الأُسس الابستمولوجية لمنهج ابن تيمية اللغوي “2”

نقده للمنطق الأرسطي ونظريته السياقية (2-3)

في الجزء الأول ألقينا الضوء على البلاغة واهتمام العرب بها يمكنك قراءته من هنا
نقده للمنطق: رأى ابن تيمية أنَّ المعرفة الحقيقيَّة إنَّما تقوم على إدراك القضايا (الجزيئات) أو ما يُعرف في المنطق بالتصديق، وليس على إدراك المفردات أو ما يُعرف بالتصوُّر؛ وذلك لأنَّه ليس في الخارج شيء موجود خاليًا من كلِّ قيد، وبأنَّ تلك الكليات التي يتحدث بها المناطقة ما هي إلّا عمليَّة تجريدٍ ذهني يعزل فيها الجزئي عن العوارض المخصصة له؛ فالعالم عنده إذن ما هو إلّا قضايا مُقيَّدة بأوصافها (اللَّونية أو الحجمية أو العددية…)، أو بعلاقاتها مع غيرها (كالتشابه أو التضاد أو الفوقية أو التحتية…)؛ وإنْ جاز لنا أنْ نقول أنَّ الماهية ما يرتسم في الذِّهن من الشيء، والوجود ما يكون في الخارج منه. ولأنَّ الذهن قادرٌ على تصور أشياء ليست موجودة في الخارج، كان المقدر في الأذهان أوسع من الموجود في الأعيان، وهذا سبب الغلط والضلال عندهم وكان لابدَّ للحكم بصحة شيء في الذهن النظر إلى الخارج وإلّا فليس هناك في الخارج شيء ثابت يدَّعي الماهية؛ وإنَّما هناك الوجود المعين والماهية المعينة والحقيقة المعينة وليس الكليات أو الماهية التي يدَّعون(1).

ومن ضمن هذه المقيدات، الصفات المرتبطة بالذوات؛ حيث لا يمكن -وفقًا لابن تيمية- فصل الذَّات عن صفاتها، إذ ليس في نفس الأمر ذاتًا مُجرَّدة حتّى يُقال أنَّ الصفات زائدةٌ عليها، بل لا يُمكن وجود الذَّات إلّا بما تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلّا بما تصير صفات من الذَّات وإلّا كانت كالمعدوم، فتخيُّل وجود أحدهما دون الآخر ثم زيادة الآخر عليه تخيُّلٌ باطل، وهو بذلك يدعم معتقداته الكلاميَّة ومن أبرزها اعتقاده بأنَّ للّه وجودٌ خارجيٌّ حقيقي مع صفاتٍ حقيقيَّة، اعتمادًا على فكرة أنَّه لا شيء يمكن أنْ يُعدَّ موجودًا وجودًا حقيقيًّا دون أنْ يُوصف بصفاتٍ معينة، فهو يرفض بقوةٍ كلام الرَّازي وابن سينا فيما يسمونه المُطلق المحض الذي يراه كأيِّ كلي ما هو إلّا مفهوم ذهني ليس له وجودًا حقيقيًّا في العالم الخارجي (2).

دلالة السياق مقابل الدلالة الوضعية عند المناطقة:

ولأنَّ المطلب الأقصى لنظر المناطقة هو البرهان المحصل للعلوم اليقينيَّة، وكان البرهان نوعًا من أنواع الاستدلال وكان كلُّ استدلالٍ لا ينتظم إلّا بمقدمتين، وكانت كلُّ مقدمةٍ لا تنتظم إلّا بخبرٍ ومخبرٍ عنه كلاهما دالٌ على معنى، كان مطلب المناطقة مطلبًا مُركَّبًا وككل مرکب لابدَّ للناظر فيه أنْ يُحلله إلى المفردات (3) “وكلُّ مفردٍ فهو معنى ويدل عليه لا محالة بلفظ، فيجب ضرورة أنْ ننظر في المعاني المفردة وأقسامها، ثمَّ في الألفاظ المفردة ووجوه دلالتها، ثمَّ إذا فهمنا أنَّ اللَّفظ مفردةٌ، والمعنى مفردة ألفنا معنيين وجعلناهما مقدمة وننظر في حكم المقدِّمة وشروطها، ثمَّ نجمع مقدمتين ونصوغ منهما برهانًا وننظر في كيفيَّة الصياغة الصحيحة، وكل من أراد أنْ يعرف البرهان بغیر هذا الطريق فقد طمع في المحال” (4).

يعترض ابن تيمية على الأسبقيَّة المنطقيَّة والنظريَّة للمعنی المفرد ليحل محلها الأسبقية الطبيعيَّة للقول المرکَّب، لأنَّه لما كانت اللغة الوسيلة المستعملة للتعبير عن العالم الخارجي كان لابدَّ للَّفظ المستعمل أن يكون مقيَّدًا كالأشياء في الخارج بحيث ينعكس المعنى الخارجي باللغة، فيقول: “فإن أردت كون اللَّفظ مطلقًا عن القيود فهذا لا يوجد قط فإن النظر إنَّما هو في الأسماء الموجودة في كلام كلِّ متكلمٍ كلام الله وملائكته والجن وسائر بني آدم والأمم، لا يوجد إلّا مقرونًا بغيره إمّا ضمن جملةٍ اسميَّةٍ أو فعليةٍ ولا يوجد إلّا من متکلمٍ ولا يُستدل به إلّا إذا عرفت عادة ذلك المتكلم في مثل ذلك اللَّفظ، فهنا لفظ مقیَّد مقرون بغيره من الألفاظ ومتکلمٍ قد عرفت عادته ومستمع قد عرف عادة المتكلم بذلك اللَّفظ فهذه القيود لابدَّ منها في كلامٍ يفهم معناه فلا يكون اللَّفظ مطلقًا عنها” (5).

“فلا يوجد في اللغة لفظ السواد والبياض والطول والقصر إلّا مقيَّدًا بالأسود والأبيض والطويل والقصير ونحو ذلك، لا مجرَّدًا عن كلِّ قيد” (6)، ولأجل ذلك لا يمكن أن يكون اللَّفظ مفيدًا إلّا إذا نُظِّم مع آخرٍ في جملة، فإذا ذكرت كلمةٌ ما دون قصدِ المتكلم معنى ما دلَّ عليه السياق، فليس ذلك من استعمال اللغة في شيء؛ فلفظ الأسد والبحر دون قصد الحيوان وبحر الماء مثلًا وبغير أن يدل السِّياق على مقصد المتكلِّم ليس بكلامٍ ولا جزء کلام ولا يفيد فائدة أصلًا، وهو صوت ينعق به إذ ليس هناك لفظٌ مطلقٌ أو معنی مطلق عدا التمثلات الذهنية للألفاظ والمعاني الحقيقيَّة التي ليست إلا بنيات مجرَّدة ليس لها تحقق في العالم الخارجي ولذا فإنَّه -وفق كلام د.محمد محمد يونس علي (7)- يدعو إلى اتباع منهجٍ عمليٍّ (واقعي) empirical approach يأخذ في حسبانه الموقف التخاطبي بكامله، ويرجع خطأ معارضي ابن تيمية حسب رأيه إلى خلطهم بين العالم في حدِّ ذاته وافتراضاتهم عنه؛ فهم يعتقدون خطأ أن ما يتصورونه في أذهانهم يُمثِّل الواقع الخارجي، مع أنَّ تمثلاتهم الذهنية معزولة عن السياق وخالية من التنوعات الفردية للأشياء الخارجية التي تنشأ نتيجة تشخصها وذلك التشخص -بحسب رأي ابن تيمية- هو علامة وجودها الحقيقي في العالم الطبيعي (7).

إعلان

وبذلك يؤسِّس ابن تيمية لنظرية سياقية تراعي تداوليَّة الخطاب بين المتكلم والمستمع، وعرف الاستعمال بعيدًا عن نزعة الفلاسفة والمتكلمين القائمة على المطلق والتَّجريد، فقد يكون طالب التعريف متصوِّرًا للمعنی جاهلًا بدلالة اللفظ عليه، فهذا جوابه الترجمة إن كان الاسم لا يوجد في لغته وبالتفسير إن كان موجودًا، وأمّا إن كان طالب التَّعريف متصوِّرًا للمعنی عالمًا بدلالة اللفظ عليه فجوابه يكون حسب الغرض الذي يهدف إليه من سؤاله بذكر الخصائص التي لم يطلع عليها، وأمَّا إن كان غير متصوِّرٍ للمعنى وجاهلًا بدلالة اللفظ عليه، فهذا جوابه يكون إمّا بالتعيين وإحضار المسمى نفسه، وإما بذكر صفاته ليميِّزه عن غيره لا للدَّلالة على الكنه أو الماهية كما يدَّعي المناطقة (8).

المراجع : 
(1) مجموع الفتاوي، ابن تيمية ، 106 :7 , 216 :14.
(2) علم التخاطب الاسلامي دراسة لسانية لمناهج علماء الأصول فى فهم النص، د.محمد محمد يونس على، ص130، دار المدار الاسلامي.
(3) المنهجية الأصولية والمنطق اليوناني، حمو النقاري ص116، الشبكة العربية.
(4) المستصفي من علم الأصول، أبوحامد الغزالى ص29-30.
(5) مجموع فتاوي، ابن تيمية 20 :450.
(6) مجموع الفتاوي، ابن تيمية 109:7.
(7) علم التخاطب الإسلامي دراسة لسانية لمناهج علماء الأصول فى فهم النص، د.محمد محمد يونس علي، ص298 ، دار المدار الاسلامي.
(8)السياق عند ابن تيمية نظرة جديدة د.فريدة زمرد ، مجلة الأحياء وللكاتبة كتاب صدر حديثًا بعنوان "الأبعاد التداولية لنظرية المجاز عند ابن تيمية" مركز تفسير للدراسات القرآنية لم أستطع الحصول عليه).

إعلان

اترك تعليقا