في فرنسا.. هل هي ثورة؟

نزل مئات آلاف الفرنسيين إلى الشوارع عام ١٩٦٨ مطالبين باستقالة شارل ديغول، كانت شوارع أوروبا الغربية تعيش بالفعل إحساسًا بالحرية، لكن هل تحققت التغييرات السياسية والاقتصادية التي طالبوا بها؟

يجيب مارتن كيتل، المعاصر لتلك المرحلة، في جريدة الغارديان، بأن ذلك لم يحصل قط.. يقول:
“في الواقع، قاتلنا قليلًا لكننا لم نربح. في عام ١٩٦٨، شعرت بالصدمة عندما أدان جيورجيو أمندولا، الشيوعي الإيطالي المحترم، الطلاب الثوريين على أنهم أعداء لحركة العمال. اليوم، أقترب كثيرًا من وجهة نظر أمندولا. أدرك أن اللحظة الثورية قد ولَّتْ، وأرى أن مستقبل اليسار يكمن في النزعة الإصلاحية والتحالفات، وفهم كيفية عمل الحركات التقدمية في الدول الديمقراطية. بعد عام ١٩٦٨، أمضى أمندولا بقية حياته السياسية في الضغط للحصول على تنازلات مبدئية، ضمن حركة اليسار لتمكينه من الحكم. هذا لم يتغير.”

بعد أحداث أيار ١٩٦٨، أتت الانتخابات بانتصارات لليمين، لا لليسار. كان جورج بومبيدو (فرنسا)، وريتشارد نيكسون (أميركا)، وتيد هيث (بريطانيا) في السلطة بحلول عام ١٩٧٠، استمر فرانكو في حكم إسبانيا، وبدأت حقبة أندريوتي في إيطاليا، دبابات ليونيد بريجنيف سحقت ربيع براغ (١٩٦٨)، فقط في ألمانيا الغربية، حيث في عام ١٩٦٨، جرت تصفية حساب مع حقبة ما بعد ١٩٤٥، ووصل ويلي براندت، الديمقراطي الاجتماعي، إلى السلطة كأحد ممثلي التغيير. فما الذي نستنتجه؟

حصل التغيير في تلك البلدان الاستبدادية وليس الديمقراطية، فشعارات اليسار الثورية في أرجاء أوروبا لم تجدِ نفعًا، فقد كان يصدح شبان أوروبا في باريس ولندن وروما وبرلين بشعارات من مثل: “سنقاتل وسنربح”، إلا أن سياسة المتاريس فشلت، وتحولت أوروبا إلى شكل أكثر ليبرالية، وخصوصًا بما يتعلق بقضايا المرأة.

منذ ذلك الوقت، منذ خمسين عامًا لم ينزل الجيش الفرنسي إلى شوارع باريس، عاصمة النور، إلا في حالات الاعتداءات الإرهابية وفي بعض حالات تنظيم الاحتفالات العامة، لكنه اليوم ينزل لقمع “الشغب” كما في ١٩٦٨، أفليس من المتوقع النتيجة الماضية ذاتها؟

إعلان

الثورات الملونة المتكاثرة في العالم وربيعنا العربي سببت أحداث باريس ٢٠١١، لكنها -كما في لندن- تلاشت بلا تأثير. فالتمجيد الفوري للضحايا في عالمنا العربي قد سبقه إعداد طويل للمجتمع العربي-الإسلامي لجعل مفهوم التدمير الذاتي عملًا بطوليًا، وهو الأمر الذي يخالف تعاليم الإسلام، بالإضافة إلى استثمار الإعلام والإنترنت في خلق حالة ثورية وهمية غير موجودة بالفعل عند الجماهير غير الناضجة.. كل ذلك لم يحدث في باريس ولندن آنذاك.

يقول لينين: “الثورة مستحيلة من دون حالة ثورية، وليست كل حالة ثورية تؤدي إلى ثورة” فالأعراض الرئيسية للثورة كما يقول هي:
١- انعدام إمكانية الحفاظ على الحكم دون أي تغيير من قبل الطبقات الحاكمة.
٢- ازدياد حدة بؤس الطبقات المضطهدة أكثر من المعتاد.
٣- في ظل ما سبق، زيادة نشاط الجماهير الذين كانوا أيام السلم يسمحون بسلبهم.. أي باختصار، الثورة التطورية “الحقيقية” لا يمكن اصطناعها، فلابدّ من نضوج قسم كبير من الجماهير “حالة ثورية”، وهذا ما كان ناقصًا في البلدان التي عانت من ثورات ملونة.

ما هي مظاهر الوعي والنضوج عند شبان السترات الصفراء في باريس؟

رغم كل ما قيل عن شعبية المحتجين وسخافتهم وتواضع منابتهم “مهاجرين، لاجئين” فالملاحظ إدراك هؤلاء “المخربين/الثوار” لتقنيات استخدمها الغرب في الثورات الملونة كمثل تقنية اللون/الرمز مثلًا، وهي تقنية ليس من السهل فهمها وفقهها من قبل شخص لم يتلقَّ تعليمًا ما، وخبراته في الحياة محدودة؛ فالنظام الرمزي -وإن كان مؤقتًا- يُفعّل في المرء التجربة الاجتماعية “الشخصية أو القبلية أو العرقية أو الدينية أو الوطنية”، وبالتالي هذا يستدعي صدىً يشجّع على التحديد الذاتي للاختيار وأخيرًا على العمل. وبهذا، كما تقول إيلينا بانا ماريوفا: “يصبح الرمز علامة تدل على الحلفاء وتحدد المعارضين، كما لو أنها تنقل الجماعة إلى مكان ووقت معين.”

في أحداث باريس نحن نطالع تكتيكات وتقنيات الثورات الملونة كاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتقنية التسويق الشبكي والعنف اللحظي المبالغ به واستهداف رموز اجتماعية (طبقة عليا) معينة، وقيام اليمين واليسار المتطرف بمحاولته بقيادة الاحتجاجات والدعوة لها.. لكن كل هذا يحدث مع غياب لأي تأييد/تمويل خارجي ودون انتظار لاستحقاقات انتخابية كما جرى في أوكرانيا وصربيا وجورجيا وقيرغيزستان أو كما في عدة بلدان في أمريكا اللاتينية!

إن الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا بدأت بعد قرار الحكومة الفرنسية برفع الضرائب بواقع ٦.٥ سنت على كل لتر ديزل، و ٢.٩ سنت لكل لتر على البنزين؛ أي بالنسبة لشخص يملأ خزان سعة ٥٠ لترًا بالديزل كل أسبوع، فإن ذلك يكلفه فقط ١٣ يورو (١٥ دولارًا) شهريًا بتكاليف إضافية، أي أقل من ثمن وجبتين في أحد مطاعم الوجبات السريعة، مما يعني أن “ذلك الأمر لا يستدعي كل ذلك الغضب والثوران” كما تحلل ذلك قناة إخبارية مثل سكاي نيوز، حيث ترى الأمر تكرارًا لاحتجاجات ٢٠١١ في فرنسا والتي تزامنت مع أحداث لندن والربيع العربي.

هنالك عدم اكتمال لشروط الثورات الملونة عند ذوي السترات الصفراء بغياب الداعم والممول الخارجي، وهنالك حالة من الوعي وفهم لتقنيات الاحتجاج “الثورات الاصطناعية”، لكن رغم ذلك، ماتزال الحالة الثورية والنضج الجماهيري متواضعة، فالقيم الليبرالية هي القيم الأرفع في الدول الديمقراطية والسائرة في ظلال الولايات المتحدة، بينما القيم الاشتراكية أو أي صيغة تشاركية داعية للعدالة الإنسانية غائبة عن الجماهير الأوروبية وطبقتها الحاكمة سويةً.

ما يحدث في فرنسا ليس ثورة، وهو في أحسن الأحوال بدء لثورة مرتقبة في المستقبل، فمايزال هنالك نضج سياسي مطلوب في عالم ما بعد الحداثة عما هو بديل الليبرالية، الأكثر إنسانية منها، وذلك غائب عن المشهد العالمي برمته.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أيهم ع. سليمان

تدقيق لغوي: دعاء شلبي

اترك تعليقا