لأجلك ألف مرة

عن رواية عدّاء الطائرة الورقية لخالد حسيني

لأجلك ألف مرة لم يعنِها خالد حسيني -في عداء الطائرة الورقية- من أجل الصداقة التي جمعت بين حسان وأمير أغا، أو فيما بعد بين أمير أغا وسوهراب. ولكن عناها بالمعنى الدقيق والحرفي من أجل أفغانستان، ذلك الوطن الذي كان يحوي الطبيعة، المروج والسهول وثلج الشتاء والجنائن وحقول القصب، وتحول إلى ركام ورماد وشحاذين وأرامل وأيتام، وأناس يبيعون ويقرضون بعض الأطفال من أجل أن يعيش البعض الآخر.

في بداية قراءتي لرواية عداء الطائرة الورقية كنت اتخذت موقفًا ضد شخصية “بابا”، الأب الذي لا يرى ابنه أمير أغا لأنه ليس مثله في أشياء كثيرة، الذي يضع نفسه في كل الأماكن طوال الوقت ويعطي لكل شيء حقه إلا ذاك الطفل الذي يجد سلواه مع صديقه حسان، وعندما وجد أمير أغا أن أباه يعامل صديقه (ابن الخادم) بنفس معاملته تقريبًا، انتقم منه شر انتقام! كيف تنقلب الصداقة إلى مقت حقيقي؟ وتتقلب الأفئدة وتُفتقد المشاعر المتصلة التي يبدو أنها لم توجد عند أمير أغا ناحية حسان من الأساس. كان حسان سلواه في أن يجد من يملك وقتًا له وتضحيةً من أجله. الطفولة في تلك الرواية أخذت حظها الأوفر بلا منازع، هذا ما لمسني وأنا أقرأ معظمها.

لقد قال كلمةً في روايته على لسان “زمان” مدير الملجأ: “ما أملكه هو للأطفال الذين خسروا طفولتهم، لكن المأساة أنهم المحظوظون”. أي حظ في العيش وأنت من الممكن أن يُتاجر بك في أي شيء وتُستغل طفولتك بحيوانية، بأفعال شاذة خارج طبيعة الكون!

لقد ذكر حسيني السرقة بوصفها الذنب الأكبر واضعًا اللوم على معظم الشخصيات: “عندما تقتل رجلًا فأنت تسرق حياة، تسرق حق زوجة بزوج، تسرق أبًا من أبنائه، عندما تكذب تسرق حق شخص بالحقيقة، عندما تغش تسرق العدالة”.. وهناك كانت السرقات كثيرة، سرقات في كل الأمور.

التساؤل الذي يطرح نفسه: هل الشعوب هي من تساهم في ضياع وطنها، لا أقصد هؤلاء الذين يعيشون تحت خط القهر والظلم والقمع، ولكن الذين يتصارعون على الفساد، من يفسد فيها أكثر حتى يحصد أكبر حشد حوله، حتى لو كان هذا الحشد من خارج الوطن.

إعلان

عندما سأل آصف أمير أغا “لقد هربت من أن تحارب مع أبناء بلدك؟” كانت هناك اتهامات متبادلة بين أمير أغا وآصف؛ اتهامات مبهمة لم يذكرها الكاتب ولكن عليك أن تستنتجها، أن يتهم أمير أغا آصف أنه يستغل ما يحدث في البلاد لينضم لطالبان ليكون له سلطاته ويقوم بأعماله الشاذة المريضة، التي اتصف بها طوال حياته، أنه يهدم وطنه بيده. بينما يتهم آصف أمير أغا أنه جبان وهكذا عاش طوال حياته، منذ طفولته وهو يعرفه هكذا، جبان ويهرب من المواجهة ويجد من ينتصر له!

في الحقيقة هؤلاء هم الفاسدون يتنمر بعضهم لبعض حتى يسقطون الوطن. هناك عندما وصلت إلى تلك الجملة في الرواية على لسان “بابا” لـ رحيم خان عن أمير أغا: “ولد لا يدافع عن نفسه يصبح رجلًا لا يدافع عن أي شيء”.. وعاد رحيم ليسأله “أتساءل: هل هذا ما أصبحتَ عليه؟”. هل هذا ما يصبح عليه معظم هؤلاء الذين يتكئون على غيرهم ليلعبوا دورهم أو ليتسلقوا على كرامتهم وطهرهم إلى ما يبغون؟!

الدمار والهدم والذل الذي يطال الأراضي ليس من صنع الأعداء يا سادة، ربما ساهم فيه الأقربون أكثر، كما فعل أمير أغا مع حسان، عندما تركه فريسة لآصف وأصدقائه حين رأى دمه الأسود فوق الثلوج وسرواله يسكن بعيدًا عن وضعه الذي كان. يقف ويشاهد ويكز على أسنانه بل ويدمي نفسه، لكن يدافع عن الحق لا، لو دافع عنه سيخسر أهم انتصار في حياته، هو عاش بانتصاره لكن مع عذاب نفسه ولومها وشجنها. حتى اكتشف حياة أخرى مع الطفل سوهراب.

في نهاية عداء الطائرة الورقية أراد حسيني أن يبثق أملٌ من نور، وكان هذا النور ابتسامةً ركض من أجلها أمير أغا لا لأجل سوهراب ولكن من أجل كل طفل فقد طفولته، من أجل أوطان تُسلب وحق يهون على من يعرف الحق. قالها في النهاية ربما ليرد الدين لحسان أساس الوطن: “لأجلك، ألف مرة”.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أفنان عمر

تدقيق لغوي: عبد الله أسامة

اترك تعليقا