تأخذك إلى أعماق الفكر

قصة تحول العالم من الاستعمار المباشر إلى الاستعمار غير المباشر

 قصة الهيمنة العالمية من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية

معنى الاستعمار: الاستعمار معناه احتلال بلد معين أو مجموعة دول للاستفادة من مواردها الطبيعية والبشرية.
مفهوم الاستعمار القديم: للوصول لتلك الثروات يجب محاربة الدولة عسكريًا واحتلالها لكي يسهل أخذ مواردها والاستفادة منها.
مفهوم الاستعمار الحديث: الوصول لتلك الثروات بدون الحاجة للتدخل العسكري عن طريق التدخل الاقتصادي.

تعتبر طريقة إيقاع الدول في الديون هي الطريقة الأكثر استخدامًا في إيقاع الدول في الأزمات الاقتصادية ليتسنى بعد ذلك السيطرة عليها والاستفادة من مواردها.

1-بريطانيا والسيطرة على مصر

منذ عام 1800م لم تخضع مصر لهذا الفخ، وهو الوقوع في الاقتراض الخارجي وكانت مصر في تلك الفترة تحت حكم محمد علي، ولكنها لم تقع في فخ الديون بسبب حكمة محمد علي فقط، ولكن لأبعاد أخرى.

الاقتراض كأي عملية اقتصادية تخضع لقانون العرض والطلب، لو أردت أن تستدين ولم يكن هناك أحد يريد أن يُقرضك، فإن عدم اقتراضك لا يعني بُعد نظرك وقراءتك الفاصحة لنوايا القارض فقط، ولكن بسبب بسيط جدًا هو أن تلك الدول لم تكن تريد أن تُقرضك.

في أول القرن التاسع عشر كانت أوروبا منهكةً في الحروب النابوليونية التي امتدت من 1803 م إلى 1815 م، ففي تلك الفترة لم تكن الدول الأوروبية قادرةً على المحافظة على بلادها من الحرب علاوةً على إقراض دول أخرى، لذلك ترك محمد علي مصر بلا ديون خارجية عام 1849 م.
لكن مع بداية عصر الثورة الصناعية في بريطانيا التي كانت أول الواصلين له، بدأت زيادة الفائض الإنتاجي ففي الربع الثاني من القرن التاسع عشر وصل الفائض الإنتاجي لبريطانيا لحوالي ستة ملايين جنيه وفي منتصف القرن التاسع عشر وصل لسبعة ملايين جنيه ثم زاد الفائض السنوي لإنجلترا إلى ثلاثة أضعاف مع حلول عام 1860 م.
لذلك فكرت بريطانيا في استثمار هذا الفائض السنوي وكانت البداية مع…

إعلان

محمد سعيد باشا والي مصر  .

تولى محمد سعيد باشا حكم مصر عام 1854 م، واُشتهر سعيد باشا بأنه كان متلافًا للنقود، فقد ذكر دافيد لاندز في كتابه “بنوك وباشوات” أن سعيد باشا أحضر أواني في زفاف ابنه بأموال مبالغ فيها، لدرجة أن دافيد قال: “لا بد أن هذه الأواني سحرية فتمتلئ لوحدها من فرط بذخه وتفريطه في المال المصري”، وله واقعة ثانية تشير إلى مدى غبائه أو سذاجته أنه حين عَرض عليه ديليسبس فكرة حفر قناة السويس قام بالتوقيع على الاتفاقية بدون أن يقرأها أو يعرضها على مستشاريه، ذلك بسبب ثقته في ديليسبس. ترك سعيد مصر بديون وصلت إلى حوالي ثمانية عشر مليون جنيه.

الخديوي إسماعيل
الخديوي إسماعيل

الخديوي إسماعيل وعصر القروض

تولى الخديوي إسماعيل مصر في عصر قدر له أن يكون من عصور الرخاء ففي فترة تولي الخديوي إسماعيل الحكم 1864م، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من الحرب الأهلية (1861-1865 م)، لذلك زاد الطلب على القطن المصري لقلة القطن المعروض عالميًا، لأن قبل تلك الفترة كانت الولايات المتحدة تشارك مصر في تصدير القطن للعالم، فزادت الصادرات المصرية بنحو ثلاثة أضعاف في بداية حكم إسماعيل (1863-1865) فبالتالي سوف تعيش مصر في عصر رخاء اقتصادي أو على أقل تقدير سوف يتم تسديد ديون مصر، ولكن ما فعله إسماعيل كان عكس ذلك، ففي أول سنة في حكمه اقترض حوالي ستة ملايين وفي السنة التالية اقترض حوالي مليوني جنيه وبسبب طريقة إدارة إسماعيل للدولة أصبحت ديون مصر في عام 1876 م حوالي تسعين مليون جنيه، مما أدى لوقوع مصر تحت الرقابة المالية من المراقبين الماليين الممثلين للدول الدائنة لمصر.

في نهاية المطاف فهم الخديوي إسماعيل اللعبة التي وقع فيها وحاول أن يستعيد السيطرة، لكن محاولته تلك قد كلفته عرش مصر، قامت كلٌ من فرنسا وبريطانيا بتقديم مذكرة للباب العالي لعزل إسماعيل بسبب تعديه على الاتفاقيات الدولية، وقد تم عزله في عام 1879 م. وهكذا تكون إنجلترا قد هيأت كل الظروف لاحتلال مصر والاستفادة من مواردها الاقتصادية والبشرية والجغرافية.

2-الولايات المتحدة الامريكية والسيطرة على العالم

الحرب العالمية الثانية شارفت على الانتهاء وأوروبا لم تتبقَ لها أي ذكرى منها إلا الدمار لذلك وجب تعمير أوروبا.

لم ينجُ من هذه الحرب إلا الولايات المتحدة الامريكية فلم تكلفها الحرب أي شيء سوى بعض الأرواح والمعدات، أما عن البنية التحتية ووضعها الاقتصادي لم يهتز، بل بالعكس فبسبب معاونة الولايات المتحدة للحلفاء بالسلاح أصبحت الولايات المتحدة أكبر مَدين على مستوى العالم  تملك ثُلثي الذهب الموجود في العالم، وظهر مصطلح “شح الدولار” بسبب زيادة الطلب العالمي على الدولار ونقص كمية الدولارات الموجودة في العالم.

مؤتمر بريتون ووذز

في عام 1944م استضافت الولايات المتحدة 44 دولة لحضور مؤتمر يبحث الأوضاع الاقتصادية العالمية بعد الحرب وكيف سيسير الاقتصاد العالمي في المستقبل، وتم إنشاء صندوق النقد الدولي لإعادة إعمار أوروبا، ومنع حدوث انهيار اقتصادي للعالم كما حدث في 1928 بما يسمى الكساد العظيم.

عرض الاقتصادي الأمريكي ورئيس الوفد الأمريكي هاري دكستر خلال المؤتمر خطة جديدة، وهي جعل الدولار محور الاقتصاد العالمي، بمعنى أن العملات العالمية تحدد قيمتها تبعًا للدولار وفي الوقت نفسه تم تعيين قيمة معينة للدولار استنادًا للذهب (35 دولار لكل أوقية ذهب).
طالبت الولايات المتحدة الأمريكية بتأسيس منظمات دولية لإقراض الدول ومتابعة النظام الاقتصادي الجديد.

وطبقًا لقانون العرض والطلب أصبح الطلب على الدولار أكثر بكثير من الجنيه الاسترليني، الذي كان متربعًا على عرش العملات في ذلك الوقت، وبدأت إرهاصات ظهور الحاكم العالمي الجديد الولايات المتحدة الامريكية.

كانت مهمة بنك النقد الدولي هي مراقبة النظام الجديد، ولكن تلك المهمة كانت الغطاء للولايات المتحدة الامريكية لكي تضطلع على اقتصاديات الدول الأعضاء في المجلس.

كانت هناك بعض الشروط للانضمان لبنك النقد الدولي:-

أولًا:على الدول الراغبة في الانضمام أن تكشف عن حساباتها لكي يحدد البنك إذا كانت تستحق أم لا.

ثانيًا: أن تودع في البنك كمية من الذهب حسب قدرتها الاقتصادية ومبلغ من المال.

ثالثًا: يتم استرجاع القرض بفائدة معينة.

ظهرت حقيقة بنك النقد الدولي عندما طلبت بريطانيا قدره مقادره 3.75 مليار دولار لإعادة إعمار الاقتصاد البريطاني، لكن بريطانيا لم تكن موافقة على شروط البنك عندما انعقد لأول مرة، فرفضت الولايات المتحدة إقراض بريطانيا، فما كان من بريطانيا إلا أن استسلمت لرغبات الولايات المتحدة.

كان قانون المساهمة في البنك هو أن تدفع الدول 25% من قيمة المبلغ ذهبًا و75% من عملة البلد العضو.
بدأ الصندوق برأس مال حوالي 9 مليار دولار وكان للولايات المتحدة النصيب الأكبر فقد دفعت بحوالي 3 مليار دولار، وكان ذلك الإسهام ضعف إسهام بريطانيا، لكن كان لهذا الإسهام الكبير للولايات المتحدة الأثر العظيم في سيادة الولايات المتحدة، فبهذه النسبة أصبح للولايات المتحدة حق الفيتو.

تحول النظام المالي العالمي من الذهب كمعيار لقمية العملة إلى الذهب (البترودولار)

منذ الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي مرورًا بأزمة كوريا ووصولًا لحرب فيتنام، كان الدولار الأمريكي يفقد قيمته العالمية بسبب زيادة طباعة الدولار لتمويل الحرب فزادت الكمية المعروضة في العالم وبالتالي بدأت تقل قيمة الدولار.

كان من ضمن اتفاقيات بريتون وودز عدم طبع المزيد من الدولارت لكيلا يفقد قيمته، وبالتالي لا يؤثر على اقتصادات الدول لأن الدولار أصبح العملة المُحدِدة لقيمة العملات، لكن ما حدث أثناء حرب فيتنام كان عكس ذلك وبدأت الولايات المتحدة بطبع الدولارات وتدهور الأمر إلى أن أعلن نيكسون فب عام 1971 م فك ارتباط الدولار بالذهب، وإلغاء اتفاقية بريتون وودز.

البترودولار ومقياس العالم الجديد

بعد تدهور الدولار الأمريكي بعد عملية طباعته أثناء حرب فيتنام، كان يجب خلق طلب عالمي للدولار لتجنب انهياره، وكانت تلك أول فكرة لإعادة الهيمنة الأمريكية للاقتصاد العالمي، وكانت الفكرة في تغير قيمة الدولار من الذهب إلى البترول، ولكن لضمان تلك الخطة يجب التحكم في أغلب الانتاج العالمي من البترول، وياترى ما هي أكثر بلد تصديرًا للبترول… “السعودية”

كيف يمكن جعل السعودية توافق على تلك الخطة؟

عرضت الولايات المتحدة الأمريكية على آل سعود دعمهم اقتصاديًا وعسكريًا. فسوف تقوم الولايات المتحدة بجعل السعودية تلحق بالركب التطوري للعالم، عن طريق عمل البنية التحتية اللازمة وبناء المصانع والشركات الكبرى، ولكن الولايات المتحدة كانت أذكى من آل سعود فقد جعلت كل أعمال تطوير المملكة لشركات تابعه لها، لاستنزاف الدولارات وجعل المملكة في حاجة دائمة للولايات المتحدة.

قامت خطة إخداع المملكة لسيطرة الولايات المتحدة على ثلاثة خطوط متوازية:
1-جعل كل أعمال المقاولات لتطوير المملكة تابعة لشركات أمريكية.
2-مد عقود الصيانة لتلك المشاريع لأكبر فترة ممكنة.
3-التعهد بحماية آل سعود عسكريًا من دول الجوار مثل إسرائيل والعراق وإيران.

هل كانت الهدف من قطع البترول هو مساندة مصر عسكريًا؟

في حرب أكتوبر 1973م قامت السعودية بمنع تصدير البترول للدول المساندة لإسرائيل مثل كندا وبريطانيا والولايات المتحدة إلى مارس 1974، ولكن للصورة أبعاد أخرى.

وكان هناك دافع آخر لرفع سعر برميل البترول وهو الاكتشافات الجديدة لحقول البترول في ألاسكا ولكن ثمن البرميل المستخرج سوف يتراوح بين خمس لسبع دولارات، في حين أن السعر العالمي للبرميل هو دولاران. لذلك وجب على الولايات المتحدة رفع السعر العالمي لكي تستطيع:
1) بيع البترول الأمريكي المكتشف حديثًا.
2) خلق طلب كبير على الدولار.

تمت تلك الخطة على مرحلتين:-

أولًا: الاتفاق مع مجموعة الأوبك وخاصة السعودية على تسعير البترول بالدولار فقط لخلق طلب عالمي عليه.

ثانيًا: منع تصدير البترول لفترة معينة لزيادة الطلب عليه وبالتالي ارتفاع سعره. وهذا ما حدث في حرب 1973 م.
بعد انتهاء الحظر كان سعر برميل البترول 9 دولارات، بينما كان سعره قبل الحظر دولار واحد تقريبًا.

تلك هي طريقة الأكثر حداثة لحكم العالم وضمان الهيمنة عليه.

المصادر
*كتاب صندوق النقد الدولي
*كتاب الديون الخارجية المصرية من محمد علي إلى حسني مبارك
*كتاب الاغتيال الاقتصادى للأمم
*عولمة الفقر
*كتاب بنوك وباشوات
A Short History OfThe Middle East*

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد محمد ربيع

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.