تأخذك إلى أعماق الفكر

مرض سيبا: عدم الشعور بالألم 

كيف هو الحال بالنسبة لمن يعانون من هذا المرض النادر؟ 

تمحور موضوع إحدى حلقات مسلسل الدراما الطبية “House حول فتاة في السادسة عشر من عمرها تعرضت لحادث سيارة خطير برفقة والدتها. لاحظت هانا أنّ والدتها فقدت الوعي، وبذلك قامت فوراً بالاتصال بالنجدة، ثم نظرت للأسفل ورأت قضيباً معدنياً محشوراً في فخذها، وعند وصولهما المستشفى تجاوزت درجة حرارتها 40 سيلسيوس دون أن تشعر بأيّ ألم أو تتعرق أو ترتجف كردِّ فعلٍ للحرارة المرتفعة.تبع ذلك انهيارها غائبةً عن الوعي؛ فأَسعفها الأطباء بسكب الماء المُثلج ووضع أكياس التبريد على جسدها.

تلا ذلك خضوع هانا للتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET scan) أثناء وضع يدها داخل وعاء يحوي مياهً ساخنة جداً؛ حيث طلب الأطباء منها إخراج يدها من الوعاء بشكل متكرر وذلك ليقيسوا استجابة دماغِها للألم.

لكن تركيزها تشتّت أثناء خضوعها للاختِبار السابق ونسيت أن تُخرِج يدها من وعاء الماء الساخنة. ونظراً للوقت الذي احتاجه الطبيب للدخول إلى حجرة التصوير المقطعي وإخراج يدها من الوعاء، احترقت يد هانا بحروق من الدرجة الثانية. وطِيل فترة إقامتها في المستشفى، لم تشتكِ هانا من أي ألم على الإطلاق.

ورغم أن كينونة هانا من ضرب الخيال -باعتبار أنها مجرد شخصية خيالية في مسلسل تلفزيوني- إلا أنّ حالتها تستعرض جميع الأعراض لواحدٍ من أندر الأمراض في التاريخ: “عدم الحساسية الخلقية للألم مع عدم التعرق” أو ما يُعرف اختصاراً بـ”مرض سيبا“. ووفقاً لبحثٍ أجراه الدكتور Stanley A. Shatsky وبعض من زملائه عام 2000 وتمَّ نشره في المجلة الأمريكية لعلم الجينات الطبي، تمَّ توثيق 56 إصابة بـ”مرض سيبا” في العالم أجمع؛ وكانت أعمار جميع من تمّ تسجيل إصابتهم بهذا المرض أقل من 18. ورغم ندرة هذا المرض، إلا أنه حظي باعترافِ بعض الأفراد بوجوده إثر ظهور حالاتٍ تمثله في حلقاتٍ من مسلسلي House و Grey’s Anatomy. 

وأشار الطبيب Yasuhiro Indo في إصدارٍ من مجلة Human Mutuation: Variation, Informatics and Disease إلى ما يلي:

“إنّ مرض سيبا -المعروف بإسم النوع الرابع من الاعتلال العصبي الحسي والوراثي- اضطراب وراثي جسمي ومتنحٍّ يتصف بما يلي:

إعلان

  • نوبات حمى متكررة 
  • احتباس التعرق (عدم القدرة على التعرق)
  • غياب وجود رد فعل لمحفزاتٍ مؤذية 
  • إيذاء النفس
  • التخلف العقلي”

وحسبما جاء في المجلة الأمريكية لعلم الجينات الطبي، أنّ المرض شائع على وجه الخصوص بين من تنحدر أصولهم من البدو الإسرائيليين؛ حيث تم تتبع أصول  28 مريضاً -من أصل 56 حالةٍ مُثبتة- إلى البدو الإسرائيليين. ويُعزى تفشي هذا المرض بين البدو الإسرائيليين إلى معدل زواج الأقارب المرتفع لديهم؛ مما يعني زيادة في المورثات متماثلة الألائل في أَليل الطفرة الوراثية. 

ماهية العيش مع مرض سيبا

يُعتبر التسنين العقبةَ الأولى التي يجب على المصابين بـ”مرض سيبا” تجاوزها؛ فغالباً ما يقوم الواحد منهم -عند نمو أسنانه اللبنية- بِعضِّ لسانه ولثته لدرجةٍ ينتج عنها حفر فجواتٍ فيهما دون أن يدرك أنه يقوم بذلك. وأدى ذلك ببعض الأهالي إلى خلع أسنان أطفالهم، آخذين بعين الاعتبار أن أطفالهم سيكونون واعين للتحكم بتصرفاتهم بحلول الوقت الذي تنمو فيه أسنانهم الدائمة. إلا أن خلع الأسنان في ذاك العمر الصغير يتسبب بصعوبةٍ في تناول الطعام؛ فبينما يتعلم أقران الطفل المصاب بـ”مرض سيبا” كيفية تناول الأطعمة الصلبة، يجب على طفل مرض سيبا أن يتناول الأطعمة الطرية وَسهلة المضغ -مما ينتج عنه تأخر تطوره الجسدي مقارنةً بأقرانه. 

كما ويصعب عليهم ممارسة السلوكيات التي تتطلب الانتباه للإشارات التي يصدرها الجسم عند حاجته لشيء ما. فعلى سبيل المثال، يصعب عليهم التدرب على استخدام دورة المياه نظراً لأنه يتعذر عليهم التعرف على الحاجة الملحة للدخول للحمام؛ لذلك فغالباً ما يقومون بضبط مؤقّتٍ يذكرهم بالدخول للحمام بين الحين والآخر، كما ويساعدهم المؤقّت على تذكر تناول الطعام، باعتبار أنهم لا يشعرون بآلام الجوع. كما ويتوجب عليهم أن يحذروا من إصابات العين الناتجة عن حك أو فرك العين بعنف؛ فَيرتدون النظارات لتجنب الإصابات المُشابِهة. 

كما وأنهم يواجهون صعوبة في الحفاظ على اعتدال درجةِ حرارة الجسم؛ وتُعد هذه المشكلةُ شديدةَ الخطورةِ. فتعتبَر الحمّى إحدى أخطر مضاعفات مرض سيبا نظراً لأن المرضى يتعذر عليهم التعرق -وبذلك يفقدون القدرة على تنظيم حرارة الجسم. فعند ممارسة التمارين الرياضية أو قضاء الوقت خارج المنزل، يتوجب عليهم الحذر من الارتفاع الزائد في درجة حرارة أجسامهم  لأن ذلك قد يؤدي بهم إلى الإصابة بنوبات الحمى أو حتى الموت محمومين. ولذلك يختار بعض أهالي المرضى أن يقطنوا في أماكن ذات مناخٍ بارد لتجنب هذه المُعضِلة.

الأساس الجُزيئي لمرض سيبا

وفقاً لدراسات علم الوراثة الجُزيئي التي أجراها الطبيب Yasuhiro Indo، إن مرض سيبا هو اضطراب وراثي مندلي ومتنحٍّ ينجم عن طفرة في جين TRKA على كروموسوم رقم 1. ويصحب هذه الطفرة مشكلة تحويلية على مستوى استقبال جين TRKA لعامل نمو الأعصاب (NGF)؛ أي أن مستقبِل TRKA يعجز عن فسفرة أنزيم RTK -أي إضافة مجموعة فوسفات إلى الأنزيم. وبذلك تعجز مستقبِلات الألم والأعصاب العقدية الحسية -وهي الخلايا العصبية التي تُرسِل الإشارات العصبية من النخاع الشوكي إلى الدماغ- عن العمل. ويؤدي هذا العجز إلى موت الخلايا المكونة لها؛ الأمر الذي ينتج عنه عدم إحساس المَرضى بالألم.

ووجد Indo خلال بحثه السابق أنّ الخلايا ذاتها التي تستقبل الألم تُستخدم في عملية التعرق، إضافة إلى أنها تحفز اكتساب الدماغ للمعرفة وتساهم في لدونته العصبية. ولعل أكثر المشاكل إلحاحاً التي يعاني منها المرضى هي اللاتعرق؛ فغِياب القدرة على التعرق يجعل من ارتفاع درجة حرارة الجسم خطراً مميتاً. أما الطفرات الجينية في جين TRKA قد تؤدي إلى غياب الإمداد العصبي لِلغدد العرقية الناتِحة؛ وهذه الغدد العرقية -كما ذكر الباحث Indo- منتشرة في جميع أنحاء الجسم ويتم إفرازها عبر الألياف الكولينية المُكوِّنة للجهاز العصبي الودي. كما وتؤدي الطفرة الجينية في جين TRKA إلى موت الأعصاب التي تفرز الأستيل كولين في الدماغ الأمامي القاعدي؛ وبذلك لا يتم تحفيز  الغدد العرقية على إفراز العرق بحكم موت الأعصاب التي عادةً ما ترسل الإشارات العصبية لهذه الغدد. 

ورغم أن السبب الرئيسي وراء إصابة المرضى بالتخلف العقلي لا يزال مجهولاً، إلا أن الباحث Indo يعزو ذلك مُتكهِناً -كما جاء في مجلة Pain- إلى موت الخلايا العصبية التي تفرز الأستيل كولين؛ وذلك بحكمِ أنّها تشارك في عملية اكتساب المعرفة وتذكر المعلومات. 

مستقبل مرض سيبا

إنّ مرض سيبا اضطرابٌ وراثي مندلي ومتنحٍّ يفتقر إلى دليل يثبت تغاير التراكيب الوراثية -أي أنه لا يوجد نطاق يوضح حدود الخطر. ورغم عدم وجود علاجٍ لهذا المرض، إلا أنّ Indo يقترح أن مرضى سيبا يمكنهم أن يُتيحوا للأبحاث الدوائية فهم اضطرابات الألم المصاحبة للمرض وما الذي قد يحدث للجسم المريض الذي يعاني من ألمٍ مُزمن عندما يتم تحفيز مستقبِلات TRKA لديه -وهو ما تمنّى الدكتور House أن يجِد أثراً له عند مريضته هانا. 

نرشح لك: لعنة فتور المشاعر: عندما تشعر باللاشعور

إعلان

مصدر المصدر
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.