تأخذك إلى أعماق الفكر

عاشق من الدرجة الرابعة

أرى الكثيرين من محبّي وعشّاق الرائعة أم كلثوم يتحدثون عنها بكلّ وَلَهٍ وحُبّ وهيام، المحبة في حديثهم تجعلني في كثير من الأحيان أخجل أن أصرح بحبي لها، وكيف أصرح بحبي ولست مطلعًا على كامل تراثها ولا أعلم جزءًا من مقدار ما يعلمون! أجدهم يملكون الكثير والكثير الذي يساعدهم عند حديثهم عنها، ولكن ماذا أملك سوى بضع أغانٍ ليست بالكثيرة استمعت وأسمتع إليها مرارًا وتكرارًا، ولكن بداخلي عشق لأم كلثوم يزداد يومًا بعد يوم، حب بل قُلْ هيبة واحترام لما كانت تملكه من قدرة خارقة على إيصال الأغنية والتي مكنتها من التربع على عرش الغناء لما يقارب نصف قرن، وجعلها تتواجد بشكل كبير ومؤثر ومنتشر حتى الآن.

حتى في هذا الزمن الذي يشتكي الكثيرون فيه من رداءة الذوق الفني والأغاني المنتشرة، ولكن إن استمعت وتابعت جيدًا، ستجد أم كلثوم يستمع إليها كلّ الأجيال، بدايةً من الأطفال الذين قد لا يدركون ما تقول، مرورًا بالشباب، وحتى الجيل الكبير الذي عاصرها أو لم يعاصرها ولكنه أتى بعد وفاتها ببضع سنوات وأقل حين كانت ما زالت سطوتها بالتأكيد أكبر من الآن.

هيبة أم كلثوم لا أدري من أين تأتي ولا كيف تأتي، أستمع إليها وأشعر بدلال وتيه مع صوتها الآسر للعقل والقلب، تكرر الجملة مرات ومرات بدون ملل أستمع وأستمع، وأستمتع بكل مرة تعيد بها جملتها بشكل غاية في الاتقان والإبداع والتميز، بلا شك أغبط الأناس الذين حضروا زمن أم كلثوم، أغبط جمهورها الذي كان باستطاعته أن يحضر لها ولو حفلة واحدة من الحفلات التي كانت تقيمها، والذي كان يتابع أخبارها بشكل مستمر بالجرائد وفي الراديو.

لم أشعر بحق بمكانة الست، أو ثومة كما يطلق عليها الكثير من محبيها وعشاقها والذين أنا واحد منهم، ولكني أفضّل لقب الست، فأول من تتبادر لذهني عند سمع ذلك اللقب هي أم كلثوم ولا أحد سواها، يداعب صوتها أذني وكلماتها روحي وقلبي، أحب ذلك اللقب أو تلك الكلمة لما تحمله من معاني عظيمة، ولكن هل الكلمة التي تحمل معاني عظيمة أم أنّ إطلاقها على أم كلثوم هو الذي حملها تلك المعاني وجعل المشاعر التي تتبادر وتتهادى بقلب كل محب لها حينما يسمع هذا اللقب؟

عندما بدأت في محاولة معرفة أم كلثوم أكثر وأكثر لم أكن أدرك بأني سأقع في غرامها بهذا الشكل؛ لأني، على ما أعتقد، صعب أن يأسرني شيء بسهولة ويجعلني أعيش متيمًا به.. هي جعلتني كذلك، وكأني وقعت بهوة أو بموجة وبدلًا من أن أخرج وأهرب منها، تتقاذفني المياه والأمواج إلى الداخل، لا أحد يحب الغرق ولكني في دوامات بحرها أحب وأشتهي الغرق ولا أريد النجاة ففي غرقي ببحرها حياة لا يدركها الكثير، لا يدركها سوى عاشق ومحب لها.

إعلان

أم كلثوم بالنسبة لي ولكثيرين ليست، وبالطبع بدون كلامي أو شهادتي تلك أو شهادة أحد، هي ليست مغنية بالتأكيد، ولكنها مطربة ساحرة تحوز على قلوب وعقول مستمعيها ومحبيها، لاتدري أي شيء تملك أم كلثوم وأي سطوة كانت لديها لتسيطر على قلوب الملايين خلال حياتها في جميع أرجاء العالم، وحتى بعد مماتها لما يقارب النصف قرن أيضًا.

أحب الحديث عنها، أحب الاستماع لها بشكل مطلق؛ صوتها العذب كفيل بتحويل المزاج المتكدر لمزاج فرح بكل سهولة ويسر، معها وأنت مستمتع ومستمع وعاشق ومنعزل عن العالم بصوتها ورفقتها، وتتمنى لو أنك تحضر إحدى حفلاتها، كالدرويش في حلقات ذكره منفصل عن العالم بشكل كامل.

أحاول أن أتابع بشغف كل ما يُكتب عنها، كل ما يصدر من قلب محب لها، هي لدي لا تقع تحت أي تقييم فهي خارج التقييمات الممكن وضعها تحت إطارها، أحاول بشغف متابعة كل الأفلام الوثائقية التي تتحدث عنها، كل حلقات البرامج المخصصة لذكراها، سواء ذكرى ميلادها أو وفاتها، أحاول اقتناء كل كتاب وكل كلمة كتبت عنها، أن أتعرف على تراثها العظيم الذي تركته لنا، ولا أكتفي بمجموعة قليلة من الأغاني، ولكن سحرها وعذوبة صوتها وروعتها يحول دون ذلك ولا أدري كيف، ولكن ذلك يجعلني أتيه معها في دروب المحبين والعشاق وأنا أستمع ولو إلى أغنية من أغنياتها، كل مرة أكتشف جديدًا، وأطرب من جديد، لا أمل ولا أشعر بضجر من أي أغنية من الأغنيات التي أعرفها، أتوق وبلا شك لمعرفة المزيد ولكن كلما تعرفت إلى أغنية من أغانيها، أقع أسيرًا لها ولسطوتها التي تفرضها علي أثناء الاستماع ويصعب علي التحرر من أسر ذلك الجمال.

أحب الحديث ولكن في كثير من الأحيان أصمت وأدفن حبي لها بداخلي، الحب الذي لا أقدر على دفنه كثيرًا من الوقت، مع أم كلثوم فلا عاشق يقدر على دفن عشقه أو مداراته.

لا لوم على عشاق أم كلثوم من حولها حين وجودها، إن كان مستمعوها بعد مرور ما يقارب النصف قرن على وفاتها يعشقونها، فلا لوم على عشق شاعر أو ملحن لها، فكيف لمبدع ألا يقع تحت تأثيرها.

أصمت في كثير من الأحيان لدنوّ منزلتي في عشقها، فيوجد الكثيرون من سبقوني في درجات عشقها، وأمام حديثهم لا صوت يعلو على صوتهم، حين أصل لدرجات عشقهم فقط، وقتها يمكنني الحديث كما يتحدثون عنها.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.