تأخذك إلى أعماق الفكر

قد يكون الانتحار هو أشدّ الخيارات منطقية: نظرة مُختلفة لظاهرة الانتحار.

خفتت البلبلة التي غشيت مواقع التواصل الاجتماعي إثر واقعة الشاب الذي تردّى من فوق بُرج القاهرة قاتلًا نفسه، اندثر الأمر وكأنه لم يكن، مثله مثل أي “ترندٍ” آخر؛ وكُنت أنا منهمكًا في عجلة الدراسة الطبية التي لا تنتهي، أُطالع الأخبار بين حينٍ وآخر لئلا أفقد كليًا اتصالي بالعالم الخارجي. كان ذلك حين هاتفتني إحدى صديقاتي القدامى، تبادلنا بعض الأحاديث عن أحوالنا، ثم سألتني بنبرة هادئة : هل توجد وسيلة سهلةٌ للانتحار؟ سرت في جسدي رعدة، ثم سألتها بنبرة مشاكسة : ايه نويتي ولا ايه؟ فأخبرتني، وبنفس النبرة الهادئة، أن الحياة لم يعد لها معنى، وأنها تحادثني لـ”أرشح لها طريقة انتحار فعّالةٍ” بصفتي طبيبٌ مستقبلي وصديقٌ قديم. قالتها وكأنها تطلب مني أن أرشح لها فيلمًا تُزجي به وقت فراغها أو كتابًا يؤنسها في ساعات الليل. كانت نبرة صوتها على قدرٍ مربكٍ من الجدية والهدوء والبساطة، فلم أجد مفرًا من الإجابة عن سؤالها. أخذت أستعرض وسائل الانتحار مُشيرًا إلى احتمالية فشل كلٍ وسيلة والألم الناتج عنها، الغرق، والحرق، والقطار، وأسطح العمائر، والسموم، حتى انتهيت إلى الجزم بأنه ليس ثمة وسيلة انتحارٍ مضمونة كُليًا أو على قدرٍ مُحتمل من البشاعة، اللهم إلا مُسدسٌ في الفم، وذلك لن يتسنى لنا اقتناؤه. استمعت إليّ باهتمام، ومن ثمّ، وبنفس الجدية البسيطة، شكرتني، وأغلقت الخط..

سأعفيكم، وأعفيها هي الأخرى لأنني أعلم أنها تقرأ المقال الآن، من سرد الاحتياطات التي اتخذتها إذا كانت قراءتي للموقف خاطئة، ولكن ما استحوذ على ذهني آنذاك، تلك السلاسة التي سرت بها المحادثة برمتها، فجلست إلى اللابتوب، وكتبت في محرك جوجل : حكم الانتحار في الإسلام. وكانت الإجابات صارمة وقاسية وصلفة، بلا تفسيراتٍ أو جدالات فلسفية، إن الأمر حرام، لماذا؟ لإن النبي قال كذا وكذا، ماذا لو كانت الحياة لا تُطاق؟ استعن بالصبر وتذكر أخبار الأولين وكم عانوا من قبلك، والكثير من “المعلشة” السلفية المُبتذلة، ماذا لو كان الفقر ينهش عظامي فلا أجد في الحياة من سبيل؟ تذكر أهوال الجحيم واستشعر الخشية في قلبك، وغيرها من أساليب الترهيب وبث الرعب في القلوب. أغلقت التبويب وفتحت آخر، كتبت : حكم الانتحار في المسيحية. ولم يكن الأمر أقل قسوةً أو بشاعة، نبرة الترهيب والاستنكار ذاتها، والأسلوب الصلف الخالِ من الرحمة نفسه، حتى أن كلا المقالين لم ينس بالطبع أن يذكر أن مُجرد الصلاة على المنتحر أو الدعاء له غير مُستحبة و”قد ذكر البعض أنها مُحرمة”.

ما ظل يُلحّ على ذهني منذ تلك اللحظة، لم يكن الطريقة التي ينبغي بها معاملة ذوي الميول الانتحارية، ولا السبيل الذي إن توخيناه قللنا معدلات الانتحار في العالم، ما ظل يلح على ذهني هو سؤالٌ أعمق عن أخلاقية الانتحار نفسها، لماذا يتعامل البشر أصلًا مع الانتحار على أنه ظاهرة يجب علاجها؟ لماذا لا تكون هي العلاج الوحيد لحياة مأساوية؟ لماذا لا يكون الانتحار، في بلدٍ كهذه، وفي عصـرٍ كهذا، هو أشد الخيارات منطقية؟.

ما هو الانتحار ؟

الانتحار هو فعلٌ مشين أخلاقيًا وغير منطقي، ذلك يبدو مُتفقًا عليه من قبل معظم المذاهب، أو فلنقل المعاصرة منها. إن الناس ليبدون آراءً وليظنونها بديهية، مع أن جُملةً بسيطة كهذه، تحمل في طيّاتها كمًا رهيبًا من الالتباس، ولربما يكمن الالتباس الأول في المفهوم الغامض للانتحار، والذي يُوّلد غموضه أحكامًا متناقضة.

فالدارج لدى الناس أن الانتحار هو “قتل النفس عن قصد[1]، أي الفعل الذي يُقدم عليه الفرد “مُعتزمًا” به قتل نفسه، بحيث يزيد ذلك الفعل من احتمالات إصابة الوظائف الفيزيولوجية بعطب يؤدي بها إلى التعطل.1 ولكن ذلك التعريف الذي أوردناه، يوقعنا في شرك الكثير من الالتباس، فلنقل مثلًا أنني رجلٌ مُدخن، أدخن باستمرارٍ منذ خمس سنوات، مع علمي أن فعلًا كهذا يزيد من احتمالات توقف وظافي العضوية، فهل يُعد ذلك انتحارًا؟

إعلان

دعونا نُرجئ الإجابة إلى وقتٍ لاحق، ولنأخذ أسئلتنا إلى مدى أبعدٍ وأكثر وضوحًا، لماذا يُعدّ موت شاب بُرج القاهرة انتحارًا ولا يُعدّ موت المسيح كذلك؟ ألم يدلف المسيح المدينة وهو على علمٍ تامٍ بأن الجموع ساخطةٌ عليه، وبأن الرومان سيصلبونه؟ ألم يكن على يقينٍ من ذلك حدّ أنه اجتمع بتلاميذه في العشاء الأخير وأوصاهم بالصبر والتجلد؟ فلنزد من حدة الموقف ولنسأل، ألا يُعدّ موت الرسول مُحمد(ص)، طبقًا للتعريف الدارج الذي أوردناه، انتحارًا؟ ألم يُحط الرسول (ص) علمًا بدهاء اليهود وتربصهم؟ ألم يوقن قبل أن يتناول الشاه المسمومة التي قدمتها له السيدة اليهودية أن تلك الشاه ستلحق به أذى، حتى أنه قال  لعائشة في أيامه الأخيرة : (يا عائشةُ ما أزالُ أجِدُ ألم الطعامِ الذي أَكَلْتُ بخيبرَ، فهذا أوانُ وجدتُّ انقطاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذلِكَ السُّمِّ)[2] على الرغم من مرور سنوات على تلك الحادثة؟

ولعلك لاحظت، عزيزي القارئ، مُشكلتين رئيسيتين فيما طرحت من أسئلة، فالمشكلة الأولى هي غياب اليقين، أي أنني عندما أدخن لا أوقن أن ذلك سيسبب موتي، وذلك ينطبق على المثالين الآخرين. وتلك ليست مُشكلةُ حقيقية، فمن منّا بوسعه أن يحمل يقينًا إزاء المستقبل؟ ألم يضع شاب القاهرة نصب عينيه احتمال أن يعيش بكسور في العمود الفقري وارتجاج في المخ، بنفس القدر الذي أضع فيه نصب عينيّ احتمال أن أحيا معافىً إلا من بعض السُعال؟

والمُشكلة الأخرى هي غياب النصف الأول من التعريف، أي العزم والنية، فلم ينتوي المسيح تعطيل وظائفه العضوية بغرض التعطيل لذاته، بل انتوى ذلك لغرض آخر وهو خلاص البشـرية، ولم ينتوي الرسول (ص) أكل الشاه ليقطع السم شريانه الأبهري، بل أكل منها ليبرهن على سماحته وإنسانيته.

يُمكننا القول إذن أن المُجتمع يقبل الفعل إذا ما كان مصحوبًا بتبريراتٍ تتوافق وأفكاره عن الصواب والخاطئ، وأن نية الرحيل هي التي تُحدد ما إذا كان الفعل انتحارًا أم لا، وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أبدًا الجزم بنوايا إنسانٍ ميت، وبالتالي لا نستطيع أن نوقن أن ذلك الشخص أو ذاك قد انتحر، وعلى الرغم من الإشكالات اللغوية والمفهومية التي يواجهها التعريف الذي لدينا للانتحار، إلا أننا سنضع ذلك كله جانبًا الآن، وسنلقي في بئر الذهن الحجر الذي هو بين يدينا – نية الرحيل. فالواضح أن مُشكلة العالم كلّه مع الانتحار هو نية الرحيل، أن من يُثير الامتعاض والتحفظ هو ذاك الذي يريد أن يُدير مقبض الباب، ويرحل.

لماذا يُثير الرحيل حفيظة الناس؟

إننا نخاف الموت، إذا كان هنالك ثمة شيءٌ يُرهبنا، إذا كان ثمة شيء يُمكننا أن نُعزي إليه جميع آلامنا، وأحزاننا، وكآبتنا، فسيكون إدراكنا بأننا فانون.

تلك حقيقة لا يُمكننا إنكارها، بل إن المُقدمة الفلسفية التي طرحها باسكال في كتابه “الخواطر” تقوم كُليًا على ذلك الخوف، الخوف الذي منشؤه إدراك الإنسان لفنائه، ولضآلته، بل بالأحرى ولحقارته.

رأى باسكال أنه لابد للإنسان أن يؤمن بالله حتى ينعم بشيءٍ من السلام النفسـي، ذلك أن الإيمان يحجب عن الإنسان أهوال الفناء والموت إذ يمدّه بيقين الخلود. فوفقًا لباسكال، هؤلاء الذين أسماهم “ملحدون” هم في شقاءٍ دائمٍ،  يتحدث باسكال على لسان هؤلاء:

“أرى رحائب الكون المخيفة التي تحتضني، وأراني لاصقًا بزاوية من هذا الامتداد الفسيح فما أعرف سببًا لوجودي في هذا المكان دون ذاك، ولا سببًا لأن يكون هذا الأجل القصير من الحياة قد خُصّص لي في هذه النقطة لا في نُقطة أخرى من الأزل السابق ومن الأبد اللاحق. لا أرى من كل جانبٍ إلا لانهايات تشتمل عليّ كذرة وكظل يستمر لحظة ولا يفيء. كل ما أدري أني لا محالة مائت. ولكن أكثر ما أجهله إنما هو ذلك الموت عينه الذي لا أستطيع تلافيه”.[3]

 

وعلى ذلك، فقد طرح باسكال أن الإيمان هو ضرورة إنسانية، وكان من هؤلاء الذين نادوا بأهمية الإيمان عن طريق العادة، أي أن الممارسات الجسدية كالصلاة والأذكار هي بمثابة علاجٍ نفسي لإنها تُنمي فينا إيمان أننا مُخلدون.

بالطبع هاجم الناقدون ما طرحه باسكال، ذاكرين أن الإيمان في هذا السياق هو محض وهم نخلقه لأنفسنا كوسيلة دفاعية لنرد عنا الخوف، واسترسل المُفكر النرويجي “بيتر ويسل – Peter Wessel Zapffe” في شرح هذه الوسائل الدفاعية، وعدد وسائل أخرى سنذكرها، يُشيّدها الإنسان ليحمي نفسه من الوعي الإنساني الذي وصفه زابفي على أنه “أكثر تطورًا مما ينبغي، وذلك التطور التراجيدي يُفـضي لا محالة إلى الكآبة والقلق الوجودي”. [4]

إن ذلك الوعي المتضارب المُبالغ فيه، مُجرد الوعي فقط، يعتدي على سلامنا النفسي، بحيث يدفعنا إلى الرد بمجموعةٍ من الوسائل الدفاعية، التي هي، وعلى حد تعبير بيتر ويسل زابفي، “ضرورية للتأقلم الاجتماعي وكل هذا الهراء الذي يسمونه صحةً نفسية”.

  • العزلة: والتي تتضمن كبح المرء لمشاعره وأفكاره العدائية أو السلبية.
  • الارتكاز: يُشيّد المرء مجموعة من “الأوهام والمبادئ السامية”، كالإله، والحكومة، والقدر، وقوانين الحياة، والمستقبل.
  • الإلهاء: التركيز على مهامٍ أو أعمال معينة لمنع العقل من التفكير.
  • التهذيب: تحويل المشاعر السلبية إلى أفعال إيجابية، وذلك يتضمن ممارسة الفنون والفلسفة والأدب.

 

إن ما يُثير حفيظة الناس إزاء فعل الانتحار هو رهبتهم من الموت، رهبتهم من أن يروا تلك الحقيقة التي يُسكنُونها بُمختلف الأفيونات، من أن يروا ضآلة الإنسان، وتحجّب الله، وتسعّر الوجود.

وإذا أردنا أن نوفر تفسيراتٍ أكثر مبالغة، فسنذكر التنكيل المابعد حداثي للطب النفسـي برمته، فبالإضافة عما ذكرناه عن زابفي، تبنّى فوكو، وألبوستير، وغيرهم في مواضع عدة فكرة أن الطب النفسي ما هو إلا ترويض مُؤدلج تمارسه الحكومات الرأسمالية والأنظمة الشمولية، بغرض قولبة الأشخاص وقمع تفردهم.

وبعيدًا عن الكلمات المعقدة المنتهية بال”ية”، فإن المُجتمع – من هذا المنظور -يقبض ببراثنه على الأفراد، يُملي عليهم تعريفات الجمال، والحب، والعيش السعيد، يُملي عليهم ما هو طبيعي وعادي بما يتلاءم مع التقاليد السائدة وعجلة الانتاج. إن الفرد الذي يصفه المجتمع بالفرد السوي، هو ذلك القادر على الإنتاج، بغض النظر عن أحلامه، وطموحاته، هو ذلك الفرد الذي تتوافق أفكاره وأفكار القطيع، بغض النظر عن جميع السمّات التي تُميزه كإنسان.

باختصار، يرهب الناس الاكتئاب والرغبة في الرحيل، لإن ذلك يُخالف أفكارهم عن الطبيعي، ويّذكرهم بحقيقة الموت.

عن أخلاقية الانتحار.

الانتحار هو فعلٌ مُشين أخلاقيًا وغير منطقي. الالتباس الثانِ الذي نجده في حُكم كهذا، يختص بأخلاقية الانتحار ذاتها، هل يُمكن أن يكون الانتحار فعلاً أخلاقيًا أو صائبًا في بعض الأحيان؟

فيما يلي سنتعرض فقط لوجهات النظر التي تُؤيد أخلاقية الانتحار، أما تلك التي تُعارضها، فسنخصص لها مقالًا آخر مُنفصل. ذلك أن الأولوية هنا للحث على التفكير، ومعارضة الأفكار الدارجة يُفعّل الذهن أكثر من التأييد والتعزيز.

 

سينيكا والرواقيون.

سينيكا هو فيلسوف روماني عاش في الفترة بين العام الرابع والعام الخمسة وستين قبل الميلاد، وهو أحد أعلام المدرسة الرواقية. ويُعدّ من أوائل الفلاسفة الذين جادلوا في حق الانسان في الرحيل، وارتأوا أن نية الرحيل قد تكون مبررةً أخلاقيًا، بل إنها قد تكون أحيانًا الحل الأخلاقي الوحيد لمعاناة الحياة.

وعلى الرغم من أن أسلوب سينيكا يتصف بالبلاغة والبساطة معًا، حتى أن حديثه –في الغالب – لا يحتاج إلى شرحٍ أو تأويل، إلا أنني أجد من الضروري، و قبل ذكر تبريراته للانتحار، التطرق في فقرةٍ أو اثنتين إلى فلسفته عن القوة الخفية التي تُدير عجلة الحياة، والتي أسماها فورتونا – Fortune.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.