تأخذك إلى أعماق الفكر

هوس العقيدة والتخبط ما بين الاستقلالية والاتباع

في المجتمعات القديمة، وقبل تفسيراتِ العلم للوقائع والأحداث الطبيعية تفسيرًا منهجيًا قائمًا على أسسٍ واقعية تجريبية خاضعة لمنظومات بحثيّة علمية منفصلة عن المنظومات الّلاهوتية، كانت تلك الأحداث هي السبب الرئيس والأوليّ في ظهور أسطورة الصراع بين قوى الخير والشر المتمثّلة في الآلهة الخيّرة والشريرة لدى الإنسان، فقد كان يرى البشر أن ظواهرًا من مثل البراكين والزلازل ما هي إلا ثوران غضب الآلهة على البشر، بينما الأمطار فهي هبةٌ من هبات الآلهة عليهم، فوجود الصراع الدائم ما بين آلهة الشر والخير هو المحرّك الضّروري وجودُه لاستمرار حياة البشر، واستمرار كينونة الوجود، ممّا دعى بشكل ضروري إلى ضرورة وجود صلاتٍ أو علاقات بين مسيّر وخالقِ تلك الظواهر وبين أولئك البشر، فأضحت القرابين بمثابةِ ضريبةٍ يدفعها الإنسان لاستعطاف الآلهة بغرض رغبته في تلبية احتياجاته.

ومع تطوّر المجتمعات وتكوين نسق الزعماء ورعيّتهم أصبحَ تقديم القرابين في يد فئة خاصة من الصّفوة وهم “الكهنة” المتحدثون باسم الإله، والدّاعون لمنهجه الأخلاقي فأصبح المجمع الديني كفرد -عقله الكاهن وجسده الرعية- يصدر الكاهن قانون الإله فيتبعه الرعية ناذرين قرابينهم وأدعيتهم للإله وصوته (أي الكاهن). فتحوّل اتباع الإله من الفردية في العبادة إلى اتباعه طبقًا لقوانين وشعائر ضرورية وتقديساتٍ خاصة تتطوّر بتطوّر الإله المصاحب لتطوّر المجتمع. فمفهوم الإله من بدء ظهوره في تطور دائم، فالموت المتكرّر للآلهة القديمة يفسح مجالًا أوسع لظهور آلهة جديدةٍ أسمى ذات أخلاقٍ ومُثُل عليا، وأكثر رقيًا، مما يدعو للرّقي المصاحب لتعاليمها وطقوس عبادتها، فمن زيوس، إلى بعل، إلى يهوه، إلى عيسى تسمو التّعاليم وترتقي إلى مكانةٍ أعلى.

ومع سيطرة الزعماء واللاهوتيين على المنظومة الدينية برمّتها، أضحى تكوين الأنساق العقائدية أو الشعائر الجمعية وسيلتهم لتسيير الجموع والتابعين، مما أدى بالتبعية إلى أن الوعي الجمعي والمنظومات الأيديولوجية للأفراد وللجماهير تكونت بتوجيه من اللّاهوتيين في المسار أو النّسق الموضوع منهم لتسيير جموع المتعبدين، وبذلك تحوّل الدِّين من منظومةٍ مستقلةٍ ذات قدسية خاصة، إلى دستورٍ وجب اتّباعه طبقا لتعاليم وقوانين وأفكار جمعية، فتحوَّل من منظومته السيميوطيقية الأولى إلى وسيلة ترهيبية وتحكّميَّة ذات دلالة تختلف اختلافًا كليًا عن اتجاهها الطبيعي والمعروف. فالدين هو تعطُّش النفس إلى المستحيل، إلى ما هو بعيد المنال، إلى ما يفوق التّصور، والحقُّ أن هذا هو ما يعنيه الدين؛ فالحافز الديني الموجود لدى البشر هو التعطُّش إلى ما يمثل هذه الأمور في عالم الزمان.[1] إن الدين ينشد اللامتناهي، واللامتناهي بحكم تعريفه مستحيل، أو بعيد المنال، فهو إذن بحكم تعريفه ما لا سبيل الي بلوغه.[2]

الدين “بتعريفه البدائي والحداثي”:

إن الدين هو النّزوع نحو قطع العلاقة مع الكينونة والوجود معًا، أو هو الرغبة في تجاوز الوجود نحو ذلك العدم الذي يكمن فيه النور الأعظم، إنه الرغبة في التّحرر تمامًا من أغلال الكينونة، والحقّ أن كل كينونة إنما هي قيد، فليس وجودك سوى ارتباطك بما أنت كائنه أو تقيّدك بصميم كينونتك، أما الدين فهو التعطُّش إلى الّلاوجود الذّي مع ذلك الموجود.[3]

إعلان

مع إيضاح الغاية العُظمى من الدين بكونه أبرز وأهم مسكنٍ للألم لدى الإنسان بل أقواها في النزوع النفسي، والبحث عن النور الأعظم الذي لا يمكن وجوده إلّا بالتّحرر الكامل من قيد الوجود والسمو إلى العدم، فالدين أيضًا هو السبيل إلى الوجود في عالم ليس واقعًا، لكنه صادقٌ لدى مُعتقده. إن الدين هو وسيلة المتدين ومرشده في الوجود للوصول إلى الّلاوجود أو ما بعد الوجود.

بينما بتعريفه الحداثي فقد تم انسلاخ مفهوم الدين عن روحانيته الفردية المطلقة إلى شعائرية وممارسات تعبدية سواءً كانت شعبية أو عقائدية، فظهر الدين كمجموعة من السلوكيات والممارسات الدالة على انتماء الفرد للعقيدة. [4] وباختلاف الدين تختلف الممارسات والنصوص والأماكن المقدسة التي هي بمثابة العلامة المميزة، وبطاقة الدخول لبرج الدين. إذن فالدين هو معتقدٌ جمعي يشترك به مجموعة من الأشخاص لتفسير الحياة والموت وما بعدهما وإيجاد الغاية من وجودنا.

التحوّل “من الفردية البدائية إلى الإمبراطورية اللاإنسانية”:

في المجتمعات البدائية كانت العقائد الدينية بمثابة الروح الكامنة بداخل جسد المجتمع، وكانت الشعائر والقرابين علاقةً فردية خاصة ما بين الإله والفرد فكان للدين حيّزه وقدسيته الخاصة، ولكن بعد سطوة الكهنة ورجال الدين وإختصاصهم بإصدار تعاليم الدين ونسج طقوسه وشعائره، أضحى بمثابة أداةٍ أو وسيلةٍ للسيطرة لكل من أراد إخضاع المجتمع، وانتقلت المنظومات الدينية من حيّزها الخاص إلى دعوة جمعية لتكوين إمبراطورية دينية، فأضحى الدين وسيلة للتوسع الحربي بغرضِ نشر تعاليمه، مما أدّى إلى العديد من الصّراعات اللاإنسانية، وانتقلت العقيدة من حرية ممارستها إلى وجوب ممارستها، وأصبح للامتناع عن ذلك عقوبات صارمة يقوم بتنفيذها الممثلون للإله. ومن يكن بين أيديهم سطوة الدين؛ كنشوء محاكمِ التفتيش من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر والتي نشأت لمحاربة أعداء الكنيسة الكاثوليكية ومعاقبة المهرطقين والخارجين عن الدين، فتمّ اعتبار كل من يدين بدينٍ غير المسيحية  -حتى وإن لم يقم بجناية ما-، تم اعتبار اتخاذ أية عقيدة مخالفة للعقيدة السائدة في تلك الفترة  -المسيحية- هو خروجٌ عن القانون وراح ضحيّتها العديد ممن أدينوا بالخروج عن عقيدة الكنيسة.

التّحوّل الذي حدث للدين بأن أصبح هو القانون المسيّر للمجتمع وخروجه من نطاق قدسيته الخاصة إلى سيطرته البحتة على أفراد المجتمع أثر بالتبعية على تابعيه، فأضحى العديد من تابعي هذه العقيدة بمثابة المنتفضين ضد كل المخالفين لعقيدتهم حتى وإن لم يعد ذلك عليهم بضررٍ إطلاقا.

فأضحى التّشدد ومهاجمة الأديان الأخرى سمة أساسيةً من سمات العقيدة المفردة كي تسمو بذلك على رفيقتها حتى وإن كانت امتدادًا لها، ففي نهاية العام المنصرم شاهدنا انتفاضة المسلمين في سبيل قضية مسلمي الإيغور في الصين وهي بالطبع انتفاضة مستحقة نظرًا لكونهم أقلية، ونظرًا للفعل اللاإنساني القائم، وطبقًا لإنسانية الأفراد وجب احترام الأقليات إنسانيًا بدون النظر إلى توجهاتهم العقائدية، ولكن هل هجوم نفس الأفراد أو البعض منهم على الأقليات المسيحية أو غير المتدينة أو المخالفة في نفس تلك الفترة أو في فترةٍ أخرى يتّسم بنفس طابع الإنسانية الظاهر من القضية الأولى؟

بالطبع وجب في هذه الحالة إعادة النظر مليًا إلى الحالة الأولى مرة أخرى، والتساؤل هل كانت الانتفاضة تدفعها الإنسانية حقًا أم يدفعها مجرّدُ نصرِ العقيدة الإسلامية بغض النظر عن الفعل اللاإنساني؟ وهل اللاإنسانية في قتل الأقلية من المسلمين تختلف بطبيعتها عن اللاإنسانية في شماتة الموت في غير المسلمين أو موتهم أو نبذهم؟
إن النظام العقائدي الحداثي المهيمن يحدّد نفسه وغيره من خلال دلالة النظام نفسه؛ بمعنى أن كل ما يوجد داخل النظام فهو منه، ويوصف بالتّحضر، ووجب التعاطف معه، وكل خارجٍ عنه فهو بربري، فالحضارة والبربرية صفةٌ نسبية داخل إطار كل حضارة.[5]

المستقبل العقائدي:

 يقول الدكتور خزعل الماجدي «الأديان بوضعها الحالي قادرة على إنتاج الشقاء والعداء والتفرقة بين البشر» وقد أوضح أيضًا أن مستقبل الأديان يكمن في تحرّرها من عشائريتها، وتحوّلها إلى الروحانية والفردية، فبانحلال الهيكل الحالي للمنظومة الدينية واقتصار الدين على الفرد بكونه هو المُتعبِّد وخروجه عن فكرة الجمعية السائدة وأحكامها، فمن الممكن في تلك الحالة اختفاء الانحيازية المتسببة تجاه الأقليات والمخالفين للعقائد، لأن في حالة فردية العقائد تصبح علاقة الفرد بعقيدته وإلهه علاقةَ راسخةَ قائمةً ومبنية على اقتناعٍ تامٍ بدون ترهيبٍ أو عقوبة، كالتي يقوم بها رجال الدين، وتبعًا لذلك سيعود للدين دلالته السيميوطيقية الأولى ومكانته القدسية في نفس أفراده، مما سيؤدّي إلى خلق أيديولوجيات مشخصنة وأنساقٍ فكرية خاصةٍ بالأفراد بذاتهم ولذاتهم.

إن إعادة الدين من جموده الحالي إلى روحانيته هو بالضرورة أمرٌ واجبُ الحدوث للحدِّ من الانجراف التَّام خلف إعصار الخلافات العقائدية والتشددية التي لا تتسبب إلا بإراقة الدماء، ووجب بالضرورة احترام الآخر بغض النظر عن اختلاف عقيدته واتجاهاته الدينية وجب احترامه لإنسانيته قبل كل شئ «فكل عقيدة تجعل من الإنسان إنسانًا محبًا، إنسانيًا تجاه البشر من حوله هي عقيدة صحيحة، وليست استفزازًا للعقول باسم الموت».

المراجع
[1] الزمان والازل مقال في فلسفة الدين لوالتر ستيس ص 39
[2] نفس المرجع السابق ص 40
[3] نفس المرجع السابق ص 41
[4] حياة الحقائق لغوستاف لوبون ص 30
[5] القارئ والنص لسيزا قاسم ص 17

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.