تأخذك إلى أعماق الفكر

نظرة في كتاب مذكرات حرب أكتوبر للفريق سعد الدين الشاذلي

كان هذا القرار أول غلطة كبيرة ترتكبها القيادة المصرية خلال الحرب وقد جرتنا هذه الغلطة لسلسلة غلطات أخرى، وكل ما استطعنا عمله هو التأجيل ليوم 14 أكتوبر، لقد خسر العدو خلال قتال يومي 8 و 9 من أكتوبر حوالي 260 دبابة ولهذا تراجع وأبطأ من هجومه وقام بتعويض الجزء الأكبر من خسائره في الدبابات إلى أن وصلت 900 دبابة يوم 13 من أكتوبر ، كان علينا في 14 من أكتوبر أن نهاجم 900 دبابة معادية في المكان الذي يختاره العدو لهذا اللقاء وتحت سيطرة جوية معادية بقوة 400 دبابة مصرية فقط، هل كان هذا القرار نتيجة الجهل أم المقامرة أم الخيانة؟ لقد نجح العدو في تدمير معظم دباباتنا وفي ظهر يوم 14 انسحبت قواتنا مرة أخرى، وكان تبرير السادات بأن هجومنا كان بهدف تخفيف الضغط عن سوريا وهو إدعاء باطل الهدف منه هو تسويغ الخطأ .

من الإحداث التي حدثت الساعة 13:30 يوم 13 أكتوبر ظهور طائرة استطلاع فوق منطقة القتال ولم تكتف بتغطية الجبهة بالكامل بل طارت فوق الدلتا قبل أن تخرج وكل هذا دون أن تصاب بأذى وعندما سألت الدفاع الجوي لماذا لم يسقطها فرد اللواء محمد على فهمي بأنها تطير على ارتفاع خارج مدى صواريخنا . وعرفنا من إرتفاعها وسرعتها أنها لابد أن تكون الطائرة الأمريكية SR-71-A ومعنى هذا أن إسرائيل أصبحت تعلم بموقف قواتنا شرق القناة وغربها على وجه اليقين وأنه لم يعد هناك ما يمكن إخفاؤه على العدو .

وعلى مستوى القيادة العامة وصلتنا المعلومات الأولى عن اختراق العدو صباح يوم 16 من أكتوبر وكان الموقف مائعا عجزت قيادة الجيش عن تحديد حجم ومكان القوة المعادية، عقد مؤتمر بالقيادة بعد ظهر يوم 16 واقترحت سحب الفرقة 4 المدرعة واللواء المدرع 25 من قطاع الجيش الثالث خلال الليل وأن يقوم فجر باكر بتوجيه الضربة الرئيسية ضد قطاع الاختراق، ولكن السادات قال بغضب” أنا لا أريد أن أسمع منك مرة أخرى هذه الاقتراحات الخاصة بسحب القوات من الشرق، إذا أثرت هذا الموضوع مرة أخرى فغني سوف أحاكمك”

لقد أصابني كلام السادات بجرح عميق وكنت أفكر بالإستقالة ولكن طردت هذا من خاطري. كيف أترك القوات المسلحة في أوقات الشدة؟ وهكذا قمنا بإصدار التعليمات الخاصة بعمليات يوم 17 طبقا للقرار الذي اتخذه الوزير والرئيس، وحاول اللواء عبد المنعم واصل تعطيل القرار ولكن كمبدأ عام يمكن للقادة أن يختلفوا عند إبداء وجهة نظرهم قبل اتخاذ القرار، أما مجرد اتخاذ القرار فيجب أن يعمل كل منهم قدر طاقته لتنفيذه سواء كان يتفق مع وجهة نظره أم لا . ولذلك لا سبيل للتراجع الآن . وبعد حديث طويل مع عبد المنعم واصل قال لي بيأس شديد “لا حول ولا قوة إلا بالله . سوف أقوم بتنفيذ هذه الأوامر ولكن أقولها مسبقا ، سوف يدمر هذا اللواء”

وهذا ما حدث بالفعل وتم تدمير اللواء تدميرًا تاما وتدفقت قوات وتدفقت قوات العدو ونجح في بناء أول كوبري له في منطقة الدفرسوار، وأصبحت قواتنا مهددة بالتطويق، ودمر العدو الكثير من مواقع صواريخنا سام وأصبحت القوات الجوية المعادية قادرة على العمل بحرية من خلال الثغرة التي أخذتها في دفاعنا الجوي، وأخيرا اتخذ السادات القرار بسحب الفرق واللواء المدرع ليلة 25 18/19 من أكتوبر وقد كنت أريد سحبها 18/19 أكتوبر وحينها كان سيتغير الموقف تماما.

إعلان

وحدث بعدها أن طالبت بسحب ألويتنا المدرعة من الشرق في خلال الأربع والعشرين ساعة التالية ولكن رفض الوزير أحمد إسماعيل والسادات مرة أخرى، يدعي السادات في مذكراته ( الصفحة 348 ) بأنني عدت من الجبهة منهارا يوم 19 من أكتوبر وأنني طالبت “بسحب قواتنا في شرق القناة لأن الغرب مهدد، ويؤسفني بأن أقول أن هذا كذب رخيص، لقد كنا تسعة أشخاص مات واحد ومازال الثمانية الآخرون أحياء وإني لأتحدى إذا كان أحد من هؤلاء الأحياء يستطيع أن يشهد بصدق ما يدعيه السادات، لقد طالبت حقا بسحب جزء من قواتنا من الشرق للغرب وكانت مطالبتي بهذه العملية يوم 20 من أكتوبر، وحدث بعد ذلك أن حاصر العدو الجيش الثالث . لقد كان القضاء على الثغرة يوم 16 من أكتوبر سهلا ميسورا لو لم يثر السادات من وجهة نظري في وجهي وكأني ارتكبت حماقة، وفي يوم 20 من أكتوبر كان الموقف ما يزال تحت سيطرتنا ويمكن القضاء على الثغرة لو أن السادات أخذ برأيي، أنه درس قاس دفعت مصر والعرب ثمنه غاليا ولكنه درس على أية حال .

إن السادات هو أحد مئات من حكام مصر الذين حكموا هذه البلاد عبر 7000 سنة ويجيء من بعده مئات آخرون، وستبقى مصر شامخة عزيزة الجانب وسيشهد التاريخ أن حرب أكتوبر 73 قد أبلى فيها الجندي المصري أحسن البلاء وأن ضباط والجنود جميعا قد أدوا أروع الأداء، إلا أن حاكم مصر في ذلك الوقت المتعطش للسلطة وحب الظهور قد أجهض انتصاراتهم، فلجأ السادات بعد ذلك للسوفييت وقام السوفييت بتوجيه تحذير شديد اللهجة لإسرائيل وأمريكا وقام نيكسون برفع درجة الأستعداد في جميع أنحاء العالم وبدا الموقف وكأن الدولتين العظمتين على وشك المجابهة ولكن بضغط خفيف أمريكي على إسرائيل أوقفت النار ولكن لم تلتزم بقرار العودة لحدود 22 بحجة أنه لا أحد يعرف أين كانت القوات قبل 22 أكتوبر، ولكن كل ذلك بعد أن أتمت حصار الجيش الثالث .

ما أغلى الثمن الذي دفعته مصر نتيجة حصار الجيش الثالث يوم 23 أكتوبر، لقد أجهض حصار الجيش الثالث إنتصارات أكتوبر المجيدة وأجهض سلاح البترول وأجهض الحصار البحري الفعال الذي فرضته مصر على إسرائيل، وأفقد القيادة السياسية المصرية القدرة على الحركة والمناورة وجعلها ألعوبة في يد إسرائيل وأمريكا، وفي سبيل إنقاذ الجيش الثالث كانت مصر ترى إسرائيل وهي تنهب وتسلب ثرواتها وتقف مكتوفة الأيدي لا تستطيع الرد ولا حتى مجرد الاجتماع .

وهنا يبرز السؤال مرة أخرى، من المسئول عن حصار الجيش الثالث؟ إذا رغبت مصر أن تغسل شرفها العسكري من الشوائب التي أصابته نتيجة حصار الجيش الثالث فإنها يجب أن تبحث عن المسئول عن هذه الكارثة وإني لأتهم السادات بهذه الجريمة ولدي الوثائق التي تؤيد هذا الاتهام .

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.