تأخذك إلى أعماق الفكر

كارل ماركس في عصر الذكاء الاصطناعي

هل يؤكد الذكاء الاصطناعي على أفكار كارل ماركس؟

«يعتمد التأثير قصير المدى للذكاء الاصطناعي فيمن يتحكم به، إلا أنّ تأثيره طويل المدى يكمن في إن كان يمكن التحكم به على الإطلاق» – ستيفن هوكينج

«إن لم يتمكن المجتمع الحر من مساعدة غالبيته من الفقراء، فلن يمكن إنقاذ الأقلية من الأغنياء» – جون كينيدي

إن الإنسانية على حافة أحد أهم التطورات في تاريخها، فقد بدأت خوارزميات الذكاء الاصطناعي والروبوتات بالتطور ملحقةً ثورة في كل مجالٍ وصلت إليه. ولكن، هل قد تستبدلنا الروبوتات والخوارزميات يومًا آخذة جميع وظائفنا؟

لم تثبت إلى الآن نبوءة كارل ماركس صحتها، فلم تحدث الثورة الشيوعية، ولم تتأسس ديكتاتورية البروليتاريا، ولم تنهار النظم الرأسمالية مع تطور الاقتصاد. لكن بظهور التقنيات الجديدة في القرن الواحد والعشرين، قد ينتهي الأمر بما تنبأ به كارل ماركس.

نبوءات كارل ماركس

تشكلت نبوءات كارل ماركس استنادا على عدة أسس نظرية، أولها تشكُّل طبقة من العاطلين عن العمل بشكلٍ كلي، أو “جيش احتياطي من العمال”، وهو ما ينتج من استخدام الرأسماليين لتكنولوجيا تقلل من العمالة المطلوبة حتى يتمكنوا من الاستمرار في المنافسة أمام بقية الشركات، فيضطرون إلى خفض تكاليف الإنتاج إما بخفض الأجور أو بتطبيق تقنيات حديثة. وبوجود جيش احتياطي من العمال تقل أجور العاملين، مما ينعكس على جودة حياة جميع العمال والتي تنخفض بشدة.

وبذلك سيؤدي التقدم التكنولوجي -حسب قول كارل ماركس- إلى زيادة في حجم الطبقة العاطلة بشكلٍ كليّ، وهو ما سيزيد تباعًا من بؤس العمال وتعرضهم للاستغلال.

أما الفرضية الثانية للتحليل الماركسي، فترتكز على ازدياد التمركز الاقتصادي، فتقضي الشركات الأقوى على الأضعف وتحل محلها.

إعلان

وبذلك يزداد الاحتكار وترتفع أعداد العاطلين عن العمل تدريجيًا مما يتسبب في انخفاض المساواة بين الأفراد، لينتهي الأمر أخيرًا بثورة تقودها طبقة العمال العاطلة محاولة أن تطيح بالحكومة. (هذه نظرة سريعة عما تنبأ به ماركس: لن نتطرق في هذه المقالة إلى العيوب الكامنة في هذه النظرية).

وبذلك فإن تحقق نبوءات كارل ماركس مقترن بتأثير التكنولوجيا على سوق العمل، كما يعتمد ذلك بالطبع على الجوانب الأساسية للطبيعة البشرية.

لا يمكن التنبؤ بالتوقيت الدقيق، وسرعة التغيرات القادمة ونطاقها، فالنتائج النهائية تعتمد على البشر أنفسهم، لكن يمكن أن نحصر ما قد تؤول إليه الأمور في احتمالين: استبدال التقنيات الجديدة للبشر بشكل كليّ أو استبدالها لبعض الوظائف مع ترك البعض في يد البشر.

إن آل مصيرنا إلى الاحتمال الثاني، فقد نتمكن من اتخاذ بعض التدابير المناسبة لنمنع حدوث أي اضطرابات اجتماعية كبيرة، وهو ما قد يساعدنا في الانتقال إلى نوع آخر من المجتمعات، بعكس السيناريو الأول والذي سيَفقد البشر فيه قيمتهم تدريجيًا إلى أن تظهر الخوارزميات فائقة الذكاء والتي ستكون بمثابة نقطة تحول في تاريخ التطور التكنولوجي.

وقد دارت الأسئلة لآلاف السنين حول طبيعة الواقع، ولذلك أهمية فلسفية بالطبع، إلا أنّ فائدته العملية كانت ضئيلة أو ربما معدومة، لكن مستقبل البشرية الآن متوقف على تلك الإجابات.

طبيعة الواقع

يقول بايرون ريس في كتابه “الجيل الرابع”: إن كان الكون أحادي الطبيعة، فيمكن لأجهزة الكمبيوتر أن تكتسب وعيًا وتتمكن من استبدال كل ما يقوم به البشر، لكن إن كان ذي طبيعة ثنائية، فستترك الآلات لنا بعض الوظائف، لأن طبيعة الآلات ستكون بذلك مختلفة عن طبيعة البشر.

الأحادية Monism (وتُعرف أيضًا باسم المادية أو الفيزيائية) هي نظرية فلسفية تفترض عدم وجود فرق بين المادة والفكر: فلا يوجد سوى مادة نهائية واحدة. يعتقد الأحاديون أننا مجرد مجموعة من الذرات تفتقر إلى الإرادة الحرة تتفاعل بطرقٍ شتى، وبعبارة أخرى، ما البشر إلا آلات: لا يوجد فرق بين المادة الجامدة والمادة الحية، فنحن جميعًا نتكون من ذرات، كما يُنكر الأحاديون وجود النفس، وقد لخص فرانسيس كريك، وهو أحد المشاركين في اكتشاف الحمض النووي، وجهة نظر الأحادية في قوله: «أنت بجميع مسراتك وأحزانك، بكل ذكرياتك وطموحاتك، بإحساسك بالهوية وشعورك بالإرادة الحرة، لست في الواقع سوى سلوك نتج عن ارتباط مجموعة واسعة من الخلايا العصبية والجزيئات».

بعكس الثنائية Dualism والتي تعتبر البشر مختلفين عن الجوامد وحتى الحيوانات، فالأشياء الجامدة ليست كالعاقلة؛ فنحن كائنات حية بعكس الآلات الميتة: نحن لسنا مجرد حفنة من الذرات، هناك ما هو غير مفهوم فينا، شيء يسميه البعض بالروح ويسميه آخرون بالوعي.

الفيلسوف فرانك جاكسون من أشهر مؤيدي الثنائية، ابتكر تجربة ذهنية تُدعى “غرفة ماري” وهي كالآتي:

ماري عالمة جليلة تعرف كل ما قد يتصوره عقل عن الألوان، بما في ذلك طبيعة الفوتونات وكيف تؤثر على إدراك الدماغ عن العالم مثل تحفيز الأطوال الموجية لتفاعلات معينة في شبكية العين وما إلى ذلك.

إلا أنّ حياة ماري بأكملها مقتصرة على غرفتها التي تحتوي على لونين فقط (الأبيض والأسود)، حتى علمها بالألوان قد اكتسبته بالتعلم من خلال شاشة رمادية.

والسؤال هنا: هل ستتعلم ماري شيئًا جديدًا إن خرجت من الغرفة ورأت العالم الحقيقي؟ إن كان الأمر كذلك، فإن تجربة شيء هو أمر مختلف عن مجرد معرفته وهناك أشياء في عالمنا لا يمكن شرحها (بعد)- وهو ما يثبت ثنائية العالم.

ما يترتب على النظرية الأحادية

يتبني ستيفن هوكينج وجهة النظر الأحادية عن طبيعة العالم، فيعتقد بـ «عدم وجود فروقات عميقة بين ما يمكن تحقيقه بواسطة الدماغ البيولوجي وما يمكن للكمبيوتر بلوغه. وبذلك يمكن لأجهزة الكمبيوتر من الناحية النظرية أن تحاكي الذكاء البشري- بل وتتجاوزه».

فإن كان ذلك صحيحًا والكون أحادي بالفعل، فستحل الروبوتات والخوارزميات عاجلًا أم آجلًا محل البشر وتستبدلهم في وظائفهم بشكلٍ تام، فإن كان البشر مجرد آلات ولا يوجد ما يميزهم (روح/ وعي)، فسوف تحل الروبوتات محلهم تدريجيًا كلما تطورت خوارزمياتها، لتقوم في النهاية بكل ما يمكن للبشر القيام به، بدايةً من العمل في المصانع وتقديم الطعام إلى ابتكار أعمال فنية وتأليف الكتب.

وقد كتب يوفال هراري في كتابه “21 درسًا للقرن الحادي والعشرين” يقول: «على المدى الطويل، لن تكون هناك أي وظيفة في مأمن من الميكنة»، حتى الوظائف المعتمدة على المشاعر كالفن مثلًا، وذلك لأنّ «العواطف ليست بظواهر غامضة- بل نتيجة لعمليات كيميائية حيوية».

وفقًا للمنطق الأحادي، فقد بدأت التكنولوجيا بالفعل في تجاوز بعض القدرات المادية للبشر، فاستبدلت العديد من وظائفهم الميكانيكية البسيطة وتتعدى بالتدريج على المجالات التي تتطلب قدرات معرفية، فيمكن للخوارزميات الآن اكتشاف أنواع من السرطان أفضل من البشر، وبتسارع وتيرة التطور التكنولوجي، سيصبح المزيد والمزيد من الناس عاطلين عن العمل، إن أصبح الأغلبية عاطلين، قد تتحقق حينها الثورة الشيوعية.

وفي ظل غياب التدخل الحكومي، ستقل المساواة بشكلٍ كبير، فينخفض المستوى المعيشي لأغلب السكان، كما ستقل أعداد الشركات الصناعية المنافسة نتيجة لماهية الذكاء الاصطناعي المعززة للاحتكار (حيث تحصل الشركات الكبيرة على مزيد من البيانات من مستخدميها، وهو ما يمكنها من تحسين كفاءة خوارزمياتها، مما يحسّن من منتجاتها، مما يجذب المزيد من المستخدمين الذين يوفرون بدورهم المزيد من البيانات، وهكذا دواليك)، وهو ما يتماشى مع توقعات ماركس بأن إدخال تقنيات جديدة سيؤدي إلى تكوين طبقة عاطلة عن العمل بشكل مستدام وزيادة في عدم المساواة.

فإن تحققت النظرية القائلة بانخفاض عدد السكان خلال العقود القادمة، فقد تنقرض البشرية على المدى الطويل جدًا- خلال عدة قرون مثلًا، وهو ما سيفسح الطريق أمام الخوارزميات لتحكم العالم.

ما يترتب على النظرية الثنائية

إنْ افترضنا صحة نموذج ثنائية الكون، فسوف تتولى الخوارزميات يومًا معظم الوظائف ،عدا تلك التي تتطلب قدرات جسدية معقدة أو مهارات اجتماعية، وسيتسبب ذلك في سلب عدد كبير من الوظائف وتحويل أصحابها إلى عاطلين، بما سيجعل منهم جيشًا صناعياً احتياطياً.

ويزعم مؤيدي الثنائية أن الآلات تفتقر إلى التعاطف أو الإبداع أو التفكير النقدي، ربما يدرك الثنائيون أن العلم يشكك في وجود الروح والإرادة الحرة وما إلى ذلك، مما يجعل البشر والآلات سواء، إلا أن هناك حدودًا لما يمكن للعلم أو العقل البشري فهمه ودراسته باستخدام الأساليب العلمية التقليدية.

قال فريدريك نيتشه في ذلك:

«ما يفتقر إلى العقل… لا يفتقر بالضرورة إلى الذكاء»، فقد يكون هناك «عالم للحكمة يأتي منه المنطق».

لقد فشلنا نحن البشر في فهم ماهية العالم وتعقيداته، لذا لجأنا إلى استخدام التراكيب النظرية، وأهمها اللغة والرياضيات والمنطق والعقل والعلم، وهي طرق مختلفة حاولنا استخدامها لنفهم الواقع.

لكن ألايمكن أن يكون هناك شيءٌ لا يمكن التقاطه بما في أيدينا من تركيبات نظرية؟ شيء يميز البشر عن الأشياء الأخرى في الكون؟ نحن نُعتبر كائنات تأملية، فمجرد تفكرنا في أسئلة الوجود الجوهرية قد يكون بحد ذاته دليلاً على أننا لسنا آلات، وطبقاً لمزحة قديمة، فإن كنا مجرد مجموعة من الذرات، فالعلماء الدارسين للذرات هم مجرد كومة من الذرات تدرس ذرات أخرى.

لكن قد لا نكون مجرد حفنة من الذرات: ربما هناك شيء يميزنا- سواء أكان ذلك الشيء هو الإبداع أم الروح أم الوعي- شيء لا يمكن أن يستوعبه العلم بعد، فلا يمكن لمجموعة من الذرات أن تتمكن من الفهم.

لكن إن كان تصميم أدمغتنا بسيطًا بحيث يمكن فهم الشيء المميز به، فستكون أدمغتنا أقل قدرة مما قد يمكننا من فك رموزها الداخلية، وبذلك لا يمكننا أبدًا التثبت من فهمنا لأنفسنا بشكلٍ كلي.

وكما يقول نسيم طالب: «غياب الأدلة ليس دليلاً على غيابها». فهناك حدود لما يمكن فهمه، حتى وإن شرحنا الحياة من حيث العمليات البيوكيميائية، فلن يعني ذلك بالضرورة أن كياننا مبني على مجرد الكيمياء الحيوية. فإن لم نَعِ وجود الشيء، فلا يعني ذلك بالضرورة أن هذا الشيء (الروح أو الوعي) غير موجود.

هل تقدر الأسواق الحرة على إنقاذنا؟

ولهذا السبب تعتبر المجريات الناجمة عن نموذج الكون الثنائي أقل سوداوية من نظيره الأحادي، فوفقًا للنموذج الثنائي -مع عدم وضع أي قوى خارجية في الحسبان- فإن نسبة البطالة ستزداد، لكنها لن تؤدي إلى فقد 99.99٪  من الناس وظائفهم مثلًا ليبقوا دون مورد يعينهم على الحياة.

هناك احتمالان لذاك السيناريو: قدرة الأسواق الحرة على استيعاب التأثيرات السلبية للميكنة مع حاجتنا فقط إلى الحد الأدنى من التدخل الحكومي (مثل إعادة تأهيل بعض العمال أو تقديم مزايا اجتماعية مؤقتة أثناء انتقالهم إلى وظائف جديدة)، أو ربما نحتاج إلى تدخل حكومي على نطاق واسع (مثل توفير نوع من الدخل المادي الأساسي لكل فرد).

هناك أسباب تدفعنا إلى الاعتقاد بأن الأسواق الحرة قد تمثل منقذاً لنا، نظراً لقدرتها على تخفيف الآثار السلبية للثورة التكنولوجية مع احتياجنا فقط إلى الحد الأدنى من التدخل الحكومي.

فالميكنة ليست بلعبة محصلتها صفر، فحتى وإن فقدنا العديد من الوظائف، فلا يوجد حد لعدد الوظائف الجديدة التي يمكن ابتكارها، لطالما أبدعنا في ذلك، ولقد أدخلنا العديد من التقنيات الجديدة على مر التاريخ، ومع كل تقنية جديدة، كان يتوقع البعض تسببها في بطالة كبيرة واسعة النطاق، ولكن ظلت معدلات التوظيف مستقرة إلى حدٍ ما على المدى الطويل.

لم تنفذ الوظائف أبدًا لأن الناس دائمًا ما يبتكرون أشياء جديدة تحتاج إلى من يقوم بها، وكما قال جون كينيدي: «إن كان لدى البشر الموهبة لابتكار آلات جديدة تطرد الرجال من العمل، فإن لديهم الموهبة لإعادة هؤلاء الرجال إلى العمل».

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.