تأخذك إلى أعماق الفكر

مُترجم:هل الحرب حتميةٌ؟

أَهُنالِكَ مَفرٌ من الحروبِ؟

ألا يمكننا فقط العيش سويًا في سلام؟!

حسنًا..

يقول “إي أو ويلسون ” E. O. Wilson أحد رواد العالم في علم الأحياء بأن    

“التطور البشري قد تحدد بيد الصراعات. فالحرب جزء لا يتجزأ من طبيعتنا”.

 

كتب ويليام جيمس الذي تعد مقالته  المناهضة للحرب عام 1906 أفضل ما كتب بهذا الصدد “إن التاريخ حمامُ دماء. إن الرجل الحديث يرث فطريًا حب العِداء وحب المجد عن أسلافه، فإظهار لاعقلانية ورعب الحرب ليس له تأثير عليه. إن الرعب يخلق افتتان الفرد بحياة الحرب على أنها حياة القوة. إنها حياة متطرفة؛ فضرائب الحرب هي الوحيدة التي لا يتردد الناس في دفعها، كما تُظهر لنا ميزانيات الدول.”

 

إعلان

يمكن القول بأن طبيعتنا الدموية -من خلال سياق البيولوجيا الحديثة- متأصلة بنا لأن مبدأ التنافس ضد الغير كان القوة المحركة التي جعلتنا ما نحن عليه الآن. في عصور ما قبل التاريخ، رفع الانتخاب الزمري (أي التنافس بين القبائل بدلًا من الأفراد) الإنسان البدائي “hominids” (الذي أصبح آكل لحوم إقليمي) لآفاق التضامن والعبقرية والتخطيط والخوف. فعلمت القبائل أنها إن لم تكن مسلحة ومستعدة فإن وجودها مهدد بالخطر. وعلى مر التاريخ، كان تكوير جزء كبير من التكنولوجيا ذو علاقة بالقتال كهدف مركزي. تتخلل تقاويم الأمم في عصرنا هذا  إجازات للاحتفال بالفوز في الحروب ولِتذكر الذين لقوا حتفهم خلالها. إن أفضل طريقة لحشد الرأي العام تتمثل باستثارة المشاعر تجاه المعارك المميتة -الأمر الذي يؤثر بدوره على اللوزة الدماغية التي تعتبر مركز الرئيسي للعواطف في الدماغ والتي لها اليد العليا في التعاطف البشري. نجد أنفسنا في معركة لوقف تسرب النفط وفي قتال للحد من التضخم وفي حرب ضد السرطان. فأينما تواجد العدو -حيَّاً كان أم جماد- يجب أن ننتصر عليه؛ يجب علينا أن نكون في المقدمة بغض النظر عما يكلفه الأمر من خسائر في الوطن.

سيقبل الأفراد أي عذر لخوض حربٍ حقيقية ما دام  يُنظر إليه على أنه ضروري لحماية القبيلة، وتذكر أهوال الماضي ليس لها أية تأثير. فما بين أبريل إلى يونيو من عام 1994 شرع قتلة من أغلبية الهوتو في رواندا في إبادة أقلية التوتسي الحاكمة للبلاد ذاك الوقت. فخلال مائة يوم من مذبحة جامحة استُخدمت فيها الأسلحة البيضاء والبنادق قُتِل 800000 شخص أغلبهم من قبيلة التوتسي؛ وكنتيجة لذلك، انخفض تعداد سكان رواندا 10%. وبعدما توقفت المذبحة أخيرًا، هرب2 مليون فرد من أفراد قبيلة هوتو من البلاد خوفًا من الانتقام. وكانت الأسباب المباشرة لحمام الدم المظالم السياسية والاجتماعية التي نبعت جميعها من سبب جذري: كانت رواندا أكثر دولة مكتظة بالسكان في أفريقيا. وبسبب التزايد السكاني الذي استمر بالنمو بلا هوادة، فقد تقلص نصيب الفرد من الأراضي الصالحة للزراعة إلى أقصى حدوده؛ كما وكانت النزاعات القاتلة تدور حول القبيلة التي ستمتلك هذه الأراضي وتسيطر عليها. 

الصراع العالمي

بمجرد انفصال أي مجموعة عن مجموعات أخرى وتجريدها بشكل كاف من إنسانيتها، يمكن تبرير أي وحشية تُمارَسُ ضدها على كل المستويات وعلى أي حجم سواء أكانت هذه المجموعة بحجم أمةٍ أو ذات انتماء عرقي مختلف.

هناك خُرافة مألوفة تُسرد كحكاية رمزية عن الجانب البشري المظلم الذي لا يرحم أحدًا. ففي هذه الحكاية يطلب عقرب من ضفدع أن يعبر به النهر، إلا أن الضفدع يرفض في البداية قائلًا أنه يخاف من أن يلدغه العقرب. وبدوره يؤكد العقرب انه لن يفعل شيئًا كهذا مبررًا بأن كلاهما سيهلك إن لدغهُ، يوافق الضفدع ويحمل العقرب، وفي منتصف المسافة عبر النهر يلدغهُ العقرب. فيسأله الضفدع بينما يغوصون أسفل النهر:”لم فعلت ذلك؟” فيجيبه العقرب “إنها طبيعتي!”.

 

لا تعتبر الحرب -والتي غالبًا ما تكون مصحوبة بإبادة جماعية-  نتاجًا ثقافيًا بعدد محدود من المجتمعات. كما أنها ليست انحرافًا في التاريخ، بل هي نتيجة للآلام المتزايدة لنضج الجنس البشري. كانت الحروب والإبادات الجماعية عالمية وأبدية وغير مرتبطة بوقت محدد أو ثقافة بعينها وستظل على حالها هذا. 

 إنَّ المعالم الأثرية محفوفةٌ بأدلةٍ على صراعات جماعية ومدافن مذابح بشرية. تتضمن أدوات استخدمت في أقدم فترة في العصر الحجري الحديث (منذ حوالي 10000 سنة) آلاتٍ مصممة بشكل واضح للقتال. وقد يظن المرء أن تأثير الديانات الشرقية المسالمة -خاصة البوذية- كان ثابتًا منذ ظهورها في معارضة العنف، ولكن الأمر لم يكن كذلك. ففي كل الحالات التي سيطرت فيها البوذية وأصبحت المذهب الرسمي، تم التهاون بشأن الحرب والضغط على تواجدها كجزء من سياسة الدولة الدينية.

إن الأساس المنطقي لرأي البوذية حول الحرب واضحٌ ويتواجد مثيل له في المسيحية؛ فالسلام واللاعنف والمحبة الأخوية هي القيم الرئيسة، ولكن التهديد الذي تمثله الحضارة البوذية وقوانينها هو شر لابد من هزيمته.

انخفض الصراع العنيف بين الدول بشكل كبير منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى المواجهة النووية بين القوى العظمى (عقربان في زجاجة كبيرة). لكن الحروب الأهلية والتمردات والإرهاب الذي ترعاه الدول العُظمى يستمر بلا هوادة. عمومًا،  تم استبدال الحروب الكبيرة في جميع أنحاء العالم بالحروب الصغيرة الشبيهة بنوع وحجم أشبه بالصيد البدائي والمجتمعات الزراعية البدائية. وقد حاولت المجتمعات المتحضرة القضاء على التعذيب والإعدام وقتل المدنيين، إلا أنّ أولئك الذين يخوضون حروبًا صغرى لا يمتثلون لذلك.

 

وقد قرر علماء الآثار أنه بعد بدء السكان من الإنسان العاقل “Homo sapiens” بالانتشار خارج أفريقيا (منذ حوالي 60000 عام)، ووصلت الموجة الأولى إلى غينيا الجديدة وأستراليا. بينما بقي أحفاد الأوائل يعيشون كصيادين أو كمزارعين بدائيين، حتى وصل إليهم الأوروبيون. أما السكان الأحياء من نفس الأصل والثقافات القديمة فهم السكان الأصليين لجزيرة ليتل أندامان قبالة الساحل الشرقي للهند، وقبائل موبوتي في وسط أفريقيا، وكونغ بوشمان في جنوب أفريقيا. جميعهم اليوم، أو على الأقل خلال ذاكرة التاريخ، قد أظهروا سلوكًا عدوانيًا إقليميًا.

الإرث المُميت

إن العداوة القبلية تعود إلي ما قبل العصرالحجري الحديث، لكن لا يستطيع أحد أن يحدد الفترة بدقة. فلربما تعود إلى وقت الإنسان الماهر “homo habilis ” -أقدم الأنواع المعروفة من جنس الهومو والذي نشأ منذ 2-3 مليون سنة مضت بأفريقيا. إلى جانب امتلاكهم أدمغة أكبر حجمًا، فقد طور هؤلاء الأوائل من جنسنا اعتمادًا كبيرًا على البحث عن بقايا اللحوم أو اصطيادها. وهناك فرصة جيدة بأن يكون ميراثًا أقدم من ذلك، فربما يعود إلى ما قبل الانشقاق (الذي حدث منذ 6 مليون سنة مضت) بين الخطوط المؤدية إلى الشمبانزي الحديث والبشر.

 

وقد وثَّقت سلسلة من الباحثين – بدءًا من جين غودالج- جرائم القتل بين مجموعات الشمبانزي والمداهمات القاتلة التي حدثت بين المجموعات. وقد اتضح أن الشمبانزي ومجتمع الصيادين والمزارعين البدائيين لديهم نفس معدل الوفيات جراء الهجمات العنيفة داخل المجموعة الواحدة وبين المجموعات. لكن نسبة العنف غير القاتل أعلى بكثير لدى الشمبانزي، حيث تظهر حالات العنف غير القاتل لدى الشمبانزي بشكل أكبر مما تظهر لدى البشر بنسبة تتراوح ما بين مائة إلى ألف حالة.

كما وأن أنماط العنف الجماعي التي ينخرط بها شباب الشمبانزي الذكور تشبه إلى حد كبير مثيلتها في ذكور البشر. بالإضافة إلى التنافس المستمر للحصول على مكانة مرموقة -سواء لأنفسهم أو لعصاباتهم- فإنهم يميلون إلى تجنب المواجهات الجماعية المفتوحة مع القوات المنافسة، وبدلًا من ذلك فهم يعتمدون على الهجمات المفاجئة. ومن الواضح أن الغارات التي تقوم بها العصابات الذكور على المجتمعات المجاورة تهدف إلى قتل أو طرد أعضائها واكتساب مناطق جديدة للسيطرة عليها. ولا توجد طريقة معينة بناءً على معرفتنا الحالية تمكننا من اتخاذ قرار حاسم بشأن ما إذا كان سلالة الشمبانزي وسلالة البشر قد ورثوا نمط عدوانهم الإقليمي ذاك من سلف مشترك، أم أنهم طوروه بشكل مستقل استجابةً للضغوط المتوازية من الانتخاب الطبيعي والفرص التي واجهوها في الأراضي الأفريقية. على أية حال، فإن السلف المشترك يبدو الخيار الأكثر احتمالًا بسبب التشابه الملحوظ في التفاصيل السلوكية بين النوعين، بشرط  اللجوء إلى أقل الافتراضات المطلوبة لشرح الأمر.

تسمح لنا مبادئ علم البيئة السكانية باستكشاف جذور الغريزة القبلية للجنس البشري بشكل أعمق. فالتزايد السكاني يحدث بشكل مضاعف، وعندما يتم استبدال كل فرد من السكان في كل جيل تالي بأكثر من فرد -حتى ولو بكسر ضئيل للغاية (مثلًا 1.01)- فإن التزايد السكاني ينمو أسرع وأسرع بنفس نمط الادخار أو تراكم الديون. فتعداد سكان  الشمبانزي أو البشر دائمًا ما يميل إلى الزيادة بشكل كبير عندما تكون الموارد غزيرة، ولكن بعد بضع أجيال وفي أفضل الحالات، تُجبر على إبطاء سرعة التكاثر. فلا بد أن يتدخل “شيء ما”حينما تبلغ الزيادة ذروتها، ثم تثبتُ أو تتأرجح صعودًا وهبوطًا. إلا أنه غالبًا ما يحدث انهيار مفاجئ وتنقرض الأنواع محليًا.

ما هو “الشيء” الذي قد يتدخل بتعداد السكان؟ يمكن أن يكون أي شيء في الطبيعة يتحرك صعودًا أو هبوطًا بفعالية مع حجم السكان. فالذئاب على سبيل المثال هي العامل المُحدِد لتزايد الظِبيان والغِزلان اللتي يقتلونها ويأكلونها. ومع تضاعف عدد الذئاب يتوقف نمو الظبيان والغزلان أو ينخفض. وبنمط موازي لذلك، فإن كمية الظِبيان والغزلان هي العامل المُحَدِد للذئاب: عندما ينخفض غذاء المُفتَرِسين -في هذه الحالة الظبيان والغزلان- ينهار تعدادها السكاني. وفي حالات أخرى، تنطبق نفس العلاقة على الكائنات المسببة للأمراض والكائنات التي تصاب بها. مع زيادة عدد الكائنات التي تصاب بالأمراض -وبزيادة السكان بشكل أكبر وأكثف- يزداد عدد الطفيليات. فعلى مر التاريخ، اجتاحت الأمراض في كثير من الأحيان الأرض إلى أن ينخفض تعداد والكائنات التي تصاب بالأمراض بما يكفي أو عندما تحصل نسبة كافية من أعضائها على المناعة.

 

هناك مبدأ  آخر: العوامل المُحددة تعمل بتسلسل هرمي. هب أن العامل المحدد الأساسي لتكاثر الظبيان تم إزاحته بقتل البشر للذئاب. وكنتيجة لذلك سيزداد نمو الظبيان والغزلان بشكل هائل، إلى أن يظهر عامل آخر. قد يكون هذا العامل أن آكلات العشب جارت على منطقتهم مما أدى إلى افتقارهم للغذاء. كما وأن الهجرة عامل مُقيد آخر، حيث يمتلك الأفراد فرصة أفضل للنجاة إن غادروا لمكان آخر. إن الهجرة بسبب الضغط السكاني غريزة متطورة للغاية في القوارض والجراد والفراشات الملكية والذئاب. فإذا تم منع هؤلاء السكان من الهجرة فإن التعداد قد يزداد حجمة ثانيةً، ولكن لاحقًا ستظهر عوامل محددة أخرى. فبالنسبة للعديد من أنواع الحيوانات، العامل المُحدد هو الدفاع عن الأرض، والذي يحمي موارد الغذاء لصاحب المنطقة. فالأسود تزأر والذئاب تعوي والطيور تغرد من أجل الإعلان أنهم في أراضيهم وإبداء رغبتهم بأن يبقى الأعضاء المنافسين لهم من نفس النوع بعيدًا عن منطقتهم.

 

الحروب في الماضي والحاضر والمستقبل

يفضل كل من البشر والشمبانزي تحديد الحدود الإقليمية للمناطق الخاضعة لسيطرتهم. ويظهر هذا في التحكم السكاني الظاهر في صلب أنظمتهم الاجتماعية. فما الأحداث التي حدثت في السلالة البشرية وسلالة الشمبانزي -قبل الانقسام منذ 6 مليون سنة- التي لا يمكن التكهن بها؟ أنا أعتقد أن أفضل دليل يتبع التسلسل التالي، فكان الغذاء هو المحدد الرئيسي -والذي اشتد مع بداية صيد المجموعات للبروتين الحيواني. حيث تطور السلوك الإقليمي كوسيلة لمصادرة إمدادات الغذاء. فأسفر عن حروب التوسع والضم للمناطق أراضٍ ضخمة وجينات مفضلة والتي تشخص تماسك المجموعة والتشابك وتشكيل التحالفات.

إعلان

مصدر
فريق الإعداد

إعداد: حسين السيد

تدقيق علمي: راما ياسين المقوسي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.