تأخذك إلى أعماق الفكر

سقراط: ما الذي يجعل الإنسان حكيمًا؟

تخيّل أنَّك تعيش في بلدةٍ حيثُ هناكَ إنسانٌ قبيحٌ وذو أنفٍ كبيرٍ وتفوحُ منهُ روائحٌ كريهةٌ يتجوّل بها مقللًا من ذكاءك؛ بينما أنتَ تكنّس ساحتكَ أو تغسِل ملابسكَ خارجَ المنزلِ وتفكّر في أعمالِكَ، يأتي إليكَ هذا الرَّجل ذو الرَّائحة الكريهةِ ويبدأُ بنقاشك، قذارتُه الجسديّة وشكلُه المنفّر لا يعطيكَ انطباعًا أوليًّا جيّدًا عنْه.
سمعت عنه من قبل، كثيرٌ من جيرانك اشتكى منه؛ لأنَّه جعلهم يشعرون بأنَّهم حمقى. لقد كنتَ تستعدّ لذلكَ بصقلِ دراساتكَ واثقًّا أنّه لن يستطيعَ إرباككَ بأي سؤالٍ يرميكَ به. كانت هذهِ فرصتُك لكي تلتمعَ لكي تُظهر كم أنتَ ذكيّ.

– “مرحبًا. هل تعتبرُ نفسكَ إنسانًا حكيمًا؟ هل تعتقد أنَّك فردٌ ذكيّ؟”
تجيب: “نعمْ بالتأكيد أعتقد ذلك. لن أقولَ إنني أذكى إنسان في العالم لكن أعتقدُ أنني أتصرَّف بشكلٍ – بالنسبةِ لي – جيدٌ جدًا .”

– “جيد. لقد كانتْ تُؤرِّقني فكرةٌ لمدةٍ من الزّمن وكنتُ أتساءلُ إنْ كانَ بإمكانكَ مُساعدتي لكي أجدَ لها حلًا. هل تعتقد أنَّ الخِداع هو شيءٌ غيرُ أخلاقيّ؟”
تضحكُ ضحكةً مكتومةً وتجيب: “بالتأكيد! أنا أقدِّر الصّدق وأعتقدُ أنَّ الإنسانَ لا يجبُ عليه أبدًا أنْ يكونَ مخادعًا. أيّةُ خُدعة هي شئٌ خاطئٌ وغيرُ أخلاقيّ. أليسَ هذا واضحًا؟ أنا متأكِّدٌ أنَّ أيّ إنسانٍ عاقلٍ سيؤمنُ بهذا.”

– “إجابةٌ مثيرةٌ للاهتمام. لنقلْ أنَّ لديكَ صديقًا يريدُ أنْ يقتلُ نفسه وفي متناولِ يدهِ سكينٌ و يريدُ الانتحار. حاولتَ أنتَ وكلَّ الناس إقناعهُ بالعدولِ عن ذلك، ولكنّه يبدو مصممًا على فعل ذلك. بكلِّ وضوحٍ يبدو أنّك لا تريدُه أنْ يقتلَ نفسه، ولكنكَ إنْ سرقتَ سكينه سيفقدُ وسيلته لقتلِ نفسه. هل ستسرقُ السّكين؟”
تتراجعُ للخلفِ وتقول: “لو هذا يعني إنقاذَ صديق، أعتقد أنّي سأفعل … ”
– “لكنْ ألنْ تعتبرَ هذا الفِعل، فعلًا مُخادعًا؟”
+ “حسنًا. تقنيًّا إنه فعلٌ مخادعٌ لكن..”
– “أولن يكونَ هذا الفِعلُ (إنقاذَ صديقكَ بفعلِ شيٍء مُخادعٍ) أخلاقيًّا؟”
تجيبُ بخنوعْ: “أعتقدُ أنّه سيكونُ كذلك.”
– “إذن أعتقدُ أنك لست ذكيًّا كما كنتَ تعتقد!”
تحاولُ الدّفاع:”حسنًا إذا سألتني سؤالًا آخر سأكونُ سعيدًا بأن..”
– “لا، أعتقدُ أنّي سمعتُ بما فيه الكفاية. أتمنى لكَ يومًا جيدًا.”

يتغاضى عنكَ ثم يذهبُ بطريقه باحثًا عن شخصٍ آخرَ لكي يسأله، ومن المحتملِ أنْ يُحرجه، بينما تقفُ هناكَ مُستشيطًا، تقرِّر إخبارَ أصدقائكَ كلَّ شيءٍ حولَ هذه المواجهة، ناشرًا شائعاتٍ عنه، وتتأكّد أنّه لنٍْ يستطيعَ إحراجَ أيّ شخصٍ مرة أخرى.

إعلان

إنَّ ما حدثَ مُماثلٌ لقصةِ سقراط و يوثيديموس – مع بعضِ التعديلاتِ القليلة هنا وهناك – وهي واحدة ٌمن أمثلةٍ عديدةٍ على المحاوراتِ مع سقراط.
لقد كان يعتبر سقراط رجلًا حكيمًا لأنّه كانَ يعرف هذا أنّه لا يعرفُ شيئًا. عرّافة دلفي – إنسانةٌ مُسنةٌ حكيمة – أخبرتْ صديقًا لها أنه لا يوجدُ من هو أكثرُ حكمةً من سقراط.
تعجَّب واندهشَ سقراط – “كيفَ يمكنُ أنْ يكونَ أكثرُ النّاس حكمةً بينما لا يعرفُ شيئًا؟ يجب أنْ يكونَ هناك خطأ ما، من المؤكّد أن العرّافةَ خلطتْ بيني وبين سقراط آخر!”
ولكنْ عندما عَزم سقراط على إيجادِ من هو أكثرُ حكمةً منه، اكتشفَ الحقيقة: لا يوجد من هو أكثر حكمةً منهُ لأنّ ما مِن أحدٍ آخرَ كان قادرًا على الاعترافِ بأنّه لا يعرفُ شيئًُا.

“الحكمةُ بالنسبةِ لسقراط لم تكن معرفةَ الكثير من الحقائق، أو كيفية فعل شيء. إنّما كانت تعني فهمَ الطبيعة الحقيقيّة لوجودنا، مع ادراكِ حدودِ ما نستطيعُ فعله.”

نيجل واربرتون – بعض التاريخ حول الفلسفة.

اعتقدَ سقراط أن النّاس كانوا يجولون ظانّين أنهم يعرفون أكثرَ مما يعرفونَه حقيقة، ويتظاهرونَ بمعرفةِ أشياء هم حقيقةً غيرُ متأكدّين منها. يتخذونَ أشياءَ معيّنة بصفتِها حقائقَ مطلقة، ولا يضايقونَ أنفسهم بتوسيِع معرفتهمْ بأنفُسهمْ وبالعالم.
“الأمرُ الذي جعلَ سقراط كثيرَ الحكمةِ؛ هو استمرارُه بالتساؤلِ وعزيمتُه الدّائمة على مجادلةِ أفكارِه. الحياةُ تستحقُّ العيشَ فقط إذا فكّرت فيما تفعله – هكذا وصفها – وجودٌ غير مفحوص هو شيء كافٍ بالنسبة للمواشي، لكن ليس للكائناتِ البشريّة.

كان دائمًا يدفعُ نفسه لفهمِ طبيعةِ البشرِ والعالم، وفضحِ أولئكَ الذينَ يدّعون الفهمَ الكاملَ لمصطلحات أشياءٍ مثلَ الحبّ والعدلْ والشجاعة. ما هو الجيّد أو السيّئ؟ ماذا نعني بالأخلاقيّ أو غيرِ الأخلاقيّ؟ ماذا يعني أن تحبَ شخصًا ما؟هل نحنُ حتى نفهم كل هذه الكلمات التي نرمي بعضنا البعض بها يوميًا؟ عندما نقولُ أشياءَ معيّنة أو نؤمنُ بأشياء ندعوها “حقائقَ موضوعيّة”، هل هذه الأشياء هي صدًى لأناسٍ أذكى وأفضل منا، أم هي حقًا ما نعتقدهُ نحن؟

من السّهل عليكَ الجلوسُ و الادّعاء بفهمِ كلّ شيء.

العالمُ ليسَ بالبساطةِ التي نعتقدُها، هناكَ أشياءٌ لا نفهمها الآنَ ولنْ نفهمها أبدًا، لا يمكننا الجلوسُ والتصرّف كأننا حللنا واكتشفنا حقيقةَ كل شيء. ربما لدينا فضولٌ داخليّ بصفتنا بشرًا نريدُ فهمَ هذا الكَون الغريب والّلامتناهي في تعقيده.
أنا أعرفُ هذا؛ أنني لا أعرفُ أيَّ شيء. لكنْ كيفَ أعرفُ حقًا أنني أعرفُ أنني لا أعرف أيّ شيء؟ أنا لا أستطيعُ حتّى أن أعرفَ إنْ كنتُ أعرفُ هذا؛ “أنني أعرف أنني لا أعرف أي شيء”!.

مجرّد التفكيرِ في هذهِ الأشياء يؤلمُ رأسي.

كان سقراط مجرَّد عبءٍ على سكانِ أثينا لدرجةِ أنّهم حاكموهُ لأنّه كانَ مزعجًا لهم!
كانت لديهِ الفُرصة للاعتذار وأنْ يشقَّ طريقهُ خارجَ المحكمة. لكنَّ سقراط فضَّل المُخاطرة وبدلًا من ذلك أخبرَ القاضي أنّه لم يرتكب أيّ شيءٍ خاطئ. في الحقيقة، كانَ يأملُ حرفيًّا أن يُمطروه بالهدايا ويمنحونه وجباتٍ مجانيّة لباقي حياتهِ من أجلِ خدماتِه الواجبة.
كانت لديه الفرصةُ أنْ يُفلتَ من الموتِ إذا هربَ ووعدهم بعيشِ حياةٍ هادئةٍ بدونِ مُضايقةِ أحدٍ آخر. توسّل أصدقاؤهُ له أنْ يوافقَ على هذا الخيار، لكن سقراط لم يوافق على هذا واستطاعَ اقناعَ أصدقاءهِ أنْ يوافقوا على شُربه الشوكران (نبات سام) بشرفٍ بدلًا من محاولةِ الهروبِ من المَوت.
” بالتأكيد لا. أنا أفضّل الموتَ على ألّا أجادلَ (أضايقَ) الناس”.
كان يقول ذلك مبتلعًا الشوكران كبطل!

الحياة غير المختبَرة لا تستحق العيش.

يمكننا أن نتعلّم الاتضاع من سقراط. بالرغم من أنني لا أعتقدُ أنّ سقراط كانَ الإنسان الأكثر تواضعًا على الأرض، إلى أنني أعتقد أنّ تواضعه العَقلي ساعده على أن يُصبح – يمكنني القول – أبو الفلسفة الغربية.

لم يكتفِ أبدًا بما يعرفه ولم يجعلْ من حوله يكتفون كذلك. أخبرهم أن يفحصوا كلّ جزءٍ من حيواتهم، ويتسائلوا عن كل شيءٍ في كلّ يوم.
مفتاحُ امتلاكِ الحكمة هو الاعترافُ بجهلِك. يبدو هذا شيئًا مُعضليًّا؛ لأننَّا نعتقد أنّه لكي يكونَ الشّخص حكيمًا فإنّ هذا يعتمدُ على اكتسابِ قدرٍ كبيرٍ من المَعرفة، نحنُ نميلُ لجمعِ كلمتيّ الحكمة والمعرفة معًا، مما يقودُنا إلى خلطِ مرادفاتِ الكلمتيْن.
إذا أمكننا تجسيدُ الكلمتين، يمكنني القولُ أنَّ السفسطائيين يجسدونَ المعرفةَ وسقراط يجسّد الحكمة.

كان السفسطائيونَ يفخرونَ بمعرفتهم وكانوا يعلِّمونَ الأثينيين طرقًا لتحسينِ مهاراتهم الخطابيّة والبلاغيّة في مقابلِ المال. كلّما ازدادتْ معرفتُهم كلما اعتقدوا أنّهم أذْكى.
اعتقدوا أنَّهم كلّما زادتْ معرفتُهم كُلما فَهموا الهَدف من طبيعةِ العالمْ.
على الجانب الآخر، أدركَ سقراط أنّه كلّما ازدادتْ معرفته، كلّما ازداد إدراكُه بأنّه لا يعرفُ شيئًا. لقد تجاوزَ خيلاءَ السُّفسطائيين وادعاءاتِهم بمعرفتهم كلَّ شيء.

كان السُّفسطائيون يعتبرونَ حُكماء للعيونِ غيرِ المدرّبة للأثينيين العاديين، لكنَّ سُقراط كشفهَم في كلِّ مرّة تحدّاهم فيها.
أنا أريدُ أن أكونَ مثلَ سقراط. أريدُ أن أستجوبَ العالم ونفسي باستمرار، محاولًا أنْ أفهمَ وأتجاوزَ الأوهامَ التي وضعناها لأنفُسنا.
أوّل خطوةٍ لفعلِ ذلك، هي أنْ أعترفَ بجهلي بكلِّ الأشياء.

أنْ أفكِّرَ وأفْحصَ هوَ أنْ أحيا.

نرشح لك: أيمكننا التوقف عن التفكير يومًا؟

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أبانوب رأفت

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.