صوت الفلسفة: جيمس ترتاغليا

قد تكثر أسئلة الفلسفة، حيث يشمل هذا العلم كافة مناحي الحياة، ولكن، هل خطر ببال أحدنا إن كان  من الممكن أن يتقاطع صوت الموسيقى مع الفسلفة؟ تصور نفسك في قاعة فسيحة تنتظر بصبر الفيلسوف المحاضر الذي أتيت لسماعه، فإذا به يصعد المسرح وبدل طرح أحجيته، يقوم بغنائها!

ترى، ما شعورك خلال فترة المحاضرة المغناة؟ هل ستشعر بالملل؟ لا شك ستشعر ببعض الغرابة، وقد يثير المشهد بعض السخرية، ولكن الفضول سيبقيك في مكانك لا تبرحه. ولنفترض أن هذا الفيلسوف قام بأداء أغنية يستنار من كلماتها في قضايا فلسفية غاية بالأهمية، ولنفترض أنهم يرددون مع الجوقة الموسيقية هذه الأحجيات الفلسفية بنمط الغناء! ألن تقوم بالحديث عن هذه المحاضرة (الغريبة) لوقت طويل؟

ربما المقدمة فيها هامش من المبالغة، ولكننا لا نستطيع الإنكار أن محاضرات الفلسفة مملة، حيث يقوم الفلاسفة بطرح المعضلات الفلسفية بطريقة يصعب على الكثيرين إدراكها، رغم أن المهم هو المضمون.

ومن المؤكد أنه لا يمكن لأحد أن ينقل ثراء المحتوى الموجود داخل المحاضرة الفلسفية عن طريق أغنية، ولكن قد تقوم الأغنية الثرية بالمحتوى الفلسفي باستثارة العديد من الأسئلة.

حتى لو كانت الأغنية دقيقة ونقلت مضمونًا عميقًا مثل الأوديسة، ولكن فكرة المزج بين الموسيقى والفلسفة ما تزال تخيف الكثيرين من الفلاسفة. وهذا ما يوضحه البروفيسور ديفيد تشالميز في كتابه “معضلة الوعي الصعبة”، حيث يوضح تشالميز أن فكرة الموسيقى بحد ذاتها عميقة، ولها دور مهم في تنشئة وعي عميق تجاه القضايا الكبرى التي تناقشها الفلسفات المختلفة.

إعلان

وخير مثال على ذلك؛ هنالك فلاسفة كانت لديهم موهبة موسيقية، مثل شوبنهاور الذي أجاد عزف الفلوت، ونيتشه الذي كتب مقطوعات بيانو رغم أنها لم تر النور، ودونالد ديفيدسون الفيلسوف التحليلي الذي كان عازف بيانو.

سخافة وتعقيد:

يبدو أنه لا يمكن تبرير الجمع بين الموسيقى والفلسفة، فمجرد محاولة الدمج تعد فكرة سخيفة، فالموسيقى ليست الوسيلة الأفضل لنقل غنى وتعقيد محتوى الفلسفة.

لذلك يجب أن نسأل أنفسنا عن الأسباب الموجبة لمثل هذا الوصف:

أولًا: ربما يعود السبب إلى أن الفلسفة مرتبطة بعمق في الطرح والتفكر، في حين أن الموسيقى قد تمزج بين الطرح الجاد وغير الجاد، بين التفكر والترفيه، وهو ما لا تطرحه الفلسفة بالمطلق، بل هي مسألة عبثية لدى الفلاسفة.

وثانيًا: إن تعقيدات الفلسفة تجعل من مجرد محاولة نقل بعض أفكارها من خلال الموسيقى أمرًا صعبًا للغاية، حيث إن تفاعلات طلبة الفلسفة مع جهود بعض الموسيقيين لفلسفة الموسيقى يعد أمرًا معقدًا جدًا وليس بالهين أبدًا. ويحتاج إلى سعة اطلاع على المفاهيم الفلسفية ثم إيجاد ربط منطقي مع الموسيقى.

لهذه الأسباب تعد عملية تطويع الفلسفة للموسيقى أمر يصعب تحقيقه.

أسباب تدعوك لتكون موسيقيًا:

مع أن نقل المحتوى الفلسفي عبر الموسيقى ليس السبب الرئيس لهذا المقال، إلا أن تناول فكرة الجمع بين الفلسفة والموسيقى هو أمر يجب أن يتخذ بجدية، إن الفلسفة تلهمنا من خلال نقل الأفكار والحجج والتعاطف معها، ومحاولة ربطها مع حياتنا الخاصة، وبالتالي لا بد من إيجاد طريقة سلسة لمثل هذا الربط، وهنا يأتي دور الموسيقى.

ولعل خير مثال على ذلك هو العالم الشهير شوبنهاور الذي أوضح يأسه من الحياة من خلال إبراز قسوتها في كتاب العالم إرادة وتمثل، وطرحه لأمثلة العذاب الذي تعيشه الكائنات المختلفة حين تحتضر، وهو مشهد رعب يتكرر عامًا بعد عام، وهذا ليس بالأمر الغريب عن فيلسوف كشوبنهاور الذي يحمل نظرة قاتمة للحياة.

وهدف شوبنهاور من خلال التأثير الفني، رسم موقفه من الحياة، ليحصل على تعاطف قارئه مع أفكاره. وربما أن هذا التأثير الفني غير الجدلي قد ألهم الكثيرين لاتخاذ شوبنهاور الفيلسوف المتشائم على محمل الجد، وذلك من خلال النظر في حججه لمعرفة إن كانت هذه المشاعر مدعومة بشكل جيد أم لا.

أما المثال الثاني الأحدث فهو لديريك بارفيت (1984) الذي استخدم تجربة التفكير عن بعد لفحص فكرة البقاء على قيد الحياة من خلال استمرارية الذات عبر الذكريات المستمرة، والأفكار، والخبرات، وسمات الشخصية، وما إلى ذلك، كما هو معروف لمشجعي (ستار تريك/ آلة خيالية تقوم على مسح جسدك من أجل خلق نسخة طبق الأصل في مكان آخر، وتدمير الجسم الأصلي). ويكمن هدف الفيلسوف بارفيت من هذه الأحجية الفنتازية هو التساؤل حول إمكانية تخليد الذات البشرية  للفرد، عبر المحافظة على إحساسه من خلال نسخة طبق الأصل، والتي من الممكن أن تسافر عبر الأزمنة، أو الفضاء الخارجي. ويعترف بارفيت أن الأمر يقلقه وأن الفكرة بحد ذاتها غير منطقية، ولكن من خلال طرح فكرته عبر حث مشاعر الآخرين، قد تجعلها منطقية لدى البعض.

بالمحصّلة؛ إن الناس تتفاعل بقوة مع المفاهيم الميتافيزيقية، أو الفلسفية المعقدة، في حال شعروا أنها تستحث العواطف والمشاعر، ولعل عرض مثل هذه الأمثلة يشير إلى أن الأفكار الفلسفية من الممكن أن تتأطر لتؤثر على المتلقي من خلال استخدام الفن: من حيث استثارة الحدس، من خلال العاطفة، والغموض، وحتى الخوف، مما يجعلها قريبة من واقع المجتمع المعاش.

لذلك، ليس من المستغرب أن يساهم الفلاسفة في إثراء الفنون لإلهام جمهورهم والحصول على تأييد لأفكارهم، فالهدف النهائي للفلسفة هو معرفة الحقيقة، ولكن في كثير من الأحيان نستطيع الوصول للحقيقة، لكن ليس من خلال تقديم الحجج، بل باستخدام مسارات أخرى من خلال الفن، مما يساهم في فهم أنواع الحقائق المختلفة التي نريد اكتشافها، وهذا يساعد على عملية استدامة وتحفيز بحثنا عنها، وليس بصورة أكاديمية، لكن بشكل يساهم في جعلها دعامة أساسية لتاريخ الفلسفة.

فلو قام الفيلسوف بالتأثير على جمهوره من خلال الموسيقى على سبيل المثال، مع المحافظة على الفلسفة المطلوب إنتاجها، فإنها ستؤدي إلى عمل فلسفي قيم، وتعاطف ومشاركة جماهيرية غفيرة.

وبالتالي فإن الموسيقى تساهم في فكفكة ألواح الفلسفة الأكثر تعقيدًا من الناحية النظرية، وتقديمها عمليًا للجمهور بشكل يساهم في زيادة الوعي.

وعلى هذا النحو، فإن الأداء الموسيقي للفلسفة متشارك مع أهداف الفلسفة التجريبية، والتي توفر  فحصًا ممتازًا يمكن الفلاسفة من استخدام الحدث والتحقيق تجريبيًا على عينة تمثيلية من الجمهور، مما يظهر ردود فعل الجمهور للآثار الجدلية في الفلسفة التي تساهم في الحفاظ على مستوى جيد وذو محتوى فعال، وجمهور مستجيب. [1]

فلسفة الأداء

لقد أصبحت فلسفة الأداء حقيقة واقعة في الأعوام الأخيرة، وهي تنتشر بسرعة (انظر performancephilosophy.org). الأمر لا يشمل الموسيقى فحسب، بل أيضًا الرقص والمسرح، والأفلام، وجميع أشكال الفنية التي يمكن أن تكون مستوحاة من الفلسفة وإلهامها. أعتقد أننا يجب أن نرحب بهذا الأمر، لأنه رغم أن بعض الفلاسفة يحبون أن يفكروا في انضباطهم  بصفته فرعًا من فروع العلم، فالفلسفة لديها علاقة قوية مع الفنون، وينبغي الاحتفاء بهذه العلاقة بدلا من إخفائها. ويمكن أن نرى هذا الترابط مع الفنون على الفور من حقيقة مفادها أن تاريخ الفلسفة هو جزء حي من الفلسفة، على نحو لا يمكن أن يكون فيه تاريخ العلم جزء من العلوم المعاصرة: فالفسفة، مثلها مثل الشكل الفني (ربما حتى شكل فني)، لها شخصيات أساسية احتفظت بأفكارها مئات السنين، أو حتى آلاف السنين. أفلاطون وديكارت لن يتلاشيا من أفقنا مثل شكسبير ورمبرننت، أو بتهوفن. العلم القديم على النقيض من ذلك، هو عادة علم عفا عليه الزمن.

وهنالك سبب آخر للترحيب بتطوير فلسفة الأداء وهو أن الفلسفة -لكي تكون واضحة- لديها مشكلة في الصورة. مشكلة الصورة “توجا/ أنبوب، ونعال/وافل عديم الفائدة”. حيث أن العلم عالميًا يدرس في المدارس الابتدائية، ويولد المشاهير، حيث تغمرننا بالثقافة، وننغمر بالعشق، ومن ناحية أخرى، ينظر إلى الفلسفة بعين الشك في العديد من الأوساط، وتظل مصلحة خاصة خارج المهنة العنيدة المنعزلة نفسها.

وهذا على الرغم من حقيقة مفادها أن الفلسفة في الواقع منتشرة في كل مكان، فهي تزحف إلى أفلام البلوك باستر[2]، وأعمال فنية رائدة، وروايات أكثر بروزًا بتواتر مفاجىء، إذا تم الإشادة بالرواية بعمقها الفلسفي. مما يعني أن هنالك القليل من الغزل للفلسفة. ولكن قليل منا فيما عدا متعمقي الفلسفة قد لاحظوا الأمر. فبدلًا من أن يبقى الفن مصدرًا غير مرئي على الملأ لكي يعتمد عليه، لعله قد حان الوقت لكي تبدأ الفلسفة بالاعتماد على الفن. بحيث يكون قد بدأ في أن يكون موضوع تقدير أكثر قليلًا.

وعلى أية حال، فإن الفلسفة تحتاج بكل تأكيد إلى رفع مكانتها، لأننا الآن على حافة فتوحات تكنولوجية على حد تعبير إدورود ويلسون: “سوف توصلنا إلى أعظم معضلة أخلاقية منذ خطاب الله لإبراهيم” (معنى الوجود البشري، ص14). هذه الهاوية الأخلاقية هي الأكثر أهمية في مجال الذكاء الاصطناعي والجينات، وإذا استمرت الفلسفة على مسارها الحالي الذي لا يتزعزع، سوف نجد أنفسنا قريبًا مع حالة شاذة أمام مقاعد في لجان الأخلاقيات التي يتناولها العلماء. وتحتاج الفلسفة بشدة إلى المزيد من التأثير إزاء الثقافات، الذي يمثل زيادة الوعي العام بداية طيبة. إن الفلسفة كأداء قد تساعد. ووذلك إن كنت تعتقد أن هذا سيؤدي إلى أن تؤخذ على نحو أقل جدية، أو كنت تتراجع عن افتراض الذي لا يفكر حول الإيجاز. وعلى أية حال، عندما يتعلق الأمر بالمسائل الفلسفية الكبرى التي تواجهنا اليوم، لست متأكدًا من تأثيرها الذي قد يكون أقل بكثير مما عليه الحال الآن.

وأعود إلى فيلسوفي المغني، وأنا شخصيًا سوف أغني تلك الأغنية عن طيب خاطر، لسوء الحظ، لترديد الكلمات التي لا تنسى لعازف الجاز إيرول غارنر: “صوتي أسوء من صوت لويس أرمسترونغ”، ولهذا السبب استأجرنا مغنية محترفة لألبومنا “موسيقى الجاز والفلسفة”؛ فالفلسفة تستحق ذلك.

[1] المقال الأصلي
https://philosophynow.org/issues/119/The_Sound_of_Philosophy
[2] A blockbuster is a Hollywood movie that's made with a large budget and big stars

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا