تأخذك إلى أعماق الفكر

عملية التفرُّد عند كارل يونغ وماري-لويز فون فرانز

سيكولوجيا ( كيف نترك الحياة تحدث بذاتها )

مِنَ المعروفِ على مدار التاريخ؛ وجود مركزٍ للخليقة، روحٌ بشريّة تعودُ لـذاتٍ كونيّة، والتي تتوارى وراءَ المعتقداتِ والأفكار التي نعرفها عن أنفُسنا. في الدّيانة الهِندوسية يُدعى هذا المَرْكِزُ بالـ “أتمان – The Atman” والذي يُعرف بالذّات الّلانهائية والتي هي أسمى دائمًا من كبريائنا وشخصيّاتنا المُتكلّفة. عرَّفها الرومان قديمًا بالرّوح الحارسة الموجودةِ داخلَ كلّ الناس، يشيرُ إليها المسيحيونَ بالرّوح القُدُس أو بـ”الاستنارة الدّاخلية”، أمّا الهُنود الأصليّون فيلقِّبونها بالرُّوح العُليا التي تتحرَّك في العالم وتتغلغلُ في كلِّ شيء، فلاسفة اليونان يعرِّفونها بالـدايمون – Daemon” الداخلي؛ وتعني مصدرَ الإلهام الخلَّاق والطاقات الكامنة. تابعو “العلمانية الحديثة” اليوم يعرِّفونَ مركزَ الوجودِ هذا بأصلِ الحدسِ البشري، الصوتُ الذي يتحدث في داخلنا حاثًّا الإنسان نحو ما هو صحيح وحقيقي. يبقى الإنسان آملاً أنْ يستطيعَ التعبيرَ عن هذه الحقيقة.

يمكن أنْ يصطلحَ مفهومُ هذه الذّات على أنَّها النُواة الداخليّة للكينونة، النُواة التي تعكسُ المقدّس وتجلبُ الحركةَ والصوتَ للأرض؛ هي الطاقة التي تنبضُ من خلالها قلوبنا ويعبُر بها الهواء رئتينا، إنّها التدفقُ للوعي غيرُ المكتملِ الذي يومًا ما سيسمُو إلى الوحدة مع المُطلقِ.

هذا المركزُ الدّاخلي الذي يملكُ-كما كتبتْ ماري لويز فون فرانز في كتاب”الإنسانُ ورموزه“-الكمالُ المقبل لذواتنا، هو النقطة الوحيدة التي من خلالها تكتملُ صفاتنا وشخصيّاتنا كلّما تقدّمت أعمارُنا–كما تملكُ البذرة كل المُستقبل الكامن للزهرة. كارل يونج دعا هذه النقطةَ الوحيدة(النسخة الأصليّة للذات)، والتي يمكن أيضًا أنْ توصفَ بـ “كيف سنكون إذا اتّحدنا معَ الوجود؟“-هذه الذّات هي كل ما نحن عليه الآن، كما أنّها كلّ ما يمكنُ أنْ نصبحَ عليه يومًا ما. لذلك فهيَ أصلُ اندفاعنا نحو تحقيقِ الذاتِ الخلّاقة.
هي هذه الذات من يسبب ما دعاهُ كارل يونج” عمليّة التفرُّد“، المَسارُ المتمثِّلُ بالإمكانات التي نمتلكها في مرحلة الطفولةِ نحوَ رحلةٍ دائمةِ الاتساع لاكتشافِ النفسِ حيثُ يكمل الإنسان تدريجيًّا وبوعي جوانب شخصيّته غير الناضجة أو غير الواضحة–جوانب أنفسنا التي تجاهلناها أو رفضنا الاهتمام بها–نحو الذّات الكاملة. غايةُ حياةِ الإنسان النهائيّة هي اختبار هذا الكمال والإدراكُ الكامل للذّات الحقيقية؛ ولأنَّ هذه الغاية هي التعبير الكامل لشخصيّة الفرد، فإنّها تتيحُ له أنْ يرسِّخ شخصيّته تجاهَ الفوضى المجتمعةِ غير الواعية.

كما ينبغي على عمليّة التفرُّد هذهِ أنْ تكونَ واعيةً إذا كان هدفُ الشخص الوصول لـتحقيقِ الذّات–والتي يمكنُ القولُ أنّها تتّبعُ شروطَ “الاستنارةِ الدّاخلية”– الشروطُ الخاصّة بالفردِ نفسه والمختلفةُ عن مثيلتها عند غيره. فمدى إدراكُ الإنسانِ للذّات، يعتمد على انتباهه للصوتِ الذي بداخله. في شرحِ هذه الفكرة تستعينُ( فون فرانز ) بأفرادِ قبيلة الناسكابي في كندا الشرقيّة. وهم قبيلةٌ من الصيادينَ الذين يصطادونَ إمّا في مجموعاتٍ منفردة أو منفصلينَ عن بعضهم، وهناكَ يُنمّي كل صيادٍ منهم صلةً قوية مع ما يسمى “الرَّفيق الدّاخلي”أو”الإنسانُ العظيم” ‘Mista’peo’. هذه القبيلة تُعتبَر موضعَ اهتمامٍ؛ لأنها لا تمتلكُ أيَّ معتقداتٍ دينية جماعيّة أو أيّ عاداتٍ قبائليّة، أو إيمانٍ بإلهٍ كليّ القُدرة -على الأقل ليس بنفس الطريقة التي يعرفها العالم الغربي- فكلُّ صياد يعبدُ”الكائنَ العظيم المُقدّس”كما يتكشّف له وحده. يثقُ هؤلاءِ الصيّادون برفيقهم الدّاخلي في إرشادهم الرُّوحي في كل ما يفعلونه، إنْ كان مطاردةَ فريسةٍ أو التنبؤَ بالطّقس المُرتقب. ويؤمنونَ بفكرةٍ أنَّه كلَّما ازدادت ثقتُهم ب”رفيقهم” أصبحوا أكثرَ ثقةً وحكمة! ولذلك، لدى قبيلة الناسكابي علاقتها طبيعية مع الذّات الحقيقية،”عاملُ الإرشادِ الدّاخلي” أو” الإلهُ الذي بداخلنا”، كما يعيشون بدونِ شكوكٍ علميّة ومنطقيّة التي تقلق الإنسان الغربيّ.
يفهمُ النسكابي الدَّورَ الأسمى من وجودنا لكي نتّصل بالمبدأ الكوني الأعلى، ولذلك يؤمنونَ بأنَّنا إنْ استجبنا لنداءاتِ الكائنِ العظيم، سيقودنا لفعلِ وقولِ الشّئِ الصحيح في الوقتِ الصحيح.  والآنَ إنْ حوّلنا تركيزنا لإنسان الغربِ سنرى كيف أنّ لديهِ إيمان “قليل إلى منعدم” بأيّ قوّة عليا،  وبدوره فوَّض نفسه-أو بالأحرى أفكارَه عن نفسه وعن ذاته–أنْ تكون الإله الأسمى. ولذلك، بدلًا من الثقةِ في أنّ الحياة ستنكشفُ له من الذَات اللانهائية، يحاول إيجادَ معنًى لحياته من خلالِ أفكارهِ ومشاعره المُبعثرةِ والقلقة والتي تحاول دائمًا التحكُّم والإمساك بالعالم. إنّ جشعَ مشاعرهِ وهمومه وغضبه هو الذي يبقيه بعيدًا عن الحقيقة، وعن التواصلِ الصَّادق مع كائنهِ العظيم الخاصّ . هو يعتقد أنّه إنْ لمْ يمسك ويتدخل ويتحكّم ربما سيفقدُ نفسه بالكليّة.
لكنْ إنْ منحنا أنفسنا الوقت والمساحة لملاحظة العالم من حولنا والعالم الذي بداخلنا، وإنْ راقبنا جيدًا ما يحدث حولنا، سندركُ كيف أنَّ كل الأشياء التي نفعلها والعقبات التي نجتازها والدروسَ التي نختبرها، كلُّها تحدث من تلقاءِ نفسها– على أنّها”أحداث”، بمعنى أنّها نتائج طبيعيّة وتحدث رغمًا عن أنوفنا. يستخدم الطاويون – (الطاوية هي فلسفة صينية قائمة على تعاليم لاو تزو )، “طبيعي – Ziran” بمعنى”المسبب لنفسه، لأجل نفسه”، ليصفوا كيف يسير هذا العالم الطبيعي بذاته، وكيف أنّه لم يُخلَق بواسطة أي كائن لتنفيذ هدفٍ محدد. الشمس تشرق وتغرب”بذاتها”، الزهور تتفتّح من الأرْض”لذاتها”، نبضات قلوبنا تحدث”بذاتها”. و لذلك-بنفس الطريقة-تطور ذاتنا، حيث لا يمكن تحقيقه عبر المجهود الشخصي الواعي أو الإرادة الحديديّة أو التصميم–لكن-مثل الأزهار والشمس المشرقة والقلب البشري- حدث بذاته بدون مسبب.

هذا لا يعني أن نقولَ أنّنا لا نستطيعُ المشاركة في نمونا الذاتي، لكن بدلًا من ذلك فإنَّ مسؤولية كلّ إنسانٍ هي أنْ “يتعاون” مع الذّات اللانهائية.

إعلان

تكتب فون فرانز أنَّ الحياةَ لا تَخلق الذات لكي يكونَ الإنسانُ عبدًا لدوافعه، لكنْ تسمح الذّات للإنسانِ بأنْ يكونَ واعيًا بتطورّه، وتطوّر الآخرين من حوله. نحن لا نعرف هل تمتلك الزهرة الوعي لتعرفَ أنّها نشأتْ كبذرةٍ في الأرض ، لكن الإنسانَ يفهمُ أنّه وُلِد، وأنه كلّما تقدَّم بالعمر يصبحُ أكثر وعيًا بتطوّر ذاته. وباختصار؛  فإنَّ هذا الوعي هو الذي يتيحُ للإنسانِ أنْ يتعاونَ مع لاوعيه. وبالنسبة للاوعينا فإنّه سينفّذُ ما نحتاجه لكي نتقدم نحو التفرُّد. لكن إن لم نستمعْ، إنْ لم نأمل إيجادَ الإجابة، إنْ تملَّكنا الجُبن، سنظلُّ نحيا نفس التجارب المتكرِّرة حتى نفعل أخيرًا ما أخبرتنا به الذات من البداية. عملية التفرد إذًا هي عمليّة السَّماح لطبيعتكَ الخاصّة أنْ تعتني بنفسها. وبالرَّغم من أنَّنا لا نستطيع تحديد أنفسنا ولا نقدر على التفكيرِ كما نُحبط أنفسنا في رحلة تحقيق ظروفنا المأمولة. دورنا الوحيد هنا؛ هو أنْ نكونَ المُلاحظ الواعي لما يحدثُ داخلنا.

في كتاب “البهاغافاد غيتا” المقدّس–كتابٌ هنديّ مقدَّس في الديانة الهندوسيّة-ينصح (كريشنا) (أرجونا) أن يتخلّى عن اهتمامه بنتائجِ عمله وبدلًا من ذلك أنْ يركِّز فقط على أداءِ العملِ بشكلٍّ جيّد.

اعمل على أنْ يكونَ الباعثُ للفعلِ هوَ في الفعلِ نفسه، وليسَ في نتائِجه. ﻻ يحفِّزكَ اﻷملُ في المُكافأةِ على العملِ إطﻼقًا وعلى الجانبِ الآخر، ﻻ تدعْ حياتكَ تضيعُ في الَّلافعل.

الفصل الثاني-المقطع 47

وهذه نصيحةٌ صحيحة تبعًا لعمليّة التفرُّد. لا ينبغي علينا أنْ نحزنَ أو نغضبَ عندما يُعرقَل نموُّنا، كما لا ينبغي علينا أن نضعَ خططاً واعيةً للتغلُّب على هذه العقبات، لكن بدلًا من ذلك يجبُ علينا التسليم لنبضِ إدراكنا الذاتيّ، وأنْ نسمحَ للذَّات اللانهائية، “نورنا الداخليّ”، أنْ يقودنا نحوَ الكمالية. يجبُ على ذات الإنسان أن تتركَ محاولاتها للتحكُّم بالعالمِ من حولها وتفترض وجودًا أعمق وأبسط، ومن ثَمَّ تسمح للفرد بالتخلُّص من طريقته المعتادة وتسمح للنمو الداخلي الطبيعي بالحدوث بدون تعجُّل أو قلق. هذا المنظورُ مشابِهٌ لمنظورِ الرَّواقية القديمة والمسيحيّة العتيقة والهندوس– من منظورِ أنّنا كُلنا تحت ضوء وتصميم قوة أعظم من أنفسنا وليست لدينا طريقة لفهم أنظمة حيواتنا، من ثَمَّ فإنَّ الشئَ الوحيد الذي نستطيع فعله؛ هو أن نقتربَ من المصدرِ ونثق بذاتنا الصّادقة.

المصدر

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أبانوب رأفت

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.