تأخذك إلى أعماق الفكر

طبقة أم طبقتان؟ قصة قصيرة

قصّة رمزيّة حول تغافل الإنسان عن الظّلم الاجتماعيّ، وكناية عن الطبقيّة الاجتماعيّة

أعاني انفصامًا في الشّخصيّة، ربّما، هكذا قالوا لي! فحينًا أتفاخر وأتمختر على موائد الأغنياء، وحينًا آخر أختبئ في القمامة ألعب الغمّيضة مع الفقراء. غالبًا ما يرونني في مكانين في آنٍ واحد، يا للعجب.. لا أدري كيف يحدث ذلك!

أكره الرّوتين؛ فأطالب بتعديل مكوّناتي، من قمح وشوفان وحبوب على أنواعها، ربّما القليل من السّكّر أو الملح أو الحليب، ممممم لا.. لا.. أريد الزّعتر والزّيتون والجبن واليانسون وحبّة البركة. ما زلت أحتاج إلى هندامٍ يناسِبُ مزاجِي. مستدير؟ لا، مستطيل؟ ربّما، مبلطح؟ لا أدري، أفضّل المرفوخ. ماذا يحبّ زوّاري؟ طبقةٌ أم طبقتان؟ عمّالٌ كثيرون يحرصون على تلبية طلباتي، منهم من يعاملني بلطافةٍ، ومنهم من يتذمّر. منهم من يكدح، ومنهم من يتلكّأ. ويبقى الرّئيس الجالس في برجه يدفع الأجور الجائرة يغيظني؛ فهو لا يصغي إليّ أبدًا، قَسَمًا لو كنت مكانه لأكرمتهم جميعًا.

لم أعد أحتمل الانتظار! إلهي، لماذا يضعونني فوق هذا اللّوح الخشبيّ كالمصلوب كلّ تلك المدّة؟ ألم تحن ساعتي بعد؟ أريد تذوّق المأكولات، الآن، كلّها بدون استثناء. أعشق تبديل اسمي، من رغيف إلى سندويشة إلى “بيتزا” إلى “باغيت” إلى “توست” فأغيّر بذلك جنسيّتي وأهرب من شرطة الذّوق متسلّلًا إلى الأمعاء الباهظة. لكن ما زال البعض على الرّغم من ذلك يبصقني ويرميني ويدهسني، يا للحقارة وقلّة الاحترام! حتّى أنّ بعض الأهل يغفلون إرسالي إلى المدرسة، وقاحة.

أتتخيّلون كم من الأطعمة الشّهيّة ألاعب وأداعب وأحتضن؟ آهٍ من اللّحم والدّجاج والسّمك والخضار وأفخر الخلطات والصّلصات والتّوابل. حتّى إنّ للبعض أفكارًا غريبةً؛ إذ يأكلون بي الفاكهة من بطّيخٍ وعنبٍ وبرتقالٍ وغيرها. يشتريني أناسٌ مختلفو الأعمارِ والأجناس والألوان والطّبقات الاجتماعيّة، يتناحرون على أبواب الأفران، وتندلع بسببي المشاجرات؛ فأشعر بالمديح وأبعث أمرًا برفع أثماني. أجل، أنا الآمر النّاهي، أتحكّم في الاقتصاد العالميّ، ومنه بالسّياسة الدّوليّة، وأتلاعب بالجميع كما يحلو لي.

انظروا هناك، ها هي طفلة تجرّ أخاها، كم أحبّ الأطفال، يأكلون بشهيّة. لماذا يبدوان بهذا الشّكل يا تُرى؟ نحيفان جدًّا، شعرهما مجبول بأوحال الزّمان، وجهاهما ملطّخان بالأسى، ثيابهما مزّقتها العدالة والإنسانيّة. التقطاني، هيّا، أخطأتما الهدف، هاهاها! محاولة أخرى، لا تملّا! أفٌّ، أخّ، هندامي، تمزّق، احذرا، انشطرتُ، لن أكفيكما، أصبحتُ فتاتًا ذائبًا، لا.. لا.. لا تأكلاني، ستمرضان، ولا أريدكما أن تمرضا؛ فأنا أحبّ الأطفال. هم المستقبل، هم الأمل، أنا الأمل، أنا وسيلة تضمحلّ، أقطر صلصة شحّت في الشّمس الحارقة على حال زائريّ. لحظة، انتظروا.. والداهما، لن يأكلا، لن يبكيا إلّا سرًّا، لن يغضبا، سيتكاتفان، سيجوعان معًا حتّى آخر رمقٍ، سينفضان عنّي العفن، وسيقنعان صغيريهما أنّني لست كريهًا كما يدّعي الجميع.

إعلان

أنا خبز اللّاخبز، رغيفٌ من دون طبقات، وهميّ لم أملأ أمعاءهما إلّا في النّيّة. لن أملأها يومًا، ما نفعي إذًا؟ لماذا صُنِعتُ؟ ما هدف وجودي؟ واو! وعاءٌ من ذهب؟ كافيار؟ كم لذيذة الزّبدة على سكّينٍ من فضّة! والتّحلية لا تقاوَم حقًّا. هاتِ قضمةً صغيرةً فقط، لا يجوز أن أسمن.

نرشح لك: قصة قصيرة الغد يَنقُصُه الخوف.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هبة يزبك

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.