تأخذك إلى أعماق الفكر

كيـف يتم تشخيص الموت ؟

كان الموت ولا زال حقيقة مؤكدة ومؤلمة للجميع، فعندما يموت الشخص يغادر هذا العالم ولا يستطيع العودة إليه مجددًا، وبعد الموت تبدأ مراسم الجنازات والبكاء والألم ونعي الميت وذكر محاسنه وإنجازاته والدعاء له، ولكن قبل هذا كله هناك خطوة مهمة وهي تشخيص الموت !

إن كنت تعتقد أن تشخيص الموت بالأمر الهيّن فأنت مخطىء، حيث كلما تقدم الطب والعلم كلما تعقد تشخيص الموت أكثر، في الماضي كان يتم تشخيص الموت باستخدام عدة طرق مثل وضع مرآة أمام فم الشخص المشتبه أنه ميت، فإذا لم ترى بخار ماء على المرآة فهذا يعني أن الشخص توقف عن التنفس وبالتالي ميت، أو وضع ريشة أو شمعة مضاءة أمام فمه لأجل السبب نفسه، أو كان يتم قياس درجة حرارة الشخص المشتبه أنه ميت فإذا وجدت حرارته منخفضة فهذا يعني أنه ميت، أو بالتأكد من موته من خلال علامات ظاهرة على جسد الشخص الميت، مثل التعفن أو التحلل أو أن يكون الجسد مهشم أو الرأس مهشم أو مقطوع بحيث لا يعطي مجالًا للشك أن الشخص ميت [1].

وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عند انتشار الأوبئة مثل الطاعون والإنفلونزا الإسبانية، ظهرت الحاجة للتشخيص السريع للموت، الذي يسمح للناس بدفن الموتى بأسرع وقت ممكن لمنع انتشار المرض وتفشيه، وهذا أدى إلى ظهور حالة الدفن المبكر، حيث كان يُخطَأ في تشخيص الموت ويتم دفن الناس أحياءً، لذلك وصّى الرئيس الأمريكي جورج واشنطن عام 1799 ميلادي بوضعه في غرفة أو وضعه في تابوت لبضعة أيام قبل دفنه في حال تم تشخيصه بالموت لكي يتفادى الدفن المبكر.

وبسبب الدفن المبكر ظهر في العصر الفيكتوري فكرة القبور التي يعلق فيها أجراس، في حال كان الشخص ما زال على قيد الحياة فسوف يحرّك الجرس فيرن، وبذلك يسمعه الأشخاص المحيطين به ويعرفون أنه ليس ميتًا فيخرجوه من القبر.

الموت
تصميم بسيط للقبر الجرسي و كيفية عمله
 

الموت

 

إعلان

إذن ما هو الموت؟ أو كيف يُعرّف العلم الموت؟

يُعرّف العلم الموت بأنه الفقدان غير القابل للاستعادة للوعي والقدرة على التنفس، ويصرّح العلم أن الموت هو عبارة عن عملية مستمرة من الفقدان لوظائف الجسد المختلفة، بما فيها الوعي والتنفس ونبض القلب، حتى يصل لمستوى لا رجعة فيه لفقدان هذه الوظائف، وخاصةً الوعي والتنفس، وعند هذه اللحظة يحصل الموت الكامل الذي يستدعي الدفن، كما هو موضح في الجملة أدناه [1] [5].

الاحتضار عملية، وليس الموت إلا نقطة محددة خلال تلك العملية.

الآن نصل للسؤال الرئيسي للمقال، كيف يتم تشخيص الموت حاليًا؟

يوجد ثلاث طرق لتشخيص الموت، أولًا تشخيص الموت عن طريق حالة الجسد (Somatic Determination of death)، ثانيًا تشخيص الموت عن طريق الجهاز العصبي (Neurological Determination of Death)، ثالثًا تشخيص الموت عن طريق القلب والرئتين (Cardio-Respiratory Determination of Death)، حيث يكون التشخيص باستخدام طريقة واحدة منهم أو باستخدامهم جميعًا، لكن عادةً باستخدام طريقة واحدة فقط، فإذا تعذّر التشخيص بإحدى الطرق فيمكن التشخيص بالطريقة الأخرى، وللتشخيص بكل طريقة حالات وشروط معينة سنشرحها الآن [1].

توضح الصورة الطرق المختلفة المستخدمة لتشخيص الموت

 

فلنبدأ الآن بشرح طرق تشخيص الموت

1- تشخيص الموت عن طريق حالة الجسد :

الموت

تعتبر هذه الطريقة من أقدم الطرق وأكثرها وضوحًا وسهولة، بحيث يتم التشخيص اعتمادًا على مظهر جسد الشخص، فإذا كان الجسد مشوهًا بشدة أو الرأس مقطوع أو الجثة متحللة أو متعفنة فهذا لا يضع مجالًا للشك أن هذا الشخص ميت، ولا يجب القيام بأي محاولة انعاش لجسد الميت.

توضح النقاط التالية الحالات التي يكون بها الجسد والتي يتم من خلالها تشخيص الموت من دون وضع أي مجال للشك في إمكانية أن الشخص ما زال على قيد الحياة:

  • تشوه وتحطم شديد للرأس والدماغ.
  • انفصال نصف الجسد عن نصفه الآخر سواء طوليًا أو عرضيًا.
  • رأس مقطوع.
  • تحطم أو تشوه شديد في منطقة الصدر والظهر.
  • تحلل أو تعفن الجثة.
  • احتراق أكثر من 95% من الجسد.
  • تجمع الدماء في الأوعية الدموية في المنطقة الواقعة على الأرض بفعل الجاذبية (Livor Mortis)، وشحوب الوجه والمنطقة الجسدية الآتية للأعلى (يحصل ذلك بسبب توقف القلب عن ضخ الدم وبالتالي توقف الدم عن السريان داخل الأوعية الدموية، فيركد الدم في الأوعية الدموية القريبة من الأرض ويتفرغ من الأوعية الدموية البعيدة عن الأرض بفعل الجاذبية الأرضية).
  • تصلب الجثة (Rigor Mortis)، (يحصل تصلب الجثة بسبب عدم قدرة الجسد على إنتاج جزيئات الطاقة أدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP) بعد الآن، وهي الجزيئات التي تحتاجها العضلة للانبساط، مما يُحدث انقباضًا وتشنجًا مستمرًا للعضلة يستمر 72 ساعة ويبدأ التصلب بعد الموت بـ 12 ساعة).

هذه الطريقة فعّالة عندما تكون بالفعل قد مرّت ساعات على وفاة الشخص، بحيث تستطيع هذه الحالات الظهور على الجثة، لكن هذه الطريقة غير فعالة عندما يكون الموت حديثًا أو في المستشفى بحيث يتطلب تشخيصًا سريعًا ودقيقًا للموت مع الحفاظ على سلامة الجثة، خاصةً في حالات المرضى الذين قد سُجلوا في سجل المتبرعين بالأعضاء بعد الموت [1].

2- تشخيص الموت عن طريق الجهاز العصبي:

ملاحظة: كل عملية التشخيص التي تُجرى حاليًا تجرى على شخصٍ فاقدٍ للوعي (Coma patient)، وطريقة التشخيص هذه هي نفسها طريقة تشخيص الموت الدماغي (الموت السريري)، وهي تُقام عادةً أمام الأهل أو الأقارب لإطلاعهم على حالة مريضهم، وإثبات أنه فعلًا لا يستطيع إبداء أي استجابة في حال إصابته بالموت الدماغي، فإن كانت نتيجة التشخيص إيجابية وثبت أن المريض ميت دماغيًا يتم مناقشة الأمر مع الأهل والأقارب إذا ما كانوا يريدون إيقاف التنفس الاصطناعي عنه ليموت كليًا.

الموت

قبل البدء حتى بتشخيص الموت عن طريق الجهاز العصبي يجب أن تتواجد عدة شروط في المريض، وهي:

  • يجب أن يكون فاقدًا للوعي بعمق ويعيش على جهاز التنفس الاصطناعي (Mechanical Ventilator).
  • ويجب أن يكون قد شُخص بموت دماغي لا رجعي (أي أن الشخص حاليًا في موت سريري من دون احتمالية استيقاظه مجددًا).
  • ويفضل أن يكون سبب الموت الدماغي معروفًا، مثل سكتة دماغية أو نقص وصول الدم والأكسجين للدماغ أو إصابة في الرأس، وفي حال كان السبب مجهولًا يتم مراقبة المريض بالموت الدماغي لعدة أيام للتأكد من تشخيص الموت الدماغي وأنه دخل في حالة الموت السريري غير القابل للاستعادة (أي أنه من غير المحتمل استيقاظه مجددًا).
  • ولا يجب أن يكون مُسبب فقدان الوعي أو توقف التنفس أو الموت السريري هو عدم انتظام في عمل هرمونات الجسد أو انخفاض شديد في درجة الحرارة، أو ضعف عمل في الدورة الدموية بسبب ضعف عضلة القلب أو بسبب الأدوية المخدرة والمنومة، أو إصابة في الفقرات العنقية، أو ضعف شديد في عمل العضلات مما يُعطل عمل الحجاب الحاجز وبالتالي فقدان القدرة على التنفس، حيث أن حالات فقدان الوعي والموت السريري التي تسببها هذه المسببات تكون مسترجعة ويوجد احتمال أن يستيقظ الشخص مجددًا في حال توفّرت الرعاية الصحية اللازمة.

حسنًا، الآن عند توفر كل الشروط السابقة في المريض يستطيع الأطباء البدء بتشخيص الموت عن طريق الجهاز العصبي بالقيام بفحصين: أولًا فحص ردّات الفعل العصبية اللا إرادية المختصة بجذع الدماغ، وهي ردات أفعال عضلية كالحركة والألم والبلع، وهذا يقيس مدى فعالية النواقل العصبية ومدى فعالية تجاوب الأعصاب ونقلها للمعلومات بين الدماغ والجسد، وهي عادةً ردات فعل لا إرادية يقوم بها الشخص السليم وتقيس مدى فعالية عمل جذع الدماغ، وبعد القيام بهذا الفحص وظهور نتيجة الفحص بعدم فعالية عمل النواقل العصبية وردات الفعل العصبية يتم الانتقال للفحص الثاني، وهو اختبار التنفس (Apnea test)، وهذا الفحص لاختبار قدرة المريض على التحكم في تنفسه تلقائيًا من دون جهاز التنفس الاصطناعي، ويتم القيام بكل فحص مرتين بتباعد الوقت بينهما ومن قبل طبيبين مختلفين.

الفحوصات التي يتم القيام بها لقياس مدى ردات الفعل العصبية اللا إرادية المختصة بجذع الدماغ هي كالآتي:

  • فحص استجابة حدقة العين: عند تسليط ضوء على العين يجب على حدقة العين الانقباض وتصغير حجمها لحماية العين من الضوء، وفي حال عدم استجابة الحدقة لهذا المؤثر تُسجل نقطة لاحتمالية الموت الدماغي.

 

  • فحص استجابة قرنية العين: فعند تقريب جسم على قرنية العين كريشة أو خيط يجب أن يحدث إغلاق سريع للجفن لحماية العين، وفي حال عدم الاستجابة وإغلاق الجفن تُسجل نقطة لاحتمالية الموت الدماغي.

  • استجابة القناة البصرية السمعية: حيث عندما يتم وضع جسم بارد على إحدى الأذنين فإنه من المتوقع أن تتحرك حدقة العين تجاه الأذن التي تم وضع الجسم البارد عليها، فإذا لم تحدث الاستجابة تُسجل نقطة لاحتمالية الموت الدماغي.

  • استجابة الألم: يتم الضغط على أعلى الجفن أو الذراعين أو الفخذين فعندما تتفعّل استجابة الألم تتحرك العضلات من تلقاء نفسها أو يتحرك الجسم في محاولة لتفادي الألم، وفي حال عدم الاستجابة تُسجل نقطة لاحتمالية الموت الدماغي.
  • فحص ردة فعل اللهاة: عند وضع جسم أو إدخاله للفم تنشأ ردة فعل طبيعية بانقباض عضلات الحنجرة في محاولة لإخراج الجسم الغريب، يشبه الاختبار وضع إصبعك عميقًا في فمك فتشعر كأنك تقوم بالاستفراغ، فإذا لم تحدث الاستجابة تُسجل نقطة لاحتمالية الموت الدماغي.
  • فحص السعال: عند إدخال أنبوب التنفس يجب أن يحدث سعال كرد فعل طبيعي، وفي حال غياب السعال تُسجل نقطة لاحتمالية الموت الدماغي [1] [2].

عند توفر كل الشروط السابقة وإظهار الفحص فقدان كل ردود الفعل والاستجابات يتم الانتقال للفحص الثاني وهو اختبار التنفس (Apnea Test).

يهدف فحص التنفس لاختبار ردود الفعل التلقائية الخارجة من جذع الدماغ تجاه التغييرات التي تحصل في الجهاز التنفسي، كارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون المفاجئ أو انخفاض نسبة الأكسجين المفاجئ أو تغيير درجة حموضة الدم، حيث تدخل نسبة ثاني أكسيد الكربون (CO2) في الدم في نظام التحكم بحموضة الدم، فارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون في الدم يؤدي إلى زيادة درجة حموضة الدم وانخفاض الأس الهيدروجيني (pH)، وبالتالي يقوم الجسم بالتخلص من الفائض من ثاني أكسيد الكربون عن طريق الرئتين لتعديل حموضة الدم، وكل هذه العمليات يتحكم فيها جذع الدماغ.

يعتمد الاختبار بشكل عام على إعطاء المريض نسبة معينة من ثاني أكسيد الكربون لزيادة حموضة الدم، وانتظار رد فعل جذع الدماغ والجهاز التنفسي لتعديل حموضة الدم.

ولكن قبل القيام بذلك هناك عدة شروط يجب تواجدها في المريض، وعدة خطوات يجب القيام بها:

  • يجب أن تكون نسبة الأكسجين في جسم المريض طبيعية ودرجة حموضة دمه طبيعية أيضًا.
  • يجب ألا يعاني من جفاف أو نقص سوائل في الجسم، أو يعاني من أمراض ضمور العضلات التي تحول دون عمل الحجاب الحاجز والتنفس، أو أن يعاني من أي إصابات في الفقرات العنقية التي قد تؤثر على استجابته.

وبعد التأكد من كل هذا يبدأ الفحص بإعطاء المريض أكسجين نقي بنسبة 100% لمدة نصف ساعة ثم إزالة جهاز التنفس الاصطناعي وإعطاءه كمية من ثاني أكسيد الكربون، ثم يقوم الأطباء بمراقبة التغييرات التي ستحدث في الجسم.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أريج أبوهنية

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

تدقيق علمي: ريهام عطية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.