آلان دو بنوا: الجَيْش الاحتياطيّ لرأس المال (مترجم)

أقرَّ الرئيس الفرنسيّ السابق《جورج بومبيدو- Georges Pompidou》قبل وفاته بفترةٍ قصيرة، بأنَّه فتح أبواب الهجرة على مصراعيها بناءً على طلب من كبار رجال الأعمال،《كفرانسيس بويج- puyage Francis》. الذي كان متلهِّفًا لاغتنام أيدٍ عاملة مذعنة قليلة الأجر وعديمة الوعي الطبقيّ ولم تعتد النضال الاجتماعيّ. كانت هذه الحركة معنية بتقليل ضغط زيادة أجور العُمَّال الفرنسيين، وخَفْض حرارة احتجاجاتهم، وبالإضافة إلى ذلك، تحطيم وحدة الحركة العُمَّاليَّة، إذ قال: “إنَّ أرباب العمل الكبار يرغبون بالمزيد دومًا”.

وها قد مضت أربعون عامًا ولم يتغيَّر شيء. في وقتٍ لم يجرؤ فيه أيُّ حزبٍ سياسيٍّ على طلب تسريع وتيرة دخول المهاجرين، يبدو أنَّ الأرباب الكبار فقط هم من يؤيدون ذلك -ببساطةٍ لأنَّ ذلك يَصُبّ في مصلحتهم. والفرق الوحيد هو أنَّ القطاعات الاقتصاديَّة المُتأثِّرة قد أصبحت الآن أكثر عددًا و تجاوزت به قطاع الصناعة وقطاع الفندقة وخدمات تقديم الطعام- الآن لتشمل مهن كانت ذات يومٍ “محمية” من الهجرة مثل الهندسة وعلوم الحاسب.

وكما نعلم، فإنَّ فرنسا قد ضمَّت أعدادًا هائلة من المهاجرين الأجانب، بدءًا من القرن التاسع عشر. كان تعداد المهاجرين قد زاد من 800,000 خلال عام 1876 إلى 1.2 مليون خلال عام 1911. وكانت الصناعة الفرنسيَّة هي مركز الجَذْب الرَّئيس لكلٍّ من المهاجرين الإيطاليين والبلجيكيين، ليعقبهم المهاجرون البولنديون، الإسبان والبرتغاليون.” إن وجود مهاجرين كهؤلاء، غير مؤهَّلين ولا منتمين إلى أيِّ نقابةٍ، يتيح لأرباب العمل التهرُّب من المتطلَّبات المتزايدة المتعلِّقة بقانون العمل. (Francois-Laurent Balssa, « Un choix salarial pour les grandes entreprises » Le Spectacle du monde, Octobre, 2010).

وفي عام 1924، بمبادرةٍ من لجنة مناجم الفحم وكبار المزارعين من شمال شرق فرنسا، تأسَّست《الوكالة العامة للهجرة-Societe gnereate d’immigration》

واِفْتُتِحَ مكتب توظيف في أوروبا، الذي عمل كمضخَّةٍ تسحب المهاجرين لفرنسا. وفي عام 1931 كان هنالك 2.7 مليون أجنبيٍّ في فرنسا، بما يُمثِّل 6.6% من مجموع السُّكَّان، وقد سجَّلت فرنسا في ذلك الوقت أعلى معدَّل للهجرة في العَالَم (515 مهاجرٍ مقابل كل 100,000 مواطنٍ). وكانت هذه طريقة ناجعة يمارسها عددٌ كبيرٌ من أرباب العمل من أجل تقليل الضغط على الأجور… ومنذ ذلك الحين دخلت الرأسماليَّة منافسة على القوى العاملة عن طريق الوصول إلى الاحتياطيّ الغفير من أصحاب الأجور“.

إعلان

وعقب الحَرْب العالميَّة الثانية، بدأ المهاجرون يصلون بأعدادٍ كبيرة من بلدان المغرب العربيّ غالبًا؛ (بداية من الجزائر، ووصولًا إلى المغرب).

ومنذ عام 1962 وحتى عام 1074 جاءت عشرات الشاحنات المُسْتَأجَرَة من الشركات الكبيرة (خصوصًا في مجال صناعة السيارات والبناء) بالمئات لتشغيل المهاجرين عند أرباب العمل. وكما وصل ما يقارب المليوني مهاجر إضافي إلى فرنسا، وقد وُظِّفَ  550.000 شخصًا منهم بواسطة《 الوكالة القوميَّة للهجرة-the National Immigration Service (ON》، وهي وكالة مُدَارة بواسطة الدولة ظاهريًّا، ولكنها في الخفاء تُدَار بواسطة الشركات الكبرى، ومنذ ذلك الحين  استمرَّت الموجة بالتضخُّم، وقد أكَّد《فرانسوا لوران بالسا -Francois-Laurent Balssa》ذلك، إذ أكَّد أنه عندما يحدث نقصٌ في القوى العاملة لإحدى القطاعات، فإنَّ هنالك خيارين ممكنين للتصرُّف، الأوَّل هو رَفْع الرواتب، والثاني هو الاستعانة بالعمالة الأجنبيَّة.

وعادةً ما يفضِّل《مجلس أرباب العمل الفرنسيّ-French Employers》 (CNPF) الخيار الأخير، كما فعل خليفته《حركة الشركات-The Movement of Enterprise》 (MEDEF) بدءًا من عام 1998. ويدلُّ هذا الاختيار على الرَّغبة بتحصيل منافع قصيرة الأمد لأرباب العُمَّال، لكن مع مضار بعيدة الأجل للاقتصاد، التي تتمثَّل في تأخير تطوِّير أدوات الإنتاج والابتكار الصناعيّ.

و مما يدلُّ على مضار هذه الحركة ما أظهرته اليابان على سبيل المثال خلال الحقبة نفسها، من سياستها لرفضها هجرة الأجانب وتفضيلها للعمالة المحليَّة بدلًا من ذلك، ما مكنها من تحقيق ثورة تكنولوجيَّة تقدَّمت بها على معظم منافسيها في الغَرْب.

الشركات الكبرى واليسار: الحلف المقدَّس

في بادئ الأمر، كانت الهجرة عبارة عن ظاهرة مرتبطة بالشركات الكبرى، ولم يتغيَّر ذلك بمرور الوقت. وأولئك الذين ينادون بالمزيد من الهجرة دائمًا هم تلك الشركات نفسها. هذه الهجرة متوافقة مع دَيْدَن الرأسماليَّة، التي تهدف إلى طَمْس الحدود باستخدام مبدأ《دعه يعمل، دعه يمر-laissez faire, laissez passer》وبين بالسا أنَّه “حينما يُطَاع منطق الإغْرَاق الاجتماعيّ، بكلفة منخفضة  يُخْلَق سوق عمل للمهاجرين غير الشرعيين منخفضي المهارة، الذين يعملون كبدلاء مؤقتين في مختلف الحِرَف”.

هكذا مدَّت الشركات الكبرى نفوذها إلى أقصى اليسار، إذ تهدف الأولى إلى تفكيك دولة الرفاه كَوْنها مُكلِّفةً جدًا، أما الأخير فإنه يعمل على تدمير الدولة القوميَّة كَوْنها باليةً جدًا”. وهذا هو السبب بأنَّ 《الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ-French Communist Party 》 (PCF) “ونقابة العُمَّال الفرنسيَّة-the French Trade Union (CGT)” (اللذان تغيَّرا جذريًّا منذ ذلك الحين، وغيَّر كلٌّ منهما موقفه) قد خاضا حربًا باسم الدفاع عن مصالح الطبقة العُمَّاليَّة حتى عام 1981 ضِدّ المبدأ الليبراليّ المتعلِّق بالحدود المفتوحة.

أكَّد الكاثوليكيّ الليبراليّ المحافظ《فيلبي نيمو- Flippe Nemo》هذه المسألة، حين قال إنَّه: “في أوروبا هنالك أناس مسيطرون على الاقتصاد ممن يحلمون بجَلْب عمالة رخيصة إلى القارة، أوَّلًا، ليؤدُّوا الوظائف التي لا تكفي العمالة المحليَّة لإنجازها. ثانيًا، لتقليل ضغط أجور العُمَّال الآخرين في أوروبا بشكلٍ معتبر. مجاميع الضغط هذه، التي تمتلك كامل الوسائل الضروريَّة  ليُصْغَى إليها من قِبَل حكوماتها أو من قِبَل المفوضيَّة في بروكسل، هي على العموم، تعمل لصالح الأمرين: توسعة أوروبا والهجرة -مما سيسهِّل هجرة العُمَّال بشكلٍ معتبر. هم محقون من وجهة نظره- وهي وجهة نظر ذات منطقٍ اقتصاديٍّ بحت […] والمشكلة، بغضِّ النظر عن هذا هو أنَّ الفرد لا يستطيع مجادلة هذا المسألة من منظورٍ اقتصاديٍّ فقط، طالما أنَّ تدفُّق أعداد إضافية على سُكَّان أوروبا له عواقب اجتماعيَّة جسيمة أيضًا.  وإذا كان هؤلاء الرأسماليون قد أعاروا القليل من الانتباه لهذه المشكلة،  فربَّما هذا بسبب أنهم يتمتَّعون، على العموم، بمنافع اقتصاديَّة من الهجرة بدون أن يتكبَّدوا عناء ارتداداتها الاجتماعيَّة. ومع الأموال المُكْتَسَبَة من قِبَل شركاتهم التي تكون أرباحها مضمونة بهذه الوسيلة، سيمكنهم  الإقامة بأحياءٍ أجمل، ويتركون مواطنيهم الأقَّل حظًا ليواجهوا سُكَّان الضواحي الفقيرة الغرباء بأنفسهم”. (Flippe Nemo, Le Temps d’y penser . 2010)

وَفْقًا للأرَقْام الرَّسميَّة، يبلغ عدد المهاجرين الذين يسكنون في منازل اعتياديَّة 5 مليون شخصٍ، ما يُمثِّل 8% من التعداد السُّكَّانيّ في فرنسا لعام 2008. ويبلغ عدد أطفال المهاجرين الذين ينحدرون من مهاجر  أو اثنين من المهاجرين 6.5 مليون شخصٍ، ما يمثِّل 11% من التعداد السُّكَّانيّ. ويقدَّر عدد المهاجرين غير الشرعيين منهم بين 300 ألفٍ إلى 550 ألفًا. (يكلِّف ترحيل المهاجرين غير الشرعيين  232 مليون يورو سنويًّا، ما يعني 12 ألف يورو لكل حالة). من جانبه قدَّر《جان بول غورفيتش- Jean-Paul Gourevitch 》عدد السُّكَّان من أصولٍ أجنبية الذين يعيشون في فرنسا بـ7.7 مليون شخصٍ في عام 2009 (3.4 مليون شخصٍ منهم من المغرب و2.4 مليون من إفريقيا جنوب الصحراء)، ما يمثِّل 12.2% من تعداد سُكَّان الحَضَر. وفي عام 2006، بلغت نسبة مواليد المهاجرين 17% من نسبة المواليد في فرنسا.

تعاني فرنسا اليوم من مستوطنات المهاجرين، التي تُعَدُّ نتيجةً مباشرة لسياسة لَمّ الشَّمل الأُسريَّة. ورغم ذلك، يُمثِّل المهاجرون اليوم أكثر مما مضى الجيش الاحتياطيّ لرأس المال.

وفي هذا السياق، من المُذْهل ملاحظة كيف يدير أقصى اليسار شبكات تعمل لصالح “المهاجرين غير النظاميين” (التي على ما يبدو أنَّها وجدت في هؤلاء المهاجرين “بروليتاريا بديلة” لها) تخدم مصالح الشركات الكبرى، وتخدم “شبكات المجرمين، ومهرِّبي البضائع والبَشَر، والشركات الكبرى، وناشطي حقوق الإنسان، وأرباب العمل في الخفاء”،  -أصبح الجميع اليوم من مناصري طَمْس الحدود بفضل السوق الحُرَّة العالميَّة.

على سبيل المثال، إنَّها لحقيقة معلومة بأنَّ《ميخائيل هارت- Michael Hardt》و《أنطونيو نيجري-Antonio Negri⟩ في كتابهما《الإمبراطورية ودعم التعدديَّة “مواطنة العالمية”-Empire and Multitude endorse world citizenship》حينما يدعون إلى إزالة الحدود، فإنَّ هدفهم الأوَّل من هذه الدعوى تسريع استيطان الأعداد الهائلة من عُمَّال العَالَم الثالث منخفضي الأجور في الدول المتطوِّرة. ويؤكِّد الكاتبان في الحقيقة أن معظم المهاجرين اليوم يدينون بهجرتهم إلى جهات خارجيَّة،  نتاج منطق سوق العالمية، وأنَّ هجرتهم هي شيء تسعى له الرأسماليَّة جاهدةً، وذلك لغرض إدخال الجميع إلى السوق.

في الحقيقة ينسى الكاتبان أنَّ كلَّ ترابط إقليميّ يُعَدّ جزءًا من الدوافع البشريَّة، وهذه الأشياء لا تزعج هذين المؤلِّفيْن على الإطلاق. على العكس، هم يشيرون بكل أريحيةٍ إلى أنَّ “رأس المال يتطلَّب إمكانية تنقُّل متزايدة للعُمَّال، فضلًا عن هجرة مستمِّرة عبر الحدود الوطنيَّة”. ويؤكِّدون أنَّ السوق العالميَّة يجب أن تؤسِّس، هيكل طبيعي “للمواطنة العالميَّة”. “وكما تتطلَّب هذه السوق تدفُّقًا مرنًا وغير مقنَّنٍ 《ومنتزع-deterritorialization》(¹).

مُقدَّرٌ له أن يخدم مصالح “الحشود”، لأنَّ إمكانية التنقُّل تحمل معها قيمة رأس المال، الذي من شأنه أن يؤسِّس لخَلْق الحُرِّيَّة لهم على المدى البعيد. إنَّ تهجير الإنسان، يُعَدّ الركن الأوَّل في خَلْق “البداوة الحديثة”، التي تستند بالكامل إلى رؤية غير حقيقيَّة لوضع محدَّد للمهجرين والمهاجرين.

ويوهم العديد من الكُتَّاب أنفسهم أمثال《جاك غيغو- Jacques Guigou《وجاك فاينشتاين- Jacques Wajnsztejn》وهارت ونيجري بقدرة حركة الهجرة لمُقَاومة الرأسماليَّة، ويعتقدون أنَّها ستكون مصدرًا لفُرَصٍ جديدة لتقييم رأس المال، وهي ستزيد من عدد الحشود. ومع ذلك، الهجرات لا تعني شيئًا آخر سوى عملية منافسة كونيَّة بين أرباب العمل، ولم تَعُد الهجرة تملك أيَّ قيمةٍ تحريريَّة أكثر من البقاء في الوطن. لم يَعُدّ “الإنسان البدويّ” ميَّالًا للنقد والعصيان أكثر من الإنسان المستقِّر. (valeur Une presentation critique du groupe Krisis, L’evanescence de la, 2004).

ويضيف《روبرت كورز – Robert Kurz》طالما يواصل الناس هَجْر أسرهم، ويبحثون عن العمل في مكانٍ آخر حتى لو كلَّفهم ذلك حياتهم -فقط ليكونوا مُمَزَّقين بواسطة طاحونة الرأسماليَّة في آخر الأمر- سيكونون حينها أقَّل تبشيرًا بالتحرِّير، وعملاء مرحِّبين بالغَرْب الما بعد حداثيّ. في الواقع، إنَّهم يمثِّلون نسخته التعيسة فقط. (2003 Robert Kurz, «L’Empire et ses theoriciens »).

كلٌ من ينتقد الرأسماليَّة بينما يوافق على الهجرة، التي تُعَدّ طبقتها العاملة الضحية الأولى للرأسماليَّة، من الأفضل له أن يخرس. وكلٌ من ينتقد الهجرة بينما يواصل التزام الصمت حول الرأسماليَّة، من الأفضل له أن يخرس أيضًا هو الآخر.


ملاحظات المترجم:

1• الانتزاع: فصل الممارسات السياسيَّة، والثقافيَّة، والاجتماعيَّة من إقليمها الأصليّ ومن شعبها. (المترجمان)

المقال الأصلي:

https://katehon.com/en/1147-immigration-the-reserve-army-of-capital.html

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: أمل فاخر

تدقيق علمي: هبة الله الجماع

ترجمة: محمد رسول محمد، وحيدر رسول

اترك تعليقا