تأخذك إلى أعماق الفكر

ما الذي يسيّرك عاداتك أم علمك ومعرفتك؟

يطرح العنوان تساؤلاً قد يكون مهماً عند البعض منا وقد لا يكون كذلك عند البعض الآخر، والإجابة عنه لن تكون إجابة قطعية تماماً، فمن يدعي أن العادات هي التي تحكم حياته فهو مخطىء، تماما مثل من يدعي أن العلم هو المرشد الوحيد في حياته.
المقال الذي بين أيدينا لن تكون كل الحجج فيه بنفس العمق، لأن كل حجة مذكورة ستكون نسبية، أي أن هناك من سيرفضها وهناك من سيقبلها، سنعرف السبب من ذلك لكن قبل كل شيء، ما هو المقصد الأساسي من هذا المقال؟


الأمر بسيط، عندما ننهي هذا المقال علينا أن نكون قد أخذنا في أذهاننا ميزان الترجيح، وأقصد بهذا الأمر أن تضع عاداتك المتينة في كفة وتضع الحقائق العلمية في الكفة الأخرى، هذا أولا ، لكن للإيجابية، وجب استعمال الميزان في ترجيح آخر، ألا وهو إلقاء قوة العادات في كفة، وقوة ”الضرورة في تركها” في الكفة المقابلة.

التدخين؛ من العادات الأكثر انتشاراً:

نعم، إنها السيجارة! الملفوفة المصغرة التي لا يستطيع الكثير الابتعاد عنها، وقد نجرأ على التكلم عن الإدمان لأنه حالة أو مستوى يأتي بعد العادة، إلا أن العادة يمكن التحكم فيها، وتغيير قواعدها قليلاً وهي استمرارية وتكرار لفعل شيء معين، بينما الإدمان يكون حالة قهرية وفقداناً للسيطرة على الفعل.

في عصرنا الحالي أغلب المدخنين، سواء المدمنين أم الذاهبين لتلك المرحلة، يدركون العديد من الأضرار التي تسببها المواد الموجودة في السيجارة كالتبغ، و الكثير منهم يعلم أن الإصابة بسرطان الرئة هو واحد من بين المضاعفات المتقدمة لأضرار التدخين.


ولو تناولنا قليلاً موضوع هذه الأضرار والأعراض الجانبية فعلينا ذكر أن التدخين يزيد احتمال حدوث الطفرات أي الأخطاء الجينية في الحمض النووي، فقد قدّر عدد الطفرات التي يسببها تدخين علبة سجارة يومياً ب 6 طفرات في كل خلية كبد، وحوالي 95 إلى 97 طفرة في الحنجرة، إضافة إلى أعداد أخرى في المثانة.

إعلان

للأسف، رغم معرفة الناس بهذه الأمور إلا أنهم يبدأون في التدخين، وأنا أقصد هنا الفئة التي تدخل يوميا إلى دائرة المدخنين، أما المدمنين الذين وصلوا لمرحلة متقدمة فالأمر يتطلب إرادة وقوة للابتعاد عنه.
وهنا تأتي فكرة ترجيح العادة أم العلم، أيّهما يسيّرنا؟ لاحظنا أن العلم يقول بأن التدخين مضر ويجب التوقف عنه، بينما العادة تقول أنه الملجأ الذي يذهب إليه صاحب السيجارة لينسى بعض همومه، لكن الحقيقة أنه يراكمها وهو يعلم ذلك، فمن يسيِّر؟

لا يقتصر الأمر على التدخين فقط، بل أيضاً على التغذية.

فنحن نعلم أن الكثير من الناس قد حاولوا اتباع “ريجيم” معين وفشلوا.
ففي هذه الحالة، يقول العلم أن زيادة الوزن أمر يضر الصحة كثيراً (وقد أشرنا في مقال سابق لخطورة البطن الكبير والممتلىء بالذهون) وتأتي هذه الزيادة في الأكل غير الصحي والأكل بسرعة والأكل بدون تركيز والأكل الكثير.. لكن الأفراد الذين فشلو في اتباع الحمية هم أشخاص ضعفوا أمام عاداتهم السكرية (الأغذية المليئة بالسكريات) والكسلية (الأكل متكئاً، الأكل واقفاً، أو أثناء مشاهدة التلفاز) والتسرعية (الأكل بسرعة بسبب ضيق الوقت)، إضافة لعوامل شخصية أخرى .


كل واحد منا يعرف شخصاً لا ينهض من الطاولة إلا بعد إنهاء آخر قضمة من طعامه، أتعرفه؟ أم هو أنت؟
هذا الشخص يأكل بشكل مفرط كثيرا، وهو يعلم بأن الأمر يضره، بل يدرك ذلك مباشرة بعد إنهائه للوجبة، لكنه قام بذلك البارحة والأسبوع الماضي وربما سيكرر ذلك، إنها العادة اليس كذلك؟

ماذا يقول العلم بشأن الأكل الزائد؟

أجريت دراسة على 2000 مريض أصيبوا بنوبة قلبية، أشرف عليها الدكتور فرنسيسكو لوبيز خومينيز، تم سؤالهم عن الظروف والأجواء قبل السكتة القلبية، فتبين أن أغلبهم قد أصيب بسكتة قلبية بعد تناول الطعام بساعتين، لكن هذا لا يعني أن الطعام كان السبب الوحيد، لكن الطعام قد زاد من الاحتمالية، لأن تناول الطعام يزيد من دقات القلب وذلك لزيادة سرعة الدم، وامتصاص الأغذية، وإتمام عملية الهضم، لكن الأكل الزائد يرفع توتر القلب، فيعد هذا الأمر خطيراً على الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع الكوليسترول في الدم وضغط الدم.


فلو استعملنا ميزان الترجيح الذي ذكرناه سابقاً، فإن الأضرار ستبدو واضحة القوة، وهي التي تزيد كفة ضرورة التوقف عن العادة، رغم أن الأكل الكثير ممتع أحياناً.

وهناك الكثير من الأمور، سواء المتعلقة بمجال صحتك أو بمجال الدين، والأمر واضح بهذا الشأن فكم من العادات التي نقوم بها دائما ونحن على علم بخطئها، فالمقال قد ذكرنا ونبهنا لكي ننطلق في بحر التفكير وترجيح عاداتنا،  نذكر منها السهر وقلة النشاط البدني والجلوس الكثير .. إضافة للجانب الديني من اعتياد الانعزال وعدم صلة الرحم وعادة الصلاة في المنزل..

لكن الأمر الأهم كثيرا ، والذي قد نتنبه إليه أو نغفل عنه ألا وهو إجبار نفسنا على الاعتياد! نعم وأقصد هنا اكتساب عادات جديدة، وهي أنجح وأسرع وسيلة لطرد العادات القديمة، علينا أن نأطر العادات التي وجب اكتسابها في إطار علمي حقيقي ورزين، كالاعتياد على ممارسة الرياضة التي تحبها وليس التي تفرضها عليك ثقافة العصر، الاعتياد على صلاة الفجر، إضافة للعديد من العادات الأخرى التي من واجبك إيجادها، وهذا أسهل أمر، ونضع مثالا قد تكلمنا فيه كثيرا، ألا وهو السكر، ولكي تعرف كيف تجد عادتك اتجاه السكر ، اذهب وابحث عن أضرار السكر، وكيف تأتي هذه الأضرار ومتى. (ويبقى عليك أن تعتاد على تخفيض نسبة السكر تدريجيا حتى تصل لعادة شرب القهوة دون سكر كما يفعل الكثير الآن.

ختاما من المفروض علينا كلنا مراجعة عاداتنا، فلدينا الكثير منها مفيد وايجابي، والكثير منها سلبي ، بينما هناك عادات لا نعرف أهي ضارة أم لا، علينا الآن البحث فيها جيدا.


لكن هل أثناء قراءتك للمقال فكرت في إحدى عاداتك؟ هل ضارة أم مفيدة؟ إذا كان الجواب الأول ، هذا يعني أن عادتك تسيرك أكثر من علمك أليس كذلك؟
هل سيأتي اليوم الذي نطبق في علمنا ومعرفتنا في حياتنا؟ أم سنتركها على أوراق الكتب وأسطر المقالات؟

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

جائزة نوبل 2017 للطب والفيسيولوجي .. اكتشافات حول الساعة البيولوجية

لقد أصبح السكر مرعبا قليلا .. علينا التفكير جيدا في كيفية استهلاكه !

كيف يمكنك التحكم بالأحلام، دراسة تخبرنا كل ما تريد معرفته

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.