تأخذك إلى أعماق الفكر

رماد الكتب: الحكمة المحرمة واستدعاء الديستوبيا (٢)

“هل ترى الآن لماذا يكرهون الكتب ويخافون منها؟

“الكتب تكشف المسام في وجه الحياة، والناس لا يرتاحون ولا يريدون إلا وجوهًا شمعية بلا مسام وبلا شعور وبلا تعبير، الكتب موجودة لتذكرنا بمدى غبائنا وحماقتنا”.

تلك كانت وجهة نظر (جاي مونتاج) الشخصية الرئيسة في ملحمة راي برادبيري فهرنهايت 451، الاسم الذي يشير إلى درجة حرارة احتراق الكتب في روايته الديستوبياوية التي هي مثالٌ أدبي لاستدعاء عالم ما بعد المحرقة وتخصيص مطاردة الكتب كثيمة رئيسية فيه.
لماذا إذًا الكتابة في قالب الديستوبيا هي الأكثر رواجًا؟

وظيفة إضافية للأدب أينعت ما بين الحربين العالميتين كرد فعل عن رؤية الدمار الذي نتج عن الجنون المطبق الذي أصاب البشرية ولعل الأدب عمل كنذير قبل كل هذا، نذير كـرؤي كساندرا في الأساطير الإغريقية، الأدب حل محل العذراء التي لعنت بنبوءاتها المشؤومة المحققة.

النزوع النوعي إلى أدب ما بعد المحرقة كان ظاهريًا كتجلّي عدمي للفكر الإنساني، بل صرخة صامتة في اتجاه تحذير العالم أن الأسوأ على وشك الحدوث، التعبير الديستوبي عن دمار عالمنا المعروف وولادة عالم أكثر رعبًا ما هو إلا نوستالجيا مستترة في اللاوعي الجمعي لِما قد تجلى عبر التاريخ بتكرار واستعادة بشكل مغرق في المواظبة الغبية على تدمير الوجود حتى ولو توارت تلك النزعة تحت قشور من الليبرالية أو التعايش أو تقبل الآخر أو في إطار دولي هش من صناعة عالم صغير يقبل التنوع ويقف أمام أسباب الذهاب إلى هاوية بلا رجعة.
لذلك الوعي الجمعي تحت كل هذه المحاولات السطحية لتقرير وضع أفرز كوابيسه، وأكبر كوابيس كتاب الأدب هي تحريم الكتب ومطاردة أصحابها والتفتيش بين ثناياها كمحو لذاكرة العالم في اتجاه شمولية حاكمة بنوعيها دينية كانت أو عسكرية.

أمثلة كثيرة مازالت موجودة وفعالة ونقرؤها كل يوم، كرواية جورج أورويل 1984 التي كرست لموضوع اضطهاد الكتب بل تغير ما تحتويه والتلاعب بدلالاتها فتتحول مصطلحات كحرية وفكر وعدو إلى دلالات أخرى تخدم الأخ الأكبر الذي يرى كل شيء فيتسرب التحكم من القانون الذي يحكم به ذاك المجتمع إلى داخل تلافيف عقل الشعب حتى يصبح الخلاص فيه كلمة حولت وينستون من كيان طيّع إلى ثورة.
هناك ايضًا رواية مارجريت آتوود (حكاية أمة) التي تم تحويلها إلى مسلسل لاقى رواجًا أكبر من الكتاب، و رواية برادبوري التي سبق وأشرنا إليها في البداية.

إعلان

يقول كارل شميت الفيلسوف السياسي: “إن العدو مساءلة وجود وماهية”، أي خلق العدو هو وجود، وسوف أسقطها هنا على الكتاب كعدو رمزي يفرض تجريمه ومحاربته وجود فكر رسمي مضاد يعمل كركيزة للنظام الشمولي، أحب أن أسميه هنا (إخصاءً ممنهجًا لحرية الفكر).
انتشار الكتب وتنوع أفكارها يرعب الديكتاتور فيصنع منه فزاعة وسط فزاعات أخرى، وأحيانًا قد أدى هذا المنع لتداول الكتب وتهريبها وكنزها بعيدًا عن العيون التي تراقب مسلكًا سريًا، يقول تورتاليانو المؤرخ القروسطي في كتابه عن غنوصية القديس فلانتينيوس وكيف تعامل اتباعه مع قمع أفكارهم:

“يحافظ أتباع (فلانتينيوس) الأسرارين بعناية شديدة على تعاليمهم وسط هالة من الغموض والكتمان، إذا طرحت عليهم سؤال ما بنية سليمة، سيقولون لك -بوجه متجهم أو بنظرة بريئة مصطنعة- إنها موضوعات عالية المستوى.
إذا حاولت البحث بدقة فيما يخصهم، يخبروك ببراءة الأطفال ودهشتهم أنهم عندهم نفس الإيمان لكن لا جدوى من البحث في سياق من الكلمات المراوغة.

إذا أظهرت معرفتك ينكرون ما يعرفون، فإن تقنيتهم مبنية على تضليلك، لا أن يسترسلوا في شرح معتقداتهم من الحكمة القديمة المحرمة”.
هذا النهج امتد وانتشر عبر العصور، له روافد انتقلت من التاريخ الرسمي المتعارف عليه وصولًا إلى تاريخ الجماعات السرية الذي أصبحت مخطوطتها تراث مسرب عبر أنفاق التاريخ الرسمي، ومثال آخر ما خطه (أخوان الصفا) في رسائلهم الأسرارية أيضًا.

نذهب إلى ذكر المكتبات الكبرى ومخطوطاتها عبر التاريخ، هناك في بلاد الرافدين العراق القديم حيث نعود إلى عصر كان للإنسان فيه حق الكلام، أكبر مكتبة في العالم ونصوصها العابرة للزمن بفضل متانة وصلابة المواد التي خطت عليها من ما يقرب حوالي 2500 قبل الميلاد عندما تفتق ذهن الإنسان على ابتكار اللغة المسمارية التي كتبت على ألواح من الطين ثم تركت لتجف. اللغة المسمارية التي من الأصح أن تدعى اللغة السومرية-الأكادية على الألواح التي تم حفظها داخل سلال أو أكياس من الجلد ثم يفهرسونها بواسطة لوحات فخارية وبعض منها ما زال موجود في متحف فيلادلفيا الذي من الممكن أن يشاهد الزائر هناك لوحة فخارية تعود إلى 2000 ق.م تحتوي على لائحة بالأعمال الأدبية المخطوطة وتضم اثنين وستون كتابًا.

أنشأ (آشوربانيبعل) أكبر مكتبة شهدها التاريخ حتى زمانه بعد تتويجه عام 669 ق.م في مدينة نينوى، أرسل الملك الكّتاب لجمع المخطوطات القديمة إلى جميع أمصار إمبراطوريته التي كانت ما زالت متوفرة وأعاد تنقيحها وفرزها وكتابتها، وعمل بنفسه عليها مع رجاله، وقد أتى نص على لسانه بعد إتمام تشييد صرحه الثقافي:
“أنا اشوربانيبال لقد توصلت إلى حكمة نابو وتعلمت كيفية الكتابة على الألواح، وقد حللت السر العتيق لعلم الحساب وقد قرأت النصوص الأنيقة لسومر وأكاد، كما فككت أسرار الكلمات المكتوبة على الحجر قبل زمن الطوفان، تلك النقوش المغلقة، الخرساء، المتراكمة فوق بعضها البعض دون ترتيب”.

دارت دوائر القدر وجارت على عصر الاحتفاء بالكلمة وتحققت نبوءة أبيه أشارهادون التي ذكر فيها عن رؤية لما سيحدث لنينوى العظمى:

“هذا القصر سوف يشيخ وتتهاوى جدرانه ويتحول إلى أنقاض”.

وهذا ما جرى عندما اجتاح حلف من البابلين والسيكثين نينوى عام 612 ق. م وقاموا بمساواة المدينة وإرثها الثقافي بالأرض.

 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: عمرو جنيد

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

تعليقات
جاري التحميل...