج المذهل في الطباعة الفرصة لنشر كتب لوثر على نطاق واسع، لم يتسنَّ لأي من سابقيه أن يبلغوه فتحولت الكتب المطبوعة -ولم تكن الجرائد والمجلات قد ظهرت في ذلك العصر- إلى آلات للدعاية والحرب وبحافز من ثورة لوثر ارتفع عدد الكتب المطبوعة في ألمانيا من 150 عام 1518م إلى 990 عام 1524م، وكانت أربعة أخماس هذه الكتب تؤيّد الإصلاح الديني اللوثري  وكانت مؤلفات لوثر هي أكثر الكتب رواجًا في ذلك العصر، وبيعت في الأسواق ومع الباعة الجائلين وسرعان ما صدرت إلى فرنسا وإسبانيا وإنجلترا.

وكان أعظم أعمال مارتن لوثر على الإطلاق هو ترجمته للإنجيل باللغة الألمانية حيث ولأول مرة بفضل الطباعة أصبح لكل أسرة في ألمانيا نسخة شخصية خاصة من الإنجيل بلغتهم التي أصبحت لغة قوميّة في بداية لظهور ألمانيا التي لم تكن دولة في ذلك العصر واستُبدلت اللاتينية في العلوم والآداب.

وتزامن الانتشار فائق السرعة لأفكار لوثر مع ثورة الفلاحين التي عمّت ألمانيا بدايةً من 1525م ففي الوقت الذي تحدّى فيه لوثر الكنيسة وتمرّد عليها، كانت الكنيسة تمثّل جزءًا لا يتجزأ من الدولة إلى حد أن تقويض ما يتمتع به رجال الدين من هيبة وسلطان قد أزال أكبر عائق للثورة.

وفي مطلع عام 1525م كان عشرات الآلاف من الفلاحين في جنوب ألمانيا، قد حملوا السلاح وأعلنوا التمرّد على الدولة والكنيسة معًا ورفضوا دفع الضرائب التي تفرضها الدولة وضرائب العشور الكنسية والضرائب الإقطاعية وسرعان ما قامت الحرب الأهلية تأكل الأخضر واليابس.

وكان موقف مارتن لوثر من هذه الثورة التي كان أحد أهم أسباب اندلاعها مختلطًا، فبينما نصح الأمراء والسادة الإقطاعيين بأن يعترفوا بعدالة كثير من مطالب الفلاحين وحثِّهم على انتهاج سياسة تتسم بالرأفة وعارض استيلاء الكنائس على ضرائب العشور رفض في الوقت نفسه العنف الذي لجأ إليه الفلاحين وتنبَّأ بأنه سوف يترك الفلاحين في وضع أسوأ مما كانوا عليه وأنَّ ثورتهم ستَصِمُ حركة الإصلاح الديني بالعار، وقال: إنَّه يجب على الناس الخضوع للسلطات إذ إنَّ لها الحق في فرض ما تراه من ضرائب لمواجهة نفقات الحكومة وأنَّ حرية الرجل المسيحي يجب أن تُفهَم على أنَّها حرية روحية لا تتعارض مع العبودية بل ولا الرق “ألم يتَّخذ إبراهيم وأبناؤه الآخرين والأنبياء عبيدًا؟ اقرأ ما يعلّمه لنا القديس بولس عن الخدم الذين كانوا جميعًا أرقاء في ذلك العهد، ومن ثم فإن بندكم الثالث لا يسري على الإنجيل فهذه المادة تساوي بين الناس جميعًا وهذا مستحيل، ذلك لأن مملكة دنيوية لا تستطيع أن تقف على قدميها ما لم تكن هناك درجات متفاوتة بين الأشخاص بحيث يكون البعض منهم أحرارًا والبعض مسجونين والبعض سادة والآخرون رعايا”.

ولكن الثورة استمرت وأحرق الفلاحون الغاضبون الكنائس المناهضة للبروتستانتية وقصور الأشراف والنبلاء فجاهر لوثر بعدائه للثورة ودعا الحكام البروتستانت بالصلاة والندم والمفاوضة ولكن إذا ظل الفلاحون على عنادهم “عندئذ سارعوا بامتشاق الحسام لأن أيّ أمير أو سيّد يجب أن يتذكّر في هذه الحالة أنّه كاهن لله وأنّه أداة نقمته تعالى الذي يمتشق من أجله الحسام لضرب رقاب هؤلاء الأتباع وإذا خطر لأحد أن هذا صعب جدًا فليتذكر أن الثورة لا تحتمل وأن دمار العالم أمر متوقع في كل ساعة”.

وعندما انتهت الثورة بعد تدخل عسكري غاشم كان قرابة 130 ألف فلاح قد قضوا نحبهم، ونفذ الإعدام في الآلاف وقطعت أطراف وسملت عيون الآلاف من الثائرين حتى تدخل الأمراء العقلاء في آخر الأمر في تخفيف همجية الانتقام.

وعندما توفي مارتن لوثر في 1546م مغضوبًا عليه من كافة الأطراف كان قد أشعل شرارة ثورة دينيّة وفكريّة واجتماعيّة واقتصاديّة غيّرت أوروبا والعالم بأسره إلى الأبد.

كانت حركة لوثر والنقاشات العميقة حولها التي دارت في أجواء عصيبة مشحونة بالثورة والغضب والتمرد على أوضاع اجتماعيّة واقتصاديّة مترديّة قد أثمرت تغيرات كبرى في الذهنيّة الأوربيّة.

فكان إصلاح لوثر قائمًا على العودة لأصول الإيمان المسيحيّ الذي انتهكته مظاهر الفخامة في الكنائس من ناحية والسلطويّة وامتلاك الأراضي والتدخل في السياسة من ناحية أخرى، كما كان يرفض من جهة العقيدة مظاهر عبادة القديسين التي شجَّعت عليها الكنيسة فأصبح التضرُّع إلى القديسين بدلًا من الرَّب، فأعلن لوثر أن الخلاص يكمن في الإيمان وحده وأنَّ العلاقة بين الشخص وربِّه فردية لا تحكمها الكنيسة التي أدان إصدارها لصكوك الغفران كما رفض امتناع رجال الدين عن الزواج والنذر بالرهبانية وتقديم النذور للقديسين باعتبارها “بدع” لم ترد في الإنجيل.

كانت رسالة لوثر تحمل مضمون علماني قوي يفصل بين الدولة والكنيسة ويرفض دور رجال الدين في الإدارة “ليس هناك فرقٌ حقيقيٌّ بين رجال الأكليروس والعلمانيين إذ إنَّ كلَّ مسيحيِّ ينصب قسًّا بالتعميد ومن ثم فإن على الحكّام الزمنيين أن يمارسوا سلطاتهم دون عائق أو اعتراض بغض النظر عما إذا كانوا يسيؤون إلى البابا أو الأسقف أو القس وكل ما نص عليه القانون الكنسي مما يناقض ذلك من خالص بنات أفكار الوقاحة الرومانية”.

ومضمون اجتماعي يحمل سمه قوميّة ينتقد امتلاك الكنائس للثروات والأراضي بينما الأغلبية الساحقة من الشعب لا تجد ما يسدُّ رمقها “لقد قرَّرَ البعض أن أكثر من 300000 جولدن تجد طريقها كل عام من ألمانيا إلى إيطاليا كيف يتأتَّى أن يكون لزامًا علينا نحن الألمان أن نتسامح في مثل هذه السرقة ومثل هذا السلب لأملاكنا على يدي البابا؟ وإذا كنا بحق نشنق اللصوص ونضرب أعناق السارقين بالإكراه فكيف نسمح للشرِّ الروماني أن يفلت من العقاب؟ ذلك لأنّه أكبر لصٍ وسارق بالإكراه جاء أو يمكن أن يجيء إلى العالم بل وشرَّهم قاطبةً بالاسم المقدس للمسيح والقديس بطرس ومن في وسعه بعد هذا أن يتحمَّل أو يلزم السكوت؟”.

وكانت الثورة البروتستانتية قد وجدت أرضًا خصبةً في ألمانيا التي بدأت بها الحركة القوميّة على استحياء فكان الانفصال الروحي بين الأمان والكنيسة الكاثوليكية الرومانية وتدوين الإنجيل والصلاة باللغة الألمانية مظاهر قوميّة استهوت الطبقة البرجوازية الألمانية بوعيٍ أو بدون وعي.

ومضمون عقلاني يرفض ما شاع من خرافات وما عُلِّق بالدين من مظاهر وثنية قاربت عبادة الأسلاف عند الوثنيين.

ومضمون تحريريّ أعلن به لوثر كل مسيحي قسًّا وأعطاه حق تفسير الكتاب المقدّس الذي لا يوجد مبرر لاحتكار الكنيسة لتفسيره ومن ثم الحقيقة الدينية فرفض التقليد الأعمى وكسر سطوة الكنيسة التاريخيّة على العقول والنفوس باعتبارها “من يوقع عن الله” والجهة المحتكرة لبيان الإرادة الإلهية والصواب والخطأ وقد كان لهذا عظيم الأثر الثقافيّ في اتجاه العلمنة حيث انفتحت الأبواب أمام الأيدولوجيات المختلفة لوضع أسس مغايرة للأخلاقيات بما أنّ الكنيسة لم تعد الجهة المنوط بها تحديد الصواب والخطأ دينيًّا ومن ثم أخلاقيًّا فأصبح ممكن أن تكون هناك معايير أخلاقية مختلفة ومناقضة لتلك الدينية.

كما لاحظ ماكس فيبر التأثير الهائل للوثر في صعود الرأسمالية الجديدة فقد كانت النظرة المسيحية التقليدية للأعمال التجارية والسعي إلى الأرباح المادية وتعظيمها نظرة احتقار وازدراء باعتبارها انشغال بأمور الدنيا الزائلة، أمَّا لوثر فقد أعلى قيمة العمل ومنزلته “على الرهبان أن يتخلوا عن عزلتهم الأنانية وحياة الدعة التي يعيشونها في الغالب، وأن يتزوجوا ويكدحوا مع الآخرين، فالرجل الذي يجرُّ المحراث والمرأة التي تشتغل في المطبخ يعبدان الله خيرًا مما يفعل الرَّاهب، وهو يتمتم بصلوات غير مفهومة في تكرار يجلب النعاس”.

كان تحوُّل السعيِّ إلى الكسب والربح من تعلُّق مكروه بالدنيا على الأقل في النظرة المسيحية التقليديّة إلى أمر مطلوب ومحترم عظيم الأثر الاجتماعي والاقتصادي ومن ثم السياسي، فعندما يعطى رب العمل العامل لديه الحد الأدنى من الأجر الذي يكفيه بالكاد لتغطية احتياجاته الأساسية مقابل عمله ثم يقلل من هذا الأجر نسمي هذا بالاستغلال الممقوت الذي يمارسه الرأسماليين الذين لا يعبؤون بتعاسة الآخرين في سبيل تراكم الأموال في خزائنهم؛ ولكن عندما يتقاضى العامل أجرًا أقل مقابل العمل فإنه يضطر لزيادة إنتاجه وقضاء ساعات أطول في أداء عمله ليحصل على ما يكفيه وبالتالي تكون المنتجات أقل تكلفة وأعلى تنافسية مما ينعكس إيجابيًّا على الاقتصاد ككل بجانب تحقيقها للربح الوفير لرب العمل.

الفارق أنَّ في إطار الرأسمالية فإن هذا السلوك العقلاني لم يعد مدانًا أخلاقيًّا بقوة كما كان سابقًا وإنما أصبح مُبرَّرًا ومقبولًا أخلاقيًا أيضًا، وبناءً عليه فإنّ زيادة أجور العمّال لم تعد تتم لمكافأة عملهم بالأجر العادل وإنّما لزيادة القوة الشرائيّة لتحقيق مبيعات أكبر وتقوية الاقتصاد أكثر، فكان صبغ السلوكيات الرأسمالية الانتهازية بالأخلاقية هو الجديد في عصر الرأسمالية التي ارتبطت بالقومية والوطنية فبررت السلوكيات الإمبريالية والاستغلالية للشعوب الأخرى لصالح شعبنا واقتصادنا.

أضفت الأفكار البروتستانتية هالةً أخلاقيةً على العمل الدنيويّ ولم تحتقره كالرؤية الكاثوليكية التقليدية فالعامل ورب العمل في الرؤية البروتستانتية لا يقلل من تقواهم وقوة إيمانهم أن يعملوا بجد لتحقيق الربح من أجل حياة أفضل لهم ولذريتهم وبلادهم؛ فاعتبرت البروتستانتية الثروة المادية نعمة وليست شيئًا محتقرا ينبغي الزهد فيه، واعتبر لوثر ومن بعده كالفن الالتزام بالعمل الجاد دليلًا على صحة الإيمان. تشابكت تلك النظرة الدينية الأخلاقية مع العقلانية لتشكلا العصر الرأسمالي، هذا التضافر أدّى إلى وجود متميّز للعقلية الرأسمالية تختلف عن عقلية صاحب المال الجشع في السابق فبجانب الحرص على تعظيم الأرباح هناك حرص آخر على السمعة الطيبة وأداء الحقوق والوفاء بالالتزامات وهذا ما أدى لنجاح المنظومة الغربية في الاستثمار القائم على الائتمان فكان الشخص يستطيع أن يقوم بمشروعات ضخمة تتجاوز إمكاناته المالية بمراحل من خلال الائتمان واقتراض الأموال من مستثمرين آخرين لديهم روح المغامرة ولا يجدون في السعي لتحقيق الربح شيئًا مشينًا أو غير مسيحي و مع تزايد الثقة في الشخص نتيجة إيفائه بالتزاماته يستطيع الحصول على أموال أكثر وتمويل مشاريع أكبر وهكذا، لهذا ظهرت بقوة الشركات التجارية العملاقة التي غيّرت شكل اقتصاد العالم في بضع عقود بأوروبا وأمريكا، وإن كانت هذه النماذج قد ظهرت مبكرًا في الدويلات الإيطالية إلّا أنّها لم تترسخ إلّا بتغيير فكريّ واسع صاحبَ الثورة البروتستانتية.

لم تكن هذه الأفكار نتاج مباشر للبروتستانتية بقدر ما كانت تعبيرًا عن تطلعات الطبقة البرجوازية التي وجدت في البروتستانتية ما يلائمها فأفكار الزهد وكراهية المال واحتقار الغني والاكتناز ليست بالأفكار الملائمة على الإطلاق لمجتمع التُّجار، ولهذا ظهرت في المدن الإيطالية القائمة على التجارة والتي ظهر بها بوادر عصر النهضة من خلال تبرعات الأثرياء للفنون والآداب، بينما كان من أهم مصادر ثرائها وأسبابه هو العلاقات التجارية الوثيقة مع الإمبراطورية العثمانية العدو اللدود للكنيسة الكاثوليكية.

وبينما تشترك الرأسمالية والمسيحيّة في كراهية السلوكيات غير القويمة كإدمان الخمور والدّعارة والسرقة إلخ… فإنّ الرأسمالية ترى هذه السلوكيات ضارة بالسوق والاقتصاد وتضعف الإنتاج فهنا تتلاقي العقلانية مع الأخلاقية فعندما استمع المجلس النيابي الألماني إلى اتهامات ضد الاحتكاريين أنّهم يثرون على حساب الشعب، كان دفاع أحد القادة البروتستانتيين واضحًا في دلالته على هذه العقلية الجديدة حيث قال: “إنَّ العالم المسيحيّ غنيٌّ بسبب العمل، وكلّما اتسع حجم العمل في بلد ما ازداد رخاء شعبه وحيث يكثر عدد التجار تزداد فرص العمل، ومن المستحيل تحديد حجم الشركات فكلما اتسع حجم معاملاتها وازداد عددها كان هذا خيرا لكل إنسان. وإذا لم يكن للتاجر مطلق الحرية في القيام بأعماله في ألمانيا فإنه سوف ينطلق إلى مكان آخر فتخسر ألمانيا وإذا لم يستطع القيام بالعمل بعد أن يتجاوز قدرًا معينا فماذا هو صانع فائض أمواله؟ من الخير أن يترك التاجر وشأنه، وألا توضع أية قيود على مقدّراته أو على رأس ماله”.

أزالت البروتستانتية الإثم من الرأسمالية ووهبت الرأسماليين فرصة ذهبية ليَظهروا كرجال شرفاء أصحاب دور هام في حياة الأمم؛ ولكنّ لوثر وكالفن لم يكونوا يتوقعون تلك الوحشية التي تحولت إليها الرأسمالية وأنهم كانوا يطلقون أسماء لطيفة على وحش مخيف.

وبعد ثورة مارتن لوثر بقرابة 150 عام ولد محمد بن عبد الوهاب 1703م ببلدة العيينة من قرى نجد بشبة الجزيرة العربية لأسرة اشتهرت بالعلم والدعوة في عصر اتّسم بالاضطراب وضعف سلطان الدولة مقابل ازدهار للخرافة والبدع والفهم الأسطوري للدين ومما يلتفت له التشابه الكبير بين الرجلين لوثر وعبد الوهاب على ما بينهما من فارق شاسع في الظروف الاجتماعية والعقائد!

فكما رفض لوثر احتكار الكنيسة الكاثوليكية للمعرفة الدينيّة رفض عبد الوهاب التقليد الأعمى بعنف باعتباره سبب الكفر فيصف أهل الضلال أنَّ (دينهم مبنيٌّ على أصول معظمها التقليد فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم) ويقول في شأن التعصّب المذهبيّ (أما إن قلّد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه من غير علم أن الحق معه فهذا من أهل الباطل).

وكما قرر لوثر أن الإنجيل هو المعيار الوحيد لمعرفة الصواب ديانة فكذلك قرّر عبد الوهاب أن مصادر المعرفة الدينية هي الكتاب والسنة والإجماع (ولا خلاف بيني وبينكم أن أهل العلم إذ اجتمعوا وجب اتباعهم… وأنا أدعو من خالفني إما إلى كتاب الله وإما إلى سنة رسول الله وإما إلى إجماع أهل العلم).

وبينما جعل لوثر من كل مسيحي قسًّا أكد عبد الوهاب أنَّ الاجتهاد حق لكل مسلم متى استوفى شروطه العلمية والتزم المنهجيّة العلمية في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية دون أن يلتزم باتّباع آراء أحد المذاهب الفقهية (ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفيّ أو فقيّه أو متكلّم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأدعو إلى سنة رسول الله، ولكنّي بيّنت للناس إخلاص الدين لله ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وهو الذي عليه أهل السنّة والجماعة).

وكما رفض لوثر الرهبنة والمغالاة في الزهد عاب عبد الوهاب على بعض الصوفيّة الإسراف في الزهد (تركهم الواجب ورعا وتعبدهم بتحريم الطيبات من الرزق وتعبدهم بترك زينة الله).

وكما رفض مارتن لوثر مظاهر عبادة القديسين وعدّها من الوثنية اشتدَّ عبد الوهاب في وصم كثير من الممارسات التي شاعت في عصره بالشرك مثل تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج والتبرّك بترابها وشدّ الرحال إليها (المشركون في زماننا أضلّ من الكفار الذين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين أحدهما أنّ الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرخاء وأما في الشدائد فيخلصون لله الدين والثاني أن مشركي زماننا يدعون أناسًا لا يوازنون عيسى والملائكة. إذا عرفتم هذا فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر عبادة الأصنام هذا يأتي إلى قبر نبي وهذا إلى قبر صحابي كالزبير وطلحة وهذا إلى قبر رجل صالح وهذا يدعوه في الضراء وفي غيبته وهذا ينذر له وهذا يذبح للجن وهذا يدخل عليه من مضرة الدنيا والآخرة وهذا يسأله خير الدنيا والآخرة. فإن كنتم تعرفون أن هذا الشرك من جنس عبادة الأصنام الذي يخرج الرجل من الإسلام وقد ملأ البر والبحر وشاع وذاع حتى إنَّ كثيرًا ممن يفعله يقوم الليل ويصوم النهار وينتسب إلى الصلاح والعبادة فما بالكم لم تفشوه في الناس؟ وتبينوا لهم أن هذا كفر بالله مخرج عن الإسلام؟).

وكما تصادم مارتن لوثر مع السلطة في عصره واضطر للخروج من بلده وتكفَّل بحمايته أحد الأمراء كذلك تصادم عبد الوهاب مع السلطة واضطر للخروج من بلده واللجوء إلى الدرعية وعندما قابل حاكمها محمد بن سعود كان قد وصل إلى  الشخص الذي يبحث عنه  فسرعان ما تلاقت أفكار الرجلين وتقاطعت واتّفقا على أن الإصلاح السياسي يستلزم إصلاح ديني كما يستلزم الإصلاح الديني إصلاح سياسي وكانت بيعة الدرعية حيث بايع محمد بن سعود عبد الوهاب على أن يمنعوه ويحموه وأن يتعاونا على تغيير المنكر ورفع البدع وكل ما يخالف سنة الرسول.

وربما يكون عبد الوهاب قد تفوّق على لوثر في أنّه أقام دولة على منهجه حيث استمرت الدرعية عاصمة للدولة الوهابية/ السعودية الأولى وسادت نجد وهزمت قوات الدولة العثمانية مرارًا حتى دمرها إبراهيم باشا والجيش المصري بعد حرب مضنية ولكنها سرعان ما عادت للظهور بعد انسحابهم.

وقد كان أثر عبد الوهاب على إحياء الفكرة الإسلامية كبديل حضاري وحركة مقاومة للغزو الاستعماري العسكري والثقافي عظيمًا فظهرت الوهابية في الحركات الإسلامية المناهضة للاستعمار بإحياء فكرة الجهاد بقوة ووضوح فنجد كفاح مسلمي البنجاب الهندية ضد الاحتلال الإنجليزي بقيادة السيد أحمد الذي وصفت دولته بأنّها دولة وهابيّة، وكذلك تأثّر مسلمي إندونيسيا بالحركة الوهابيّة وقامت بهم حركة مقاومة للاستعمار الهولندي كانت الوهابيّة من علامات قادتها المميّزة وكذلك الحركة السنوسيّة في ليبيا تأثرت بالوهابيّة.

ولكن هذا الأثر لم يكن إيجابيًا بشتى جوانبه وإنّما خالطته جوانب سلبية عديدة، كما لم تلعب الوهابية دورًا في إحياء الحضارة العربيّة الإسلاميّة بالعودة للأصول ونبذ الخرافات والبدع وإيقاظ الدين في النفوس كعامل حي في نهضة الحضارة كما كان يتوقع منها.

فبينما يمكننا اعتبار محمد بن عبد الوهاب الأب الشرعيّ للغالبيّة العظمي من الحركات والجماعات الإسلامية السنيّة بلا منازع إلا أن تأثيره العميق في ظهور تيارات السلفية المعاصرة والذي حطّم سطوة الجمود المذهبي الفقهي الذي ساد لقرون حتى قيل إنّ باب الاجتهاد قد أغلق ولم يعد هناك محل لجديد، ووحد بقوة من نمط التديّن الأسطوري المُشبع بالخرافات والأوهام قد فشل في تجاوز هذا الحد إيجابيًا، بينما ظهرت له سلبيات عديدة أبرزها تحول العديد من الجماعات التي خرجت من عباءة السلفية المعاصرة للعنف وعداء المجتمع وانضواء بعضها تحت جناح سلطات قمعية في العديد من البلدان وتحولها لأدوات رجعيّة تناهض أي حراك شعبي معارض للتخلّف الحضاري والتبعية والفساد، كما استبدل الجمود الفقهي والوقوف على فتاوي المذاهب بفوضى فقهيّة عارمة لا يخفى على أحد أثرها في إضعاف سطوة الدين على عامة الناس!

وربما يكون العامل الرئيس في اختلاف نتائج الحركتين الإصلاحيتين الوهابيّة والبروتستانتية على الرغم من تشابههما ليس اختلاف العقائد وإنما اختلاف الظروف الاجتماعيّة التي واكبتهما. فبينما صادف مارتن لوثر حركة قومية ونشاط طبقي برجوازي وجد في أفكاره دعما لطموحاته، لم تكن الحركة الوهابيّة مرتبطة بإيدلوجية قوميّة حيث النظرة الإسلامية السلبية للقومية بصفة عامة باعتبارها تعبيرًا عن الشعوبيّة العنصريّة البغيضة، وما كان ارتباط عبد الوهاب بآل سعود الذى أنتج بيعة مشروطة أن تكون لآل سعود الحكم على أن يكون لعبد الوهاب المرجعية الشرعيّة إلا استجابة لضرورة أن يحمي الدين سلطان قاهر (الأمر الذي أضحى علامة مميزة للإسلاميين الذين يميلون للدولة الشمولية التي تقوم على حفظ الدين وتنفيذ أوامره ونواهيه وليس مجرد إدارة موارد البلد) وما كان خروج الوهابيين عن سلطان الدولة العثمانية إلا لأسباب دينية بحتة لعدم تحكيمهم الشريعة وسماحهم بانتشار البدع والخرافات وليس لأسباب سياسية.

لذا بقي أثر الوهابيّة محدودًا مقارنة بالبروتستنتية ذلك أنّ حراك التاريخ لا يحدث بتطور في جانب واحد من الحياة الفكرية، وإنما من تضافر عوامل عديدة وتفاعلها ومن يحدث الحراك هو عموم الناس وليس صفوة المفكرين الذين يغرسون بذرة أفكارهم في أرض الواقع، فإن صادفت تربة ملائمة أزهرت وإن لم تصادفها ماتت وأزهرت أفكار غيرها تلائم هذه التربة.

المصادر:
مارتن لوثر مقدمة قصيرة جداً - سكوت إتش هندريكس
قصة الحضارة - ول ديورانت
الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية – ماكس فيبر
الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة - آمنه محمد نصير
تاريخ نجد- حسين بن غنام

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد فتحي سليمان

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

الصورة: هايدي عبدالرافع

اترك تعليقا