قد يكون الانتحار هو أشدّ الخيارات منطقية: نظرة مُختلفة لظاهرة الانتحار.

خفتت البلبلة التي غشيت مواقع التواصل الاجتماعي إثر واقعة الشاب الذي تردّى من فوق بُرج القاهرة قاتلًا نفسه، اندثر الأمر وكأنه لم يكن، مثله مثل أي “ترندٍ” آخر؛ وكُنت أنا منهمكًا في عجلة الدراسة الطبية التي لا تنتهي، أُطالع الأخبار بين حينٍ وآخر لئلا أفقد كليًا اتصالي بالعالم الخارجي. كان ذلك حين هاتفتني إحدى صديقاتي القدامى، تبادلنا بعض الأحاديث عن أحوالنا، ثم سألتني بنبرة هادئة : هل توجد وسيلة سهلةٌ للانتحار؟ سرت في جسدي رعدة، ثم سألتها بنبرة مشاكسة : ايه نويتي ولا ايه؟ فأخبرتني، وبنفس النبرة الهادئة، أن الحياة لم يعد لها معنى، وأنها تحادثني لـ”أرشح لها طريقة انتحار فعّالةٍ” بصفتي طبيبٌ مستقبلي وصديقٌ قديم. قالتها وكأنها تطلب مني أن أرشح لها فيلمًا تُزجي به وقت فراغها أو كتابًا يؤنسها في ساعات الليل. كانت نبرة صوتها على قدرٍ مربكٍ من الجدية والهدوء والبساطة، فلم أجد مفرًا من الإجابة عن سؤالها. أخذت أستعرض وسائل الانتحار مُشيرًا إلى احتمالية فشل كلٍ وسيلة والألم الناتج عنها، الغرق، والحرق، والقطار، وأسطح العمائر، والسموم، حتى انتهيت إلى الجزم بأنه ليس ثمة وسيلة انتحارٍ مضمونة كُليًا أو على قدرٍ مُحتمل من البشاعة، اللهم إلا مُسدسٌ في الفم، وذلك لن يتسنى لنا اقتناؤه. استمعت إليّ باهتمام، ومن ثمّ، وبنفس الجدية البسيطة، شكرتني، وأغلقت الخط..

سأعفيكم، وأعفيها هي الأخرى لأنني أعلم أنها تقرأ المقال الآن، من سرد الاحتياطات التي اتخذتها إذا كانت قراءتي للموقف خاطئة، ولكن ما استحوذ على ذهني آنذاك، تلك السلاسة التي سرت بها المحادثة برمتها، فجلست إلى اللابتوب، وكتبت في محرك جوجل : حكم الانتحار في الإسلام. وكانت الإجابات صارمة وقاسية وصلفة، بلا تفسيراتٍ أو جدالات فلسفية، إن الأمر حرام، لماذا؟ لإن النبي قال كذا وكذا، ماذا لو كانت الحياة لا تُطاق؟ استعن بالصبر وتذكر أخبار الأولين وكم عانوا من قبلك، والكثير من “المعلشة” السلفية المُبتذلة، ماذا لو كان الفقر ينهش عظامي فلا أجد في الحياة من سبيل؟ تذكر أهوال الجحيم واستشعر الخشية في قلبك، وغيرها من أساليب الترهيب وبث الرعب في القلوب. أغلقت التبويب وفتحت آخر، كتبت : حكم الانتحار في المسيحية. ولم يكن الأمر أقل قسوةً أو بشاعة، نبرة الترهيب والاستنكار ذاتها، والأسلوب الصلف الخالِ من الرحمة نفسه، حتى أن كلا المقالين لم ينس بالطبع أن يذكر أن مُجرد الصلاة على المنتحر أو الدعاء له غير مُستحبة و”قد ذكر البعض أنها مُحرمة”.

ما ظل يُلحّ على ذهني منذ تلك اللحظة، لم يكن الطريقة التي ينبغي بها معاملة ذوي الميول الانتحارية، ولا السبيل الذي إن توخيناه قللنا معدلات الانتحار في العالم، ما ظل يلح على ذهني هو سؤالٌ أعمق عن أخلاقية الانتحار نفسها، لماذا يتعامل البشر أصلًا مع الانتحار على أنه ظاهرة يجب علاجها؟ لماذا لا تكون هي العلاج الوحيد لحياة مأساوية؟ لماذا لا يكون الانتحار، في بلدٍ كهذه، وفي عصـرٍ كهذا، هو أشد الخيارات منطقية؟.

ما هو الانتحار ؟

الانتحار هو فعلٌ مشين أخلاقيًا وغير منطقي، ذلك يبدو مُتفقًا عليه من قبل معظم المذاهب، أو فلنقل المعاصرة منها. إن الناس ليبدون آراءً وليظنونها بديهية، مع أن جُملةً بسيطة كهذه، تحمل في طيّاتها كمًا رهيبًا من الالتباس، ولربما يكمن الالتباس الأول في المفهوم الغامض للانتحار، والذي يُوّلد غموضه أحكامًا متناقضة.

فالدارج لدى الناس أن الانتحار هو “قتل النفس عن قصد[1]، أي الفعل الذي يُقدم عليه الفرد “مُعتزمًا” به قتل نفسه، بحيث يزيد ذلك الفعل من احتمالات إصابة الوظائف الفيزيولوجية بعطب يؤدي بها إلى التعطل.1 ولكن ذلك التعريف الذي أوردناه، يوقعنا في شرك الكثير من الالتباس، فلنقل مثلًا أنني رجلٌ مُدخن، أدخن باستمرارٍ منذ خمس سنوات، مع علمي أن فعلًا كهذا يزيد من احتمالات توقف وظافي العضوية، فهل يُعد ذلك انتحارًا؟

إعلان

دعونا نُرجئ الإجابة إلى وقتٍ لاحق، ولنأخذ أسئلتنا إلى مدى أبعدٍ وأكثر وضوحًا، لماذا يُعدّ موت شاب بُرج القاهرة انتحارًا ولا يُعدّ موت المسيح كذلك؟ ألم يدلف المسيح المدينة وهو على علمٍ تامٍ بأن الجموع ساخطةٌ عليه، وبأن الرومان سيصلبونه؟ ألم يكن على يقينٍ من ذلك حدّ أنه اجتمع بتلاميذه في العشاء الأخير وأوصاهم بالصبر والتجلد؟ فلنزد من حدة الموقف ولنسأل، ألا يُعدّ موت الرسول مُحمد(ص)، طبقًا للتعريف الدارج الذي أوردناه، انتحارًا؟ ألم يُحط الرسول (ص) علمًا بدهاء اليهود وتربصهم؟ ألم يوقن قبل أن يتناول الشاه المسمومة التي قدمتها له السيدة اليهودية أن تلك الشاه ستلحق به أذى، حتى أنه قال  لعائشة في أيامه الأخيرة : (يا عائشةُ ما أزالُ أجِدُ ألم الطعامِ الذي أَكَلْتُ بخيبرَ، فهذا أوانُ وجدتُّ انقطاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذلِكَ السُّمِّ)[2] على الرغم من مرور سنوات على تلك الحادثة؟

ولعلك لاحظت، عزيزي القارئ، مُشكلتين رئيسيتين فيما طرحت من أسئلة، فالمشكلة الأولى هي غياب اليقين، أي أنني عندما أدخن لا أوقن أن ذلك سيسبب موتي، وذلك ينطبق على المثالين الآخرين. وتلك ليست مُشكلةُ حقيقية، فمن منّا بوسعه أن يحمل يقينًا إزاء المستقبل؟ ألم يضع شاب القاهرة نصب عينيه احتمال أن يعيش بكسور في العمود الفقري وارتجاج في المخ، بنفس القدر الذي أضع فيه نصب عينيّ احتمال أن أحيا معافىً إلا من بعض السُعال؟

والمُشكلة الأخرى هي غياب النصف الأول من التعريف، أي العزم والنية، فلم ينتوي المسيح تعطيل وظائفه العضوية بغرض التعطيل لذاته، بل انتوى ذلك لغرض آخر وهو خلاص البشـرية، ولم ينتوي الرسول (ص) أكل الشاه ليقطع السم شريانه الأبهري، بل أكل منها ليبرهن على سماحته وإنسانيته.

يُمكننا القول إذن أن المُجتمع يقبل الفعل إذا ما كان مصحوبًا بتبريراتٍ تتوافق وأفكاره عن الصواب والخاطئ، وأن نية الرحيل هي التي تُحدد ما إذا كان الفعل انتحارًا أم لا، وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أبدًا الجزم بنوايا إنسانٍ ميت، وبالتالي لا نستطيع أن نوقن أن ذلك الشخص أو ذاك قد انتحر، وعلى الرغم من الإشكالات اللغوية والمفهومية التي يواجهها التعريف الذي لدينا للانتحار، إلا أننا سنضع ذلك كله جانبًا الآن، وسنلقي في بئر الذهن الحجر الذي هو بين يدينا – نية الرحيل. فالواضح أن مُشكلة العالم كلّه مع الانتحار هو نية الرحيل، أن من يُثير الامتعاض والتحفظ هو ذاك الذي يريد أن يُدير مقبض الباب، ويرحل.

لماذا يُثير الرحيل حفيظة الناس؟

إننا نخاف الموت، إذا كان هنالك ثمة شيءٌ يُرهبنا، إذا كان ثمة شيء يُمكننا أن نُعزي إليه جميع آلامنا، وأحزاننا، وكآبتنا، فسيكون إدراكنا بأننا فانون.

تلك حقيقة لا يُمكننا إنكارها، بل إن المُقدمة الفلسفية التي طرحها باسكال في كتابه “الخواطر” تقوم كُليًا على ذلك الخوف، الخوف الذي منشؤه إدراك الإنسان لفنائه، ولضآلته، بل بالأحرى ولحقارته.

رأى باسكال أنه لابد للإنسان أن يؤمن بالله حتى ينعم بشيءٍ من السلام النفسـي، ذلك أن الإيمان يحجب عن الإنسان أهوال الفناء والموت إذ يمدّه بيقين الخلود. فوفقًا لباسكال، هؤلاء الذين أسماهم “ملحدون” هم في شقاءٍ دائمٍ،  يتحدث باسكال على لسان هؤلاء:

“أرى رحائب الكون المخيفة التي تحتضني، وأراني لاصقًا بزاوية من هذا الامتداد الفسيح فما أعرف سببًا لوجودي في هذا المكان دون ذاك، ولا سببًا لأن يكون هذا الأجل القصير من الحياة قد خُصّص لي في هذه النقطة لا في نُقطة أخرى من الأزل السابق ومن الأبد اللاحق. لا أرى من كل جانبٍ إلا لانهايات تشتمل عليّ كذرة وكظل يستمر لحظة ولا يفيء. كل ما أدري أني لا محالة مائت. ولكن أكثر ما أجهله إنما هو ذلك الموت عينه الذي لا أستطيع تلافيه”.[3]

 

وعلى ذلك، فقد طرح باسكال أن الإيمان هو ضرورة إنسانية، وكان من هؤلاء الذين نادوا بأهمية الإيمان عن طريق العادة، أي أن الممارسات الجسدية كالصلاة والأذكار هي بمثابة علاجٍ نفسي لإنها تُنمي فينا إيمان أننا مُخلدون.

بالطبع هاجم الناقدون ما طرحه باسكال، ذاكرين أن الإيمان في هذا السياق هو محض وهم نخلقه لأنفسنا كوسيلة دفاعية لنرد عنا الخوف، واسترسل المُفكر النرويجي “بيتر ويسل – Peter Wessel Zapffe” في شرح هذه الوسائل الدفاعية، وعدد وسائل أخرى سنذكرها، يُشيّدها الإنسان ليحمي نفسه من الوعي الإنساني الذي وصفه زابفي على أنه “أكثر تطورًا مما ينبغي، وذلك التطور التراجيدي يُفـضي لا محالة إلى الكآبة والقلق الوجودي”. [4]

إن ذلك الوعي المتضارب المُبالغ فيه، مُجرد الوعي فقط، يعتدي على سلامنا النفسي، بحيث يدفعنا إلى الرد بمجموعةٍ من الوسائل الدفاعية، التي هي، وعلى حد تعبير بيتر ويسل زابفي، “ضرورية للتأقلم الاجتماعي وكل هذا الهراء الذي يسمونه صحةً نفسية”.

  • العزلة: والتي تتضمن كبح المرء لمشاعره وأفكاره العدائية أو السلبية.
  • الارتكاز: يُشيّد المرء مجموعة من “الأوهام والمبادئ السامية”، كالإله، والحكومة، والقدر، وقوانين الحياة، والمستقبل.
  • الإلهاء: التركيز على مهامٍ أو أعمال معينة لمنع العقل من التفكير.
  • التهذيب: تحويل المشاعر السلبية إلى أفعال إيجابية، وذلك يتضمن ممارسة الفنون والفلسفة والأدب.

 

إن ما يُثير حفيظة الناس إزاء فعل الانتحار هو رهبتهم من الموت، رهبتهم من أن يروا تلك الحقيقة التي يُسكنُونها بُمختلف الأفيونات، من أن يروا ضآلة الإنسان، وتحجّب الله، وتسعّر الوجود.

وإذا أردنا أن نوفر تفسيراتٍ أكثر مبالغة، فسنذكر التنكيل المابعد حداثي للطب النفسـي برمته، فبالإضافة عما ذكرناه عن زابفي، تبنّى فوكو، وألبوستير، وغيرهم في مواضع عدة فكرة أن الطب النفسي ما هو إلا ترويض مُؤدلج تمارسه الحكومات الرأسمالية والأنظمة الشمولية، بغرض قولبة الأشخاص وقمع تفردهم.

وبعيدًا عن الكلمات المعقدة المنتهية بال”ية”، فإن المُجتمع – من هذا المنظور -يقبض ببراثنه على الأفراد، يُملي عليهم تعريفات الجمال، والحب، والعيش السعيد، يُملي عليهم ما هو طبيعي وعادي بما يتلاءم مع التقاليد السائدة وعجلة الانتاج. إن الفرد الذي يصفه المجتمع بالفرد السوي، هو ذلك القادر على الإنتاج، بغض النظر عن أحلامه، وطموحاته، هو ذلك الفرد الذي تتوافق أفكاره وأفكار القطيع، بغض النظر عن جميع السمّات التي تُميزه كإنسان.

باختصار، يرهب الناس الاكتئاب والرغبة في الرحيل، لإن ذلك يُخالف أفكارهم عن الطبيعي، ويّذكرهم بحقيقة الموت.

عن أخلاقية الانتحار.

الانتحار هو فعلٌ مُشين أخلاقيًا وغير منطقي. الالتباس الثانِ الذي نجده في حُكم كهذا، يختص بأخلاقية الانتحار ذاتها، هل يُمكن أن يكون الانتحار فعلاً أخلاقيًا أو صائبًا في بعض الأحيان؟

فيما يلي سنتعرض فقط لوجهات النظر التي تُؤيد أخلاقية الانتحار، أما تلك التي تُعارضها، فسنخصص لها مقالًا آخر مُنفصل. ذلك أن الأولوية هنا للحث على التفكير، ومعارضة الأفكار الدارجة يُفعّل الذهن أكثر من التأييد والتعزيز.

 

سينيكا والرواقيون.

سينيكا هو فيلسوف روماني عاش في الفترة بين العام الرابع والعام الخمسة وستين قبل الميلاد، وهو أحد أعلام المدرسة الرواقية. ويُعدّ من أوائل الفلاسفة الذين جادلوا في حق الانسان في الرحيل، وارتأوا أن نية الرحيل قد تكون مبررةً أخلاقيًا، بل إنها قد تكون أحيانًا الحل الأخلاقي الوحيد لمعاناة الحياة.

وعلى الرغم من أن أسلوب سينيكا يتصف بالبلاغة والبساطة معًا، حتى أن حديثه –في الغالب – لا يحتاج إلى شرحٍ أو تأويل، إلا أنني أجد من الضروري، و قبل ذكر تبريراته للانتحار، التطرق في فقرةٍ أو اثنتين إلى فلسفته عن القوة الخفية التي تُدير عجلة الحياة، والتي أسماها فورتونا – Fortune.

فورتونا، وكما هو واضحٌ من اسمها، هي إلهة الحظ عند الرومان. يتأمل سينيكا الحياة، ويجد أنها “قد حملت البعض إلى القمم التي يُريدونها، رغم تلكؤهم في الطريق، ودهست الكثير وحرمتهم مما يتوقون إليه، على الرغم من اجتهادهم ومثابرتهم المهولة”.[5]

توصل سينيكا إلى حقيقة أن السعي لا يُتوّج بالضرورة بالوصول، وأعزى ذلك إلى إلهة الحظ، فورتونا، والتي تعمل بشكلٍ غامض لتحقيق مآربها الشخصية المجهولة، إنها تُريد شيئًا ما، أو تعمل باعتباطيةٍ محضة، ذلك لا يُهم، المُهم أنها تستمر في خداع البشر، في وهبهم أشياء فيتَوهم البشر أنهم يستحقونها، وسلبهم أشياء أخرى فيتعزّون بأنها لم تكن لهم من البداية. والحقيقة أنه، ووفقًا لسينيكا، لا أحد يملك أي شيء أصلًا، ولا يجوز أن نقيس استحقاقيتنا في الحياة وفقًا لما تهبنا إياه فورتونا أو تأخذه منا، ذلك أنها لا تبالِ بنا وما نحن سوى أدوات.

ولأنني، وكما ذكرت، مُعجب ببلاغة سينيكا وبساطته، فأحبذ في هذا السياق الترجمة على النقل. يقول سينيكا مدافعًا عن حق الإنسان في الرحيل:

“حياةٍ كهذه، كما تعلم، لا ينبغي دومًا التمسك بها. ذلك أن مجرد العيش لا يُعدّ خيرًا، بل العيش بسعادة. لذلك، سيعيش الإنسان الحكيم بقدر ما ينبغي عليه أن يعيش، وليس بقدر ما يستطيع. ذلك الحكيم ينظر مطولًا إلى المكان الذي سيعيش فيه، والشخوص الذين سيعيش معهم، والطريقة التي سيمارس بها وجوده، ومن ثمّ يُقرر ما الذي ينبغي عليه فعله. ذلك أن ما يُهمه هو جودة السنين التي يعيشها، وليس عددها. فعندما يرى أن الكثير من النكبات تُلحقه بالأذى وُتعكّر صفوه، يُطلق سراح روحه. وتظل هبة هذا الاختيار مُتاحةٌ دومًا، ليس فقط حينما تغشو حياته الفوضى، بل في أي وقتٍ تمارس فيه فورتونا حيلها عليه؛ فينظر حوله في تأن، ليعلم إذا ما كان ينبغي عليه الرحيل أم البقاء. الحكيم لا يجد فرقًا بين الرحيل بشكلٍ طبيعي، أو الرحيل بإرادته، لا يُبالِ ما إذا كان الموت سيأتيه في صباه أو في شيبه. هو لا يواجه الموت مرتعدًا، وكأنه خسارةٌ فادحة، ذلك أنه ليس بوسع الإنسان أن يخسر الكثير إن لم يبق في كأسه سوى بضع قطرات. لا يكون السؤال عمّا إذا كان ينبغي أن تموت الآن أم في وقتٍ لاحق، بل عمّا إذا كنت ستموت بسعادةٍ أم بشقاء. والموت بسعادة، هو أن تهرُب من العيش بشقاء”.[6]

دافيد هيوم ونقده للمنظور الديني.

يبدو حديث سينيكا شاعريًا وإنسانيًا من الدرجة الأولى، إلا أنه لن يلقى إعجابًا كبيرًا بين المُتدينين. فمفكري اللاهوت أبدو اعتراضًا واضحًا على فعل الانتحار، رغم أن الأمر لم يُذكر بشكل واضح في الأناجيل، وعلى صعيدٍ آخر، ذُكر التحريم بشكلٍ مُباشر في السنة الإسلامية.

يصف إيمانويل كانط قراءاته لمؤلفات ديفيد هيوم على أنها “ما دفعه للإفاقة من غفلته الدوجماطيقية”، أي ما دفعه للتشكيك والسؤال والتمحيص في الإجابات الجاهزة والأوامر الصلفة التي تُمليها السُلطة الدينية. وعلى رغم من اختلاف كانط مع هيوم في أخلاقية الانتحار، حدّ أنه وصف المُنتحر بكونه “حيوانٌ تخلّى عن إنسانيته”، فإننا نودّ لو نتأسى بكانط في قراءتنا لهيوم، عسى أن يُعيننا على التخلي عن تعصبنا ويُنمي فينا التعاطف والإحساس بالآخر.

يُمكننا تلخيص الصراع الفلسفي الذي قام بين الحركة اللاهوتية – توما الإكويني خاصة – وديفيد هيوم حول أخلاقية الانتحار، بذكر النقد الذي وجهه هيوم إلى حجة أن “الانتحار يتعارض مع الحكم الإلهي، لذا فهو خاطئ أخلاقيًا”، ويأتي هذا النقد في ثلاث نقاط [7]:

  • إذا كان “الحكم الإلهي” هو “قضاء الله”، وإذا كُنّا بانتحارنا نُحرّف القضاء الإلهي، ونعبث بالفطرة التي جبل الله عليها الحياة، فذلك يعني أن أي فعلٍ نتدخل به معارضةً لقضاء الله هو فعلٍ خاطئ. ولكن ذلك ليس صحيحًا، فالله كثيرًا ما يسمح لنا بمعارضة قضاءه، فلا يتوقع منّا مثلًا ألا نستجيب للأمراض والكوارث التي يُبلينا بها. فليس ثمة تبرير منطقي، في وجهة نظر هيوم، يجعل بعض التدخلات مُباحةٌ وأخرى مُحرمة. فإذا أباح الله لنا أن نُحرّف مجرى الماء في الأنهار بالمناجل للري، فذلك يعني أنه ليس ثمة ما يُحرّم أن نُحرّف مجرى الدماء في الأوردة بالأمواس للخلاص.
  • إذا كان “الحكم الإلهي” هو مجموع القواعد التي وهبنا الله إياها، والتي هي قواعدٌ: أ-منطقيةٌ، ب-وتضمن لنا السعادة إذا ما التزمنا بها. فكيف يكون الانتحار مُخالفًا للحكم الإلهي إذا كُنّا نجد في موتنا شيئًا منطقيًا، وإذا ارتأينا أن سعادتنا ستأتي عن طريق الموت؟
  • وأخيرًا، إذا كان “الحكم الإلهي” يعني ببساطة ما يحدث وفقًا لإرادة الله، فإنه من الواضح أن الله يريد جميع ما نفعله (ذلك أن الله كُلّي القدرة وإذا لم يستسغ شيئًا من أفعالنا لأمكنه التدخل بسهولة) ولا يُمكننا التمييز بين ما يُريده الله وما لا يُريده. فإذا كان الله قد جعلنا خلفاءه في الأرض، فإن رحيلنا من هذه الأرض يحدث بتعاونه وتحت عينه تمامًا كما هو الحال مع أي فعلٍ آخر نقوم به.

وفي النهاية، يسأل هيوم، إذا كانت الحياة هي هدية من الله، فأي هدية تلك التي لا نستطيع رفضها؟ ألا تُعد حينئذٍ، سلبًا لحريتنا وانتهاكًا لحقنا في تحديد المصير؟.

ولكن الحياة مقدسة؟

إن أول جملة ارتطمتُ بها حينما سألت مُحرك البحث عن حُكم الانتحار في المسيحية، هي وصية المسيح : لا تقتل. والاستنباط، الواضح جدًا من وجهة نظرهم، أن ذلك يشمل قتل النفس.

إن وصية المسيح تلك قد أرست دعائم المذهب الفلسفي الذي يدعو بقدسية الحياة في ذاتها، بغض النظر عن السعادة، والدور المجتمعي لهذه الحياة. ويُسمى هذا المذهب بالمذهب الديونطولجي (Deontology).[8]

ولكن قدسية الحياة في ذاتها هو أمر مُلتبسٌ إلى أقصى حد، فإذا أخذنا بوصية المسيح، يكون القتل مُحرماً في كافة أشكاله، وهذا يضمن أحكام الإعدام والدفاع عن النفس وحالات القتل الرحيم، أو حتى فصل الأجهزة الطبية عن الميتين إكلينيكيًا، مما يُفضي بنا إلى نوعٍ رديءٍ من أنواع السلمية.

والحق أن الموجة الحداثية التي اكتسحت العالم، والتي تنظر إلى الانسان بمادية مُرهقة، لا تمدنا بتعريف عن الحياة أكثر من كونها عدم توقف وظائف الإنسان العضوية. وإذا كانت الحياة هي هذا التعريف المجرد، فإنه من غير المنطقي بالتأكيد أن تكون مُقدسة، إذ يتساوى في القدسية المجرم، والطبيب، والمُغتصب، والقاضي. إن هؤلاء الذي ينادون بقدسية الحياة في ذاتها يُجرّمون بالضرورة المقاومات ضد المعتدين والقَصاص، في نفس الوقت الذين ينادون فيه بهذه الأشياء.

ومن نظرةٍ أخرى، هؤلاء الذين يزعمون أن ثمة خصالٌ وسماتٌ مُعينةٌ للحياة حتى تكون مُقدسة –كالحياة على نهج المسيح مثلًا – يدحضون بالضرورة مبدأ قُدسية الحياة في ذاتها، فإذا كان المُنتحر يحيا حياةً غير تلك التي أوصى بها المسيح مثلًا، فحياته تفقد قدسيتها، بحيث يكون تقديرهم للحياة الإنسانية هو تقديرٌ مشروط، وبالتالي، إذا غابت الأسباب التي تدعو لهكذا تقدير، تغيب معها القدسية، ويغيب معها التحريم.

قد يكون الانتحار هو أشد الخيارات منطقية.

في ليلةٍ شتويةٍ طويلة، كُنت أقرأ إحدى الكتب العتيقة في مكتبتي المتواضعة، حتى وقعت عينيّ على قول الكاتب ما معناه: من المتفق عليه أنه لكي يتمتع المرء بالسواء النفسي فمن المفترض أن يكون قد نشأ في بيئة مُجتمعية وأسرية سوية، بحيث لا يشهد الصدمات أو الاعتداءات، وأن يكون قد نشأ في رحاب قدرٍ مقبولٍ من اليُسر المادي.[9]فابتسمت، وأغلقت الكتاب.

إنه لمن المتفق عليه أن مُعظمنا – كعربٍ على الأخص -نعاني اضطرابات نفسية ونفتقد السواء النفسي. ذلك لوجود الكثير من العوامل التي تدفعنا دفعًا إلى الإصابة بأمراض عقلية، بل وتجعل مصيرًا كذلك حتميًا في بعض الأحيان.

ما أود الإشارة إليه أنه هنالك بعض الظروف والتجارب التي يتشارك مُعظمنا في التعرض إليها أو خوضها، والتي تُفضي –نظريًا- إلى حتمية إصابتنا بالمرض النفسي، ويكفيني أن أذكر منها اثنين: الظروف الاجتماعية، والاغتراب.

الظروف الاجتماعية.

تقترح نظرية (المسببات الاجتماعية – Social Causation ) أن هؤلاء الذين نشؤوا وترعرعوا في مُجتمعاتِ ينهشها الفقر – أي فيها ترتفع معدلات الجريمة، ويشتد الضغط الأبوي، وتكثر احتمالية التعرض إلى الصدمات النفسية (Trauma) – هم أكثر عرضى للإصابة بالأمراض العقلية.[10]

وفي المجمل، فقد أُثبت أن الفقر أو العوز المادي سبب رئيسي من أسباب الأمراض النفسية والاضطرابات، ناهيك عن الثورة التكنولوجية التي سمحت لنا بأن نطلع على الكم الهائل من الحيوات التي لن يتسنى لنا أن نعيشها، والأشياء التي لن نقدر أبدًا اقتنائها، مما زاد من سخطنا ومشاعرنا السلبية في المُجمل.

إن التوزيع الرأسمالي للثروات قد جعلنا في حقد وكمدٍ مستمرين، بحيث لم نعد نجد عزاءً يُذكر في مفاهيم كالرضا والقناعة. مفاهيمٌ كتلك، كانت تقوم بشكلٍ رئيسي على ركيزتين، الأولى يُمكن تلخيصها في المثل الشائع “محدش بياخد كل حاجة”، والثانية في آمالنا في حياةٍ أخرى.

إن الثورة المعلوماتية والتكنولوجية قد برهنت لنا على حقيقة أن هنالك أناسٌ “بياخدوا كل حاجة”، والموجة الحداثية وتخلخل المعتقدات الدينية، هذا بالإضافة إلى ضعف الخطاب الديني، قد جعلتنا مطحونين في رحا شكِ دائمٍ وإن لم نُبديه، فـاحتجبت السماء بالتدريج بفعل المباني الشاهقة التي يُشيدها الرأسماليون، والمنابر الباثقة التي يخطب فوقها الجهلة والمتعصبون.

التغريب

التغريب أو الاغتراب (Alienation) هو مصطلح سلط عليه الضوء الفيلسوف كارل ماركس كنتاج للتشيؤ الذي تُحدثه الأنظمة الرأسمالية، إذ يتم التعامل مع الإنسان على أنه شيءٌ ويُجرّد كليًا من إنسانيته، ويخضع لقواعدٍ مُهيمنة تمنح الربح المادي الأولوية على أي شيء.[11]

ويُمكننا بلورة الاغتراب في مظهرين: الأول العُزلة المُجتمعية نتيجة لانعدام الإحساس بالانتماء للمُجتمع أو التوافق مع الدور الذي يُؤديه العامل في عملِه، والثاني العزلة النفسية أو غُربة الذات، حيث يغترب العامل عن ذاته خلال نشاطه الإنتاجي خاصةً حينما يعجز عن السيطرة على عمله ويفقد الروابط والعلاقات ذات المغزى.[12]

وفيما يُعد الاغتراب الآن أحد العوامل الأساسية للسلوكيات المنحرفة والاكتئاب، فقد اهتم ماكس فيبر (1864 – 1920) بتوضيح العلاقة بين البيروقراطية (الأنظمة الاستبدادية) والاغتراب، ذلك أن الاتجاه الاجتماعي نحو خلق تنظيم إداري واسع المدى، تندرج فيه السلطة بشكلٍ هرمي ويُدار مركزياً في تنظيمٍ لا شخصي مُجرد، ومع تزايد النزعة نحو العقلانية والصورية في التنظيم الاجتماعي تضمحل العلاقات الشخصية وتتضخم التنظيمات الإدارية، وقد أوضح فيبر أن هيمنة التنظيم البيروقراطي على العالم المُعاصر قد أدى إلى أنه لا يهتم بالأشخاص، ولا يتعامل النظام البيروقراطي مع أشخاص بل مع ذرات مُجردة تخضع للحسابات العقلانية وكل إنسان يُصبح ترسًا في آلة. [13]

وببساطة،الاغتراب هو شعور الإنسان بعدم الانتماء، وتسخيفه من المُجتمع من حوله وإحساسه بضياع ذاته. يُعقب المُفكر تيرنس مكينا ((  Terence Mckenna  على ظاهرة الاغتراب قائلًا:

“إن السبب الذي نشعر إثره بالاغتراب هو أن المُجتمع طفوليٌ، وبدائيٌ، وأحمق. في مُجتمع كهذا، يكون الثمن الذي نتكبده للاحتفاظ بعقولنا ، هو أن نُعاني قدرًا مُعينًا من الاغتراب. أفهم ذلك لأنني أب. وأي شخص قد حظي بأطفال، يُدرك في النهاية أنه عليه الاختيار بين أن يكون ابنه مثقفًا، متشائمًا، ومغتربًا؛ أو أن يكون مُستهلكًا لاهثًا يتعاطى الترهات التي تُلقى إليه من قمة الهرم؛ ليس هنالك اختيارٌ آخر. جميعنا نريد لأطفالنا أن يكونوا ملتزمين، ولكن ليس ثمة شيءٌ ليلتزموا به”.[14]

لماذا أكتب هذا المقال؟

منذ عامٍ تقريبًا، انتحر شابٌ في كلية الطب بجامعة القاهرة، وبعث ذلك في نفسي قدرًا كبيرًا من الأسى. ثم خرج أستاذ الفيزيولوجي بالكلية التي أدرس فيها ونكّل بفعل الشاب، وبضعفه، وبهشاشته، وأخبره أن “ينشف شوية”.

إن ذلك الأستاذ وغيره يرفضون الاعتراف بأن الحياة هي أشبه بمذبحة جماعية، أن الحياة في ذاتها وحشيةٌ، ومأساويةٌ، وهي أشبه في كليتها بمسرحيةٍ خرقاء. إن الإنسان لا يحتاج إلى قراءة كُتبٌ كثرٌ ليعي مدى فداحة الحياة، يكفيه فقط أن ينظر حوله، أن ينظر إلى المذابح، والحرائق، والحروب، والمُستقبل المجهول، والماضي المشوه بالنكبات؛ بل يكفيه فقط أن ينظر إلى حقٍ من حقوقه ولا يستطيع أن يأخذه من بين براثن المعتدي – ليعي الإنسان فداحة الحياة، يكفي فقط أن ينظر إلى حقوقه نظرة المتسوّل المقهور.

ليس المقال أكثر من تذكيرٍ بأن الحياة في حد ذاتها، خاصةً الحياة في دولة عربية، هي سببٌ أكثر من كافٍ لتوليد المشاعر السلبية، وأن هؤلاء الذين يُعانون هم واقعيون لا أكثر، هم فقط أناسٌ فشلت الوسائل الدعائية في تعزيز أوهامهم عن الإيجابية، والتميز، والوردية، وكل هذا الهراء.

في الآن نفسه، ليس المقال دعوى للانتحار، بل هو دعوى لإعادة هيكلة منظورنا عن الانتحار، لغويًا وأخلاقيًا ومنطقيًا. تمحيصٌ ونقدٌ كهذا، هو ضروريٌ لننظر إلى الحياة بأعين الناس، لنتعاطف معهم، ونتفهم أسبابهم، وضروري أيضًا لنُدرك كم نحن محظوظون لأننا لا زلنا عقلاء.

على هذه الأرض ما يستحق الحياة، ذلك ما كُتب على قبر محمود درويش، ولكن لنجد ذلك الذي يستحق الحياة، يجب أولًا أن نُسلم أننا لن نجده إلا بشق الأنفس.

المصادر

[1] 1. Cholbi M. Suicide. In: Zalta EN, editor. The Stanford Encyclopedia of Philosophy [Internet]. Fall 2017. Metaphysics Research Lab, Stanford University; 2017 [cited 2020 Jan 11]. Available from: https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/suicide/

[2] 2- ↑ رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 7929، خلاصة حكم المحدث صحيح.

إقرأ المزيد على موضوع.كوم:

[3] 3- بليز باسكال، الخواطر، ترجمة إدوارد البستاني، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، لبنان. 1972.

[4] 4- 1. The voice of sadness is censored as sick. What if it’s sane? – Julie Reshe | Aeon Essays [Internet]. Aeon. [cited 2020 Jan 11]. Available from: https://aeon.co/essays/the-voice-of-sadness-is-censored-as-sick-what-if-its-sane

[5] 6-Seneca, Dialogues and Essays, Oxford University Press, 9780199552405.

[6] 6- المرجع السابق.

[7] 7- 1. Hume D. ESSAYS ON SUICIDE AND THE IMMORTALITY OF THE SOUL. Editor of the Collection of English Classics, sold; 1799.

[8] 8- 1. Cholbi M. Suicide. In: Zalta EN, editor. The Stanford Encyclopedia of Philosophy [Internet]. Fall 2017. Metaphysics Research Lab, Stanford University; 2017 [cited 2020 Jan 11]. Available from: https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/suicide/

[9] 9 – د.أحمد نور، تعاطي المُخدرات بين الإغتراب والأوهام الجنسية، مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات، 2018، ص28، ص29.

[10] 10- 1. Mossakowski KN. Social Causation and Social Selection. In: The Wiley Blackwell Encyclopedia of Health, Illness, Behavior, and Society [Internet]. American Cancer Society; 2014 [cited 2020 Jan 11]. p. 2154–60. Available from: https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1002/9781118410868.wbehibs262

[11] 11-أحمد مجدي حجازي، المُخدرات والأزمة الراهنة للشباب المصري، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 2005، 21.

[12] 12 – مُصطفى سويف، المُخدرات والمُجتمع، نظرة تكاملية، عالم المعرفة، الكويت، 1996، ص9، ص12.

[13] 13 - أحمد مجدي حجازي، المُخدرات والأزمة الراهنة للشباب المصري، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 2005، ص22.

[14] 14- 1. Terence McKenna: The cost of Sanity is Alienation [Internet]. [cited 2020 Jan 11]. Available from: https://www.youtube.com/watch?v=v1TOaViEXSw

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا