وعي “بيتي الڤوداث”

وعي الغربان

يحاولُ الباحثون في مجال سلوكيّات الحيوان منذ أعوامٍ دراسة ذكاء الثدييَّات، وخاصةً عند فصيلة القردة الأقرب جينيًّا إلى الإنسان العاقل (الهوموسابيان)؛ وهما قردا الشامبانزي والأوروغوتان. لم يكتف العلماءُ بذلك، بل وسّعوا مجالَ أبحاثهم إلى الطيور المعروفة بذكائِها، والمقصود هنا قدرتها على استعمال الأدوات، مثل عائلة الغرابيّات.

“بيتي الڤوداث”

في هذا المجال برز نجمُ فصيلةٍ فريدة، وهو غراب كاليدونيا أو كورفوس مونيديلويد (corvus moneduloide)، وبالأخصّ “بيتي”. كانت “بيتي” غراب مختبر في جامعة اوكسفورد في مطلع الألفيّة، حيث قام فريقُ البحثِ بالجامعة بوضع تصميم تجريبي يتضمّن أسطوانة عمودية تحيط بدلوٍ مليء بالطعام، وُضِعَت بجانبه أداةٌ وحيدةٌ وهي خيط من الألمنيوم، وبدأ الباحثون في ملاحظة ردود فعل “النجمة بيتي” أمام هذه المشكلة، فرأوا أنّها أخذت خيطَ الألمنيوم واستعانت بركنٍ في المكان لتثبيته، ثم بدأت في ثنيه بمنقارها حتّى تحصُّلها على شكلِ خطّاف، لتتمكنَ أخيرًا من الإمساك بالدلو والوصول إلى الأكل. لم تكن نجمةُ المختبر هي الوحيدة القادرة على القيام بذلك؛ وذلك لأنّ العلماء قد لاحظوا أن أبناء فصيلتها الذين لا زالوا يعيشون بين أحضان الطبيعة لديهم نفس السلوك. فعَّلَت بيتي ببساطة ما يتبادر إلى ذهن غربان كاليدونيا؛ وهو استخدام قابليّة جيناتها والتجربة والذكاء الخلّاق، فهي تقوم تمامًا بما يقوم به البشر.

دماغُ الطيور الخارق

نشرت مجلةُ ساينس دراستين ألمانيّتين تفترضان أن جزءًا من دماغ الطيور يوفّر لهم الوعي. فُحِصَت أدمغةُ الحمام والبوم، إضافةً إلى سلوك الغراب المسمّى بِـ”زاغ الجيف” أو “كورفوس كورون corvus corone” بواسطة طرق متطوّرة قادت الباحثين إلى اكتشافٍ مفاده أنّه على الرغم من الاختلاف الكبير في بنية تجويف الجمجمة لدى الثدييات والطيور، إلا أنّ الثانية تحتوي على رزمةٍ من الخلايا العصبية (الباليوم pallium) التي لا تقل أهميةً وشأنًا عن الأولى. يمكننا أن نتوقّعَ من الطيور قدراتٍ إدراكيّة لها الأهمية نفسها الموجودة لدى الثدييات. ويبقى التساؤل: هل يمتلك طائر الكورفوس كورون مَلَكة الوعي؟

وعي أم إحساس؟

تساءل علماءُ سلوك الحيوان حول معنى محدّد للوعي، وبحثوا عن تعريفٍ مناسبٍ له في المراجع العلمية، لكن دون جدوى، سواء في المراجع الناطقة باللغة الإنجليزيّة أو الفرنسية، ففضّل الباحثون الفرنسيون استعمال كلمة إحساس (sentience).

يجب التمييز بين مفهومي الإحساس والحساسية:
تعدّ كلمة حساسية أكثر تقييدًا، وهي تعني القدرة على الشعور، وقابلية الجسم للاستجابة لاستثارةٍ داخليّة أو خارجيّة، كما تتجلّى في الحواس البيولوجية (الحواسُ الخمسة عند الإنسان).

إعلان

أمّا الإحساس فمعناه أوسع، كما أنّه يمثِّل مفهومًا رئيسًيا في أخلاقيّات الحيوان، ويُعرَّف بقدرة الحيوان على التعبير عن الألم، المتعة، إضافةً إلى مشاعر أخرى. بمعنى أن الكائن الذي يتمتّع بميزةِ الإحساس يستطيع التعلُّم من التجارب التي تقابله، كما يمكنه الاختيار، ولذلك يمكن القول أن الإحساس هو نفسه الوعي.

يجب استعمال مفهوم الإحساس أو الوعي في علاقة الإنسان مع الحيوانات الأليفة، الداجنة، الموجودة في السيرك أو بين قضبان حدائق الحيوانات، ومع حيوانات الصيد؛ تلك المصطادة أو المرافِقة في عملية الصيد كالكلاب. لذلك تناضل الرابطة الملكية البلجيكية لحماية الطيور (LRBPO، مصدر المقال الأصلي) يوميًا من أجل تشريع قوانين لحماية حقوق الحيوان.
لا يقتصر مفهوم الإحساس على الكائنات الفقاريّة فحسب، بل يمتدّ أيضًا لحيوان الأخطبوط ومختلف الحشرات.

هل الغربان كائنات واعية؟

أثبتت تجاربٌ كثيرة صحة وجود مبدأ الإحساس عند الغربان، من بينها تجربة قام بها فريق بحث تحت إشراف “جون مارتسلوف” في جامعة واشنطن سنة 2011م.
قام الباحثُ بتقسيم طلبته إلى مجموعتين، ثم قام بجلب العديد من الغربان من فصيلة كورفوس براكيرينكو (corvus brachyrhyncho) أو المُسمَّاة أيضًا بـ”غراب أمريكا”.

شرعت المجموعة الأولى بوضع الطيور في مطيرٍ وحبسها هناك، وقد تم ذلك داخل الحرم الجامعي. وارَى الطلابُ وجوهَهم خلال التجربة خلف أقنعة توجد عليها ملامح وتعابير وجه رجل الكهف، بعدها فكّ الفريق أسر الكورفوس، وفي الوقت نفسه كان سبعة طلابٍ آخرين يتجوّلون في الحرم الجامعي يرتدون نفس الأقنعة التي كانت تغطي وجوه المجموعة الأولى. والنتيجة كانت مهاجمة الطيور للمجموعة الثانية، والأطرف أن عددها كان أكبر، فالواضح أنها تواصلت مع الغربان الموجودة في أماكن أخرى، واكتشفوا أمر التهديد. كُرّرت نفس التجربة هذا العام، وكانت الملاحظة نفسها، والجديد هذه المرة أن الغربان كانت تدير رأسها للتعرُّف على الطلبة الذين كانوا يرتدون الأقنعة بالجهة المعاكسة قبل مهاجمتهم.

نخلص إلى القول بأن الغربان تتميز بمَلَكَة الإحساس، إذن هي كائنات واعية، لذلك يجب رؤية هذه الطيور من زاويةٍ أخرى بعيدًا عن تلك الأساطير التي تربطها بأمورٍ مشينة.

على الرغم من حماية القانون للغربان ولكل الحيوانات البرية -باستثناء الطرائد البرية في بلجيكا- فهي لا زالت عرضة لإبادة. معركةٌ أخرى تنتظر الرابطة الملكية البلجيكية لحماية الطيور (مصدر المقال).

للتذكير، توجد الكثير من فصائل الغربان في بلدنا (أي بلجيكا)، من بينها: الخساف أو نوسيفراغا كاريوكاتاكتس (Nucifraga caryocatactes)، وغراب كاليدونيا أو كورفوس مونيديلويد (corvus moneduloide)، وزاغ الجيف أو كورفوس كورون (corvus corone)، وغراب الأسحم أو كورفوس كوراكس (Corvus corax)، وغراب القيظ أو كورفوس فروجيليغوس (Corvus frugilegus)، والقيق الأوراسي أو غارولوس غلانداروس (Garrulus glandarius)، والعقعق بيكا بيكا (pica pica).

رابط المقال الأصلي

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا