تأخذك إلى أعماق الفكر

دفاعًا عن اللاإنجابية

يجادل فيه الفيلسوف اللاإنجابي ديفيد بيناتار بأنه من الأفضل لو توقف البشر عن الإنجاب

الاستهلال

يُعد “ديفيد بيناتار” الفيلسوف المعاصر الأكثر تشاؤمًا، مدافعًا عن اللإنجابية يرى أنه من واجبنا كبشر -وبدافع من الشفقة- ألا نجلب أطفالًا إلى حياة غاية في السوء، موغلة في الألم. فيوضح قائلًا في كتابه المنشور عام 2006 الأفْضَل ألاَّ نُوجَدَ إطْلاقًا؛ الضَّرَرُ الكَامِنْ فِي المَجِيء إلَى الوُجُودْ: ” بينما يبذل الكثير من الأشخاص الطيبين أقصى ما في وسعهم لتآمين حياة بدون معاناة لأطفالهم، ينسون أن الطريقة الوحيدة الفعَّالة والمضمونة لدرئهم عن المعاناة هي عدم الإتيان بهم إلى الوجود من البداية.” فهو يرى أن التكاثر في جوهره فعل قاسٍ وغير مسؤول، وليس فقط بسبب الفظائع التي قد تحدث لأي شخص لكن لأن الحياة نفسها “متشبعة بالخبث”، ولهذا يعتقد أن العالم سيكون في أفضل أحواله إن اختفت الحياة الواعية بأكملها فجأة.

وعلى الرغم من أن كتابالأفضل ألا نوجد إطلاقًا،   عملا فلسفيا أكاديميا إلا أنه حقق نجاحا ملحوظا. ومن علامات شعبية هذا الكتاب أن (نك بيتزولاتو)، مؤلف مسلسل (المحقق الفذ – true detective) الشهير، رسم شخصية “راست كول – rust cohle” من خلال تأثره بالكتاب، فجعل من (رست) عدميا لاإنجابيًا. وقال على لسانه في أحد المشاهد: “أعتقد أن الوعي الإنساني ليس إلا زلة مأساوية وقع فيها التطور“. دفعت تصريحات (بيتزولاتو) (بيناتار) إلى الخروج من عزلته ليوضح أن أفكاره أكثر رصانة وإنسانية من أفكار (رست).

كما نشر (بيناتار) مؤخرا آخر كتبه “المأزق الإنساني: الإجابة الصريحة على أهم أسئلة الحياة” وهو عبارة عن تنقيح و إسهاب وتأطير لأفكاره اللاإنجابية. يستهل كتابه بمقتطف من (الرباعيات الأربع) للشاعر ت. س. إليوت

إن الجنس البشري لا يستطيع أن يتحمل قدرًا كبيرًا من الواقع

ويتعهد فيه أن يقدم إجابات قاتمة وكئيبة لأسئلة مثل “هل لحياتنا معنى؟” و “هل سيكون من الأفضل أن نعيش أبد الدهر؟”

إن ديفيد بيناتار شخص كتوم ومتحفظ بطبيعته، إلا أن ذلك يخدم غرضًا آخر وهو منع القراء من إضفاء طابع نفسي على كتاباته أو إيعاز آرائه أو أفكاره إلى إصابته بالاكتئاب أو تعرضه لصدمة أو أي جانب آخر من شخصيته، فهو يريد أن تصمد أفكاره لذاتها، قال في إحدى محاوراته:

إعلان

“أحيانًا ما يسألني الناس: هل عندك أطفال؟ ودائمًا ما يكون ردي أن السؤال لا علاقة له بموضوعنا. فلو كان عندي أطفال إذًا أنا منافق، إلا أن ذلك لن يطعن في صحة حججي وأفكاري.”

وهم السعادة (أو قلب الحجة)

يسأل علماء الاجتماع الناس عن مقدار سعادتهم باستمرار من خلال عمل دراسات تبحث هذا الموضوع. تطلب واحدة من تلك الدراسات الناس أن يقيموا مقدار سعادتهم على مقياس يبدأ من 1 (أسوء حياة ممكنة لك) وحتى 10 (أفضل حياة ممكنة لك)؛ وفقًا لتقرير السعادة العالمية عن عام 2017 كان متوسط نتيجة الشعب الأمريكي 6.99 الذي كان أقل سعادة من جاره الكندي بمتوسط 7,32 وأعلى من نظيره السوداني بمتوسط 4,14. وفي دراسة أخرى اختلفت طريقة التقييم لتطلب من المجيبين اختيار العبارة التي تصفهم بالشكل الأمثل من بين العبارات التالية:-

1- سعيد للغاية       2- سعيد إلى حد ما              3- غير راض        4- لست سعيدًا على الإطلاق

مالت نتائج هذه الدراسات مؤخرًا نحو الارتفاع في دول مثل الهند، وروسيا، وزيمبابوي. واختار 93% من الأمريكيين (سعيد إلى حد ما) في عام 1998 بينما تقلصت النسبة بعض الشيء عام 2014 حاصة بعد أزمة الركود عام 2008 لتكون النسبة 91%

اختصارًا، يعتقد الناس أن الحياة سعيدة. لكن ديفيد بيناتار يخالفهم الرأي ويرى أنهم مخطئون في حكمهم ويوضح :”على عكس ما يعتقده أغلب الناس، فإن الحياة البشرية في الواقع مروعة للغاية“، يستعرض (بيناتار) في كتابه (المأزق الإنساني) قائمة من المحن التي رتبها ترتيبا تصاعديا ليوضح أن حياة السعداء من الناس مزرية أكثر مما يظنون: “فالحياة عبارة عن موكب من الإحباطات والمضايقات، تزدحم وتتكالب، للنزول بنا ” فنحن دائمًا في جوع وعطش، وإن كنا لا نعاني من أي منهما، فنحن في حاجة إلى قضاء حاجتنا؛ وغالبًا ما نعاني من عدم الراحة بسبب حرارة بيئتنا ( الانزعاج الحراري – thermal discomfort)، فالجو إما بارد للغاية، أو حار للغاية، أو متعبون ولا نقدر على آخذ غفوة. ومنه أيضًا أننا نعاني من الحكَّة، والحساسية، ونوبات البرد والإنفلونزا، وآلام الدورة الشهرية والهبَّات الحرارية*؛ ما الحياة إلا موكب يسير في طريق وعر من  الإحباطات والمضايقات التي منها الزحام المروري، أو تنتظر في طابور، أو تمر بإجراءات بيروقراطية، نحن كذلك مضطرين إلى العمل، وغالبًا ما نجد وظائفنا مرهقة؛ حتى هؤلاء ممن يستمتعون بعملهم يعانون من تطلعات مهنية وطموحات غير محققة، “يظل العديد من العزاب بلا زواج،بينما أولئك المتزوجون دائمًا ما يتشاجرون وينتهى بهم الأمر إلى الطلاق. يريد الناس أن يكونوا أصغر سنًا، أن يبدوا أصغر سنًا، أن يشعروا أنهم أصغر سنًا، ورغم ذلك فهم يشيخون بلا هوادة

“دائمًا ما يعلق الآباء آمالا كبيرة على أبنائهم، ثم يحبطون عندما يظهر الأبناء كخيبة أمل بطريقة أو بأخرى. نحن نتألم عندما يتألم المقربون منا، ونُثًّكل عندما يموتون”

عادًة ما يكون الرد التلقائي والمتعجل على تلك الملاحظات هو: “لو كانت الحياة بهذا السوء، لما لا تنتحر؟” ولهذا يخصص ديفيد بيناتار فصلًا يتكون من 43 صفحة في كتابه لإثبات أن الموت يفاقم المشكلة لا يحلها، فيجيب قائلًا: ” الحياة سيئة بالفعل، والموت كذلك أيضًا. بالطبع الحياة ليست سيئة من جميع النواحي، وكذلك الموت ليس سيئًا من جميع النواحي. ومع ذلك فإن كلًّا من الحياة والموت -في أهم جوانبهم- بشعين على حد سواء. فهما يشكلان معًا الفك الوجودي، قبضة من الشقاء تفرض علينا مأزقنا. ومن هذا المنطلق يجادل (بيناتار) أنه من الأفضل عدم وضع أنفسنا في هذا المأزق في المقام الأول.

يتسائل الناس أحيانًا هل تستحق الحياة أن تُعاش؟ يعتقد بيناتار أنه من الأفضل أن نسأل الأسئلة الأدق:
هل تستحق الحياة أن نستمر فيها؟
-نعم، لأن الموت سيء
هل تستحق الحياة أن نبدأها؟
– لا

الاعتراضات الممكنة

مثل الملاكم الذي دَرس خصمه استعدادا لمواجهته، ، توقع ديفيد بيناتار طيفًا واسعًا من الاعتراضات الموجهة إلى نظريته. فمثلًا يحاجج العديد من الناس أن التجارب الأفضل في الحياة (مثل الحب، الجمال، إثارة الاكتشاف وما إلى ذلك) تعوضنا عن تلك التجارب السيئة. يرد بيناتار على تلك الحجج بأن بشاعة الألم تفوق لذة المتعة. والألم يستمر لمدة أطول، فهناك ما يسمى ألمًا مزمنًا، لكنك لا تسمع عن شيء مثل السعادة المزمنة، كما أن الألم أقوى من اللذة، فهل ستقبل أن تتألم أبشع الآلام التي يمكن أن تتخيلها لمدة 5 دقائق مقابل 5 دقائق مماثلة من أعظم المتع؟

ومع التجريد، أن تفوتك تجربة جيدة لهو خير لك من أن تعيش تجربة سيئة. يشرح بيناتار تلك الفكرة قائلًا: بالنسبة للفرد “الموجود” فإن وقوع الأحداث السيئة يُعتبر شرًّا، ووقوع الأحداث الجيدة يُعتبر خيرًا، لكن قارن السيناريو السابق بسيناريو  “ينعدم فيه وجود” الفرد من الأصل، حينها سيكون عدم وقوع الأحداث السيئة خيرًا، لكن غياب الأحداث الخيِّرة لن يُعتبر شرًّا، لأنه لن يوجد شخص أصلًا ليشعر أنه حُرم من هذه الأحداث الجيدة” هذا الـلاتماثل (asymmetry) يقلب الطاولة تمامًا ضد “الوجود”، ويكمل موضحًا: “وهكذا فإنه بالإمكان إنهاء كل المنغصات، وكل المعاناة، وكل البؤس بدون أي تكلفة تُذكر”

يقيم بعض الناس حجة آخري، وهي أنه بالحديث عن المعاناة والمتعة حصرًا، يساء فهم الأمر برمته، فعلى على الرغم من مساوئ الحياة، فهي ذات معنى.  يجيب ديفيد بيناتار عن تلك المعضلة أن حياتنا كبشر فارغة من المعنى على المستوى الكوني: نحن موجودون في كون غير مبالٍ، بل ربما أكوان متعددة، وخاضعون كذلك لقوى الطبيعة العمياء والهائمة بدون هدف. وفي غياب الهدف الكوني، لا يبقى سوى الهدف الإنساني، الهدف الأرضي، إلا أن هذا الهدف غالبًا ما  يقوم على استدلال دائري، مثل قول إن هدف البشرية هو أن البشر كأفراد يجب أن يساعد بعضهم بعضًا. ويبدى بيناتار كذلك اعتراضه على الحجة القائلة بأن المعاناة والكفاح يعطيان للحياة معنى، موضحًا ” لا أظن أن المعاناة تضفى على الحياة معنى، بل على الأحرى فإن البشر يحاولون إيجاد معنى في المعاناة وإلا ستكون غير مبررة ولا تطاق. صحيح أن نيلسون مانديلا خلق معنى من خلال طريقة تعامله مع المعاناة، إلا أن ذلك لا يبرر الظروف التي عاش فيها” ولا يبرر الظروف التي سببت المعاناة في الأصل.

وقد سُئل بيناتار عن الحجة القائلة بأن المعاناة هي الطريق والمهد لخلق عالم أفضل في المستقبل، وكان رده: هذا بالكاد يبرر معاناة الناس في الحاضر، وبكل حال، فإنه من المستحيل خلق عالم أفضل بكثير من الحالي، هذا لن يحدث أبدًا. لا يبدو أنهم يتعلمون الدرس أبدًا، ربما يدرك هذه الحقيقة أفراد معدودون، إلا أنك سترى هذا الجنون يُردد حولك في كل مكان! تستطيع أن تقول إن هذا كله في سبيل الخير الأعظم، لكن ألا ترى؟ إنهم يكررون نفس الأخطاء التي كررها أيضًا البشر من قبلهم؟ ألم يكن بوسعنا تنفيذ الأمور بشكل مختلف؟ إلا أن هذا لا يحدث أبدًا.” وينهي كلامه قائلًا: “إن الكدر والبؤس محفوران بعمق في بنية الحياة الواعية بحيث يستحيل طمسهما” أكمل كلامه بصوت متهدج وعيون على وشك أن تُدمع: ” فُرض علينا أن نقبل ما لا يمكن قبوله. فمن غير المقبول أنه يتوجب على البشر وباقي المخلوقات، تقبل هذا المصير مع عجزنا عن التصرف حياله.”

ليس سفيرًا لفلسفتِه

سُئل ديفيد بيناتار: “هل شعرت من قبل أن هناك فجوة بين معتقداتك وما تراه من حولك من أناس يستمتعون بوقتهم؟” فكان رده “أنا لا أعارض أن يستمتع الناس بوقتهم، ولا أنفي أن الحياة تحتوي على أشياء جيدة”
وهو كذلك يتحفَّظ قليلًا في مشاركة أفكاره، لأنه يرى أنها مربكة ومزعجة، فلن يتوجه مثلًا إلي كنيسة، ويصعد إلى المنبر، ويعلن أن الله ليس موجودًا. وبالمثل هو يرفض أن يُعين سفيرًا للفلسفة اللاإنجابية؛ فالحياة على حد قوله مزعجة كفاية. ويعزي نفسه أن كتبه مكتوبة بصيغة فلسفية أكاديمية، فلن يسعى إلى اقتناءها وقراءتها سوى من يبحث عنها. ويؤمن أن اللاإنجابية لن تنتشر أو يتم تبنيها أبدًا على نطاق واسع فهي ضد الكثير من الغرائز البيولوجية الطبيعية، إلا أنها ما تزال مصدر آمل بالنسبة إليه: “أمام جنون العالم بأكمله، ماذا بيدك أو بيدي أن نفعل؟ إلا أن كل زوجين أو كل شخص باستطاعته أن يقرر عدم الإنجاب، مما يعني تجنب قدر هائل من المعاناة، وهذا على كل شيء جيد. فأن تنجب طفلًا لهو أمر قمة في الفظاعة نظرًا للمأزق الذي سيجد نفسه فيه! وفي المقابل فإن التفاؤل يجعل الحياة قابلة للتحمل قليلًا”

ويحكي ديفيد بيناتار عن موقف حيث كانت صديقة فيلسوفة له حاملًا، وعندما أخبرته بهذا لم يتحرَّ جوابًا، لكنها أصرت وقالت إنه يجب أن تكون سعيدًا من أجلي، ففكر قليلًا ثم رد قائلًا: “أنا سعيد … من أجلك.

* آلام الدورة الشهرية والهبات الحرارية (أحد أعراض سن اليأس والحمل)

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبدالله أمين

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.