تأخذك إلى أعماق الفكر

ما بعد الاستعمارية في مسرحيات شكسبير

ما بعد الاستعمارية أو ما بعد الكولونيالية هي دراسات أكاديميَّة تختص بأحوال الدول التي عانت من الاستعمار Colonization، وأدب هذه الدول يعرف باسم Postcolonial Literature، ومن المعروف أن بريطانيا من أكبر الكيانات الاستعمارية، لذا؛ أدَبُ الدول الخاضعة للسَّيطرة البريطانية يعرف باسم Commonwealth Literature.

وتمثل ما بعد الاستعمارية أيضا منهجًا نقديًّا للأدب؛ فهذا المنهج يفسر الأعمال الأدبية وفقًا للعنصرية الواقعة من الغرب على الشرق، ويجب إلقاء الضوء على أيديولوجيَّة المستعمر؛ فهو يرى أنَّه أعلى وأقوى وأفضل في كلِّ شيء من الواقع عليه الاستعمار. فالمستعمر هو الأوروبي والأبيض والذكيُّ والمتقدمُ تكنولوجيًّا، وهو من يُحدِّدُ معايِّيرَ القوة وهو من يتحكَّم في دول العالم الثالث أيْ العالم الذي لا بُدَّ من احتلاله، ومن هنا ينشأ مفهوم المركزية الأوروبية Eurocentrism، وكاتب هذا المقال يرى أنَّ من الأفضل أنْ تُسمى المركزية الأوروبية/ الأمريكيَّة؛ أي أن الأفكار والنماذج الأوروبية هي المعيار

الأساسيُّ للحكم على جودة الأشياء، فالعمل الأدبيُّ-على سبيل المثال- لا يعتبر جيدا إلا إذا خَضع للمعايِّير الأوروبيَّة. أيْ أنَّ الأفكار والنماذج الأوروبيَّة هي المعيار الأساسيُّ للحكم على جودة الأشياء.

ومن الجدير بالذكر أنَّ كتاب “الاستشراق” للمفكر والناقد الأدبيَّ الأمريكيَّ من أصل فلسطينيٍّ “إدوارد سعيد” يدافع عن الشرق-بما فيه الصين والهند- ويهاجم الصورة السيئة التي رسمها للغرب لهم طمعًا في السيطرة عليهم؛ وهذا ما يسمى السلاليّة Racialism ويعرف أيضا بالأفضليّة العرقيّة Racial Superiority فهو اعتقادٌ بأنَّ الشعوب الأوروبية أفضل بيولوجيًّا وأكثر ذكاءً من شعوب الدول النامية أو ما تسمى بدول العالم الثالث Third World.

ترتبط نظرية ما بعد الاستعمارية بمفهوم هام وهو الآخر” Othering” وإذا اتَّخَذنا مسرحيَّة” أنطونيو وكليوباترا” للكاتب الإنجليزي “ويليام شكسبير” كمقارنة بين الغرب والشرق، فعنوان المسرحية نفسه يمثل ثنائية duality بين الغرب والشرق على الترتيب؛ فإنَّ مارك أنطونيو- القائد العسكري المُحنَّك- يمثل روما أيْ العالم الغربي، و”كليوباترا” –الملكة الداهيَة- تمثل مصر أيْ العالم الشرقيّ.

إعلان

فالعالم الغربيّ هو عالم السلطة والنظام والحُكم أيْ الرجل  متمثلًا في مارك أنطونيو وأوكتافيوس قيصر والمعروف باسم “أغسطس”، أما العالم الشرقيُّ فهو عالم الضعف والفوضى والثروات الطائلة -أيْ المطامع الكبيرة للغرب- متمثلًا في كليوباترا.

ومن ناحية أخرى، فإنَّ المغربيَّ “عُطيل” Othello في المسرحيَّة الشكسبيريَّة والمسماة على اسمه هو أقوى قائد في البندقيّة Venice بإيطاليا بالرغم من كونه شرق أوسطيٍّ من أصول بربريّة غير أنّه أسود اللون وذو شفاه منتفخة. ولكنه تمكنَّ من إثبات ذاته بمهارته و عزّةِ نفسه في المجتمع الأبيض الأوروبي الذي يحتقره، ونرى أن “إياجو” Iago وهو المنافس لعُطيل والحاقد عليه يوجِّه له دائما إهانات عنصريَّة؛ لأنّه يخشى من قوة ونفوذ هذا الدخيل الأسود الهمجي، والجدير بالذكر أنَّ ويليام شكسبير يهاجم التميِّيز العرقي الموجود في مجتمعه بأنْ يجعل البطل مجرد شخصٍ بربريٍّ أسودٍ وإنْ كان قائدًا عسكريًّا عظيمًا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أبانوب وجدي

تدقيق لغوي: رغد شنير

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.