صراع الغرائز: تغير الأقطاب

تستند بنية الصراع النفسي عند فرويد على التعارض بين نوعين من الغرائز التي تمثل القوى المنبعثة من التركيب الفسيولوجي والكيميائي للإنسان.

غرائز الأنا: وهدفها المحافظة على ذات الفرد تبعًا لمبدأ الواقع.
الغرائز الجنسية: التي تسعى لتحقيق اللذة عن طريق خفض حالة التوتر المسببة للألم وتصدر عن الليبدو. والليبدو يمثل عند فرويد الطاقة التي تظهر في تلك الدوافع الجنسية وتكون على هيئة كميات قابلة للتحول والتجمع ويمكن انتقالها من منطقة في الجسم إلى أخرى قبل الاندماج والسعي نحو هدف خارجي (1).

لكن ماذا لو أن سعي الليبدو اتجه نحو هدف داخلي؟

يأتي اكتشاف مفهوم النرجسية الذي سيخلخل مفاهيم التحليل النفسي التي أرساها فرويد حب الذات أو النرجسية باستعارة الأسطورة الإغريقية يعني: “استثمار الطاقة الليبدية في الذات نفسها” (2)، وهو مصطلح يصف الفرد الذي يحتفظ بما لديه من طاقة داخل ذاته ولا يوجه شحنتها نحو الأشياء الخارجة عنه. أي أن الليبدو يستثمر غرائز الأنا بما تحمله من طابع بارز يتمثل في دافع البقاء والمحافظة على الذات، وهو بذلك يمثل عنصر للغريزة الجنسية باتخاذه لذات الشخص موضوعًا له.

من هنا تأتي محاولة جديدة لفرويد في تحويل الصراع بين “غرائز الأنا والغرائز الجنسية” إلى “غرائز الأنا وغرائز الموضوع”. لكن هذا الرأي أوقعه في أيدي معارضيه الذين نسبوا إليه القول بأن الجنس هو كل شيء وأهم شيء، لأنه حينما يقول بأن الذات نفسها محملة بالليبدو فهو في ذات الوقت يحيل غريزة البقاء إلى أصل جنسي، ويتخلى عن فرضه التأسيسي بأهمية الصراع بين ثنائية الغرائز.

نرشح لك: كيف يمكن أن تنقذنا النرجسية؟

إعلان

يقول أرنست جونز:

“العمل المنجز حول النرجسية قد سدد ضربة قاسية لنظرية الغرائز التي ارتكز عليها التحليل النفسي فيما سبق ( 3 )“.

استمسك فرويد بفكرة الصراع ووجود قطبين في النفس يتنازعانها حتى جاء الوقت الذي أعاد فيه تعريف طبيعة النزاع بين الدوافع وفهم انطلاق الليبدو من البؤرة النرجسية.

رأى فرويد في حالات الهجاس التي يتوهم فيها العصابيون إصابتهم بالمرض عدم تحقيق نفع أو تقليل لألم. بل إنه في ظاهرة أخرى “عصاب الصدمة” وجد أن الجنود الذين تعرضوا لصدمات أثناء الحرب كانت تتكرر لهم تلك الخبرة المؤلمة في الأحلام. والحلم بوصفه وسيلة لإشباع الغريزة المكبوتة، من المفترض أن يؤدي إلى اللذة. لكن في تلك الظاهرة يتعرض الشخص للخبرة المؤلمة فيزداد تألمه ( 4 ).

فكيف نفسر تلك الظواهر العصابية وتلك الأحلام وغيرها من النزعات الصادرة عن الأنا مثل: السادية والمازوخية؟

نتجت عن تلك الظواهر وغيرها* رؤية جديدة لدوافع تدمير الذات تتم عن طريق عملية تلقائية تهدف إلى استعادة حالة سابقة ترسخت في الإنسان بعدما تخلص منها في مرحلة من مراحل تطوره تحت ضغط القوى الخارجية، فهي ميل للمحافظة على حالة تتصف بالثبات والسكون، الحالة اللاعضوية.

“تظل المراحل البدائية دائمًا ممكنة البلوغ والاستعادة، فالحالة البدائية لا تفنث، كذلك الإنسان البدائي لا زال على قيد الحياة في كل فرد (5)“.

ذلك الميل إلى تكرار بعض الخبرات المؤلمة أطلق عليه فرويد “إجبار التكرار”، وهو وإن كان يناقض عملية تواتر اللذة والألم فإنه أكثر عراقة في البدائية وأكثر تغلغلًا في الفطرة، “حتى لينتحي مبدأ اللذة جانبًِا لكي يحل إجبار التكرار محله”. (6)

هكذا تنتقل بنية صراع الغرائز إلى صراع بين الحياة والموت (إيروس، ثاناتوس)

فغرائز الأنا والغرائز الجنسية التي كانت متقابلة سابقًا، دمجها فرويد ضمن غرائز الحياة التي تهدف إلى استمرار الحياة وحشد المزيد من المادة الحية لتأليف وحدات أكبر وأوسع عن طريق الربط والدمج والبناء.

بينما غرائز الموت ذات النزعة العدوانية التي تتمثل في إيذاء النفس وإيذاء الآخر، تهدف إلى معارضة دافع الحياة وتفكيك تلك الوحدات للعودة إلى نقطة اختزال كامل للتوتر تكمن في الحالة اللاعضوية والمادة غير الحية.

اقرأ أيضًا: سيجموند فرويد تفسير الأحلام والأنا العليا ومجموعة من أبرز أفكاره

المصادر
1- ما فوق مبدأ اللذة. فرويد
2- المرجع السابق
3- التحليل النفسي: أسسه الفلسفية ومكتشفاته الكبري. بول لوران أسون
4- الأنا والهو. فرويد
(*) : رأي فرويد في هجرة الأسماك والطيور حالة من حالات إجبار التكرار
5-  المرجع السابق
6-  الحب والحرب والحضارة والموت. فرويد

إعلان

فريق الإعداد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا