تأخذك إلى أعماق الفكر

داروين إنسانًا: الجانب الإنساني من حياة عالم الأحياء المُثير للجدل

في هذا المقتطف من سيرته الذاتية يذكر عالم الأحياء الإنجليزي تشارلز داروين هذه الأحدوثة الصغيرة:

“لقد كان باكل متحدثًا بارعًا، وكنت أستمع إليه ولا أكاد أتفوه بكلمة، بل ولا أقدر على ذلك لأنه لم يفسح لي المجال. وعندما بدأت السيدة فارير بالغناء انتفضت وقلت أنَّني لابدّ وأن أستمع إلى غنائها؛ وبعد أن أدرت ظهري استدار باكل ناحية صديق له وقال -وهو ما تناهى لأسماع أخي- “إن مؤلفات السيد داروين أفضل بكثير من أحاديثه.”

يبدو أنّ الصمت الذي كان يغلّف داروين في الأوساط الاجتماعيَّة دليل على أنه كان قادرًا على الإفصاح عن مكنونات عقله أكثر من خلال كتاباته. والمتتبِّع للتفاصيل الدقيقة وخاصة من حياته يدرك أنَّه كان يفكر بطريقة مغايرة ليس فيما يخص نظرياته وحسب، بل وبالكيفية التي كان يدير بها حياته بالمجمل. متحدثًا عن حبه للعلم وشغفه للاستطلاع يقول داروين:

“لقد كانت لدي ومنذ صباي رغبة عارمة لفهم كل شيء ألحظه من حولي، أو إيجاد تفسير له ــــ  أن أجد القوانين العامة التي تجتمع تحتها جميع الوقائع. ولقد سعيت باستمرار إلى إبقاء عقلي حرًا، فيتخلى بذلك عن أي فرضية، مهما كانت محببة إليّ، حالما تتبين الوقائع التي تعارضها.”

تُذكرنا بعض المقاطع في السيرة الذاتية التي كتبها داروين بلحظات خاصة جدًا يمر بها وعينا عندما نتوصل إلى إدراك معين أو عندما نهتدي إلى استنتاج ما حول الرابط الذي يحكم الأشياء ببعضها، ولكن وفي مناسبات أخرى يتحدث داروين عن قدرته على الفهم والتحليل قائلًا: “لا أتمتع بقدر كبير من سرعة الفهم أو البصيرة التي يتميز بها بعض الرجال الأذكياء من أمثال هاكسلي. لذلك فأنا أعدّ نفسي ناقدًا ضعيفًا فعندما أقرأ ورقة بحثية أو كتابًا فإنه يثير إعجابي على العموم ولا أدرك نقاط الضعف إلا بعد تفكير طويل. إن مقدرتي على تتبع سلسلة طويلة من الأفكار المجردة الصرفة محدودة جدًا؛ ولذلك ما كنت لأنجح أبدًا في مجالات كالميتافيزيقيا والرياضيات. ذاكرتي واسعة ولكنَّها مشوشة، يكفي أن يقال لي وعلى نحو مبهم أنَّني لاحظت أو قرأت شيئًا يتعارض مع استنتاجي أو يتفق معه حتى تُثار حفيظتي ولا أسترد مرجعيتي إلا بعد حين من الزمن.”

إن داروين رجل موضوعي حتى أبعد حدود الموضوعية وقد يبدو حديثه عن نفسه تحجيمًا لذكاء عالم استطاع أن يكون مؤثرًا في تاريخ العلم حتى اليوم، فلو أنَّه هو نفسه ينكر امتلاكه للمقدرة العالية على الإدراك والفهم فكيف يمكن أن ننظر إلى إنجازه الكبير؟ وما هي إذًا مميزات التفكير لديه؟ قد يخرج علينا البعض برواية تقول إنّ دماغ داروين كان أكبر من الحجم المعتاد للدماغ البشري كما حصل في حالة آينشتاين! ولكن لا داعي لإعمال الخيال هنا لأن معالم التفكير لديه تتسم وعلى ما يبدو بمراحل من “التطور” حصلت وبشكل “تدريجي”، إنها نتاج “تراكمات” عديدة أولها هو سعي داروين الحثيث إلى جمع أكبر قدر ممكن من الوقائع facts، فكل ما تقع عليه عيناه كان جديرًا بأن يكون واقعة تُسجل، حتى تلك الوقائع التي تعارض ما يصبو إلى إثباته. “لقد اتّبعت قاعدة ذهبية، وأعني بذلك أنه متى ما اعترضتني معلومة منشورة أو ملاحظة أو فكرة جديدة تتعارض مع النتائج العامة التي توصلت إليها أدوّنها في مفكرة دون نقص وفي الحال، ولقد اكتشفت من خلال التجربة أن وقائع وأفكار كهذه أقرب إلى الإفلات من الذاكرة من تلك التي تحظى بالاستحسان.”

هذه القاعدة في البحث تشبه تمامًا تلك النصيحة التي تحث الباحث على أن يكون أكثر دراية وفهمًا للحُجّة التي تتعارض مع فكرته أكثر حتى من أنصارها الذين يدافعون عنها. إن هذه المقدرة على أن يستعرض الإنسان الحُجّة المضادة التي تثبت عكس ما يعتقد به هي مرحلة رفيعة في التفكير النقدي والموضوعي إن دلت على شيء فهي تدل على اهتمام صاحبها بالحقيقة وحسب، مهما كان التخلي عن المعتقدات أو الآراء الراسخة لديه مؤلمًا. وداروين كان محبًا للحقيقة والمحب الصادق للحقيقة وحده من يقدر على تقليب الأفكار جميعها دون خوف. ولكن كيف يمكن لهذا الرجل الموضوعي والعقلاني الشغوف بالحقيقة والمولع بالعلم أن يعيش حياته اليومية العادية؟ كيف استطاع أن يتزوج وينجب عشرة أطفال بل وأن تكون لديه علاقة مميزة بزوجته إيما؟ لا بد هنا من أن نفتح دفتر ملاحظات داروين لنجده يتعامل مع الزواج على أنه مسألة أخرى يمكنه أن يسجل لها الوقائع والمعطيات ليخرج منها باستنتاج أخير:

إعلان

تموز (يوليو) 1838

أتزوج

أطفال -إذا كان ذلك يرضي الله-، رفقة دائمة -وصديق عندما أصبح عجوزًا-، منزل وشخص يعتني بي، سحر الموسيقى وأحاديث الأنثى، هذه أشياء جيدة لصحة المرء ولكن فيها مضيعة كبيرة للوقت.

لا يمكن احتمال فكرة أن يقضي المرء عمره كله فردًا محايدًا، يعمل ويعمل ولا شيء آخر، فذلك لا يجدي. تصوَّر في خيالك زوجة ناعمة جميلة جالسة على الأريكة بجانب مدفأة وكتب وموسيقى ربما..

تزوج تزوج تزوج

لا أتزوج

حريتي في أن أذهب حيثما أشاء، إمكانية اختيار المحيط الاجتماعي والتقليل منه، حوارات مع رجال أذكياء في النوادي، ألّا أكون مرغمًا على زيارة الأقارب والتركيز في كل تفصيلة سخيفة، تكاليف الأطفال والقلق المصاحب لهم، لعلهم يتشاجرون، مضيعة للوقت، لا يمكنّني أن أقرأ في الأمسيات، سمنة وخمول، قلق ومسؤولية، القليل من المال لشراء الكتب..

هذه مقاطع مجتزأة من حوار طويل لداروين مع نفسه حول الزواج، ولقد كان استنتاجه الأخير أن الزواج ضرورة، وهو ما حصل بالفعل فقد تزوج وهو على مشارف الثلاثين من قريبته إيما ويدجوود. وهنا نترك دفتر ملاحظاته ونفتح الرسائل التي تبادلها مع زوجته فيتضح لنا أن داروين كان محبًا جدًا لزوجته حتى منذ السنوات الأولى لزواجهما، فها هو يخبرها في رسالته التي أرسلها في العشرين من يناير، 1839:

أعتقد أنكِ ستجعلين مني إنسانًا، وسرعان ما ستعلميني أن هنالك سعادة أعظم من بناء النظريات وتجميع الوقائع وحيدًا وصامتًا.

إيما وعلى لسان ابنتها هنرييتا كانت امرأة متدينة، “تقرأ الكتاب المقدس معنا، وكما علمتنا شيئًا من العقيدة التوحيدية بالرغم من أنّنا عُمدنا في الكنيسة الإنجليزية. فلا بد وأن الدين ملئ عليها حياتها أيام شبابها، وقد وجدنا ما يثبت في الأوراق التي خلّفتها أنّها شعرت بالأسى بعد وقت قصير من زواجها عندما علمت أن والدي لم يكن يشاطرها الإيمان نفسه” وهو ما عبرت عنه إيما في رسالة مؤثرة إلى داروين والتي تبدو النبرة العطوفة والمشفقة فيها جلية وهي تقول له: “رجائي أن لا تؤثر عادتك في البحث العلمي والتي تحتم عليك أن لا تعتقد بشيء حتى تجد البرهان عليه، هنالك مسائل أخرى لا يمكن إثباتها بهذه الطريقة. وهي أمور وإن ثبت صدقها فهي تفوق قدرتنا على استيعابها، لا أرجو ردًا على كلامي هذا، يكفيني أن أكتبه وحسب، فعندما أحادثك به لا يمكنني أن أقول على وجه الدقة ما أريد قوله، وأنا أعلم أنك صبور مع زوجتك العزيزة.

بالرغم من أنها لم تطلب ردًا على كلامها إلا أن مخطوطة الرسالة هذه حوت في ختامها ملاحظة كتبها داروين بقلم رصاص: “بعد وفاتي أريدكِ أن تعلمي أنني قبَّلتُ هذه الرسالة وبكيت مرارًا. ت. د

صورة (1): الملاحظة التي كتبها داروين في نهاية الرسالة التي أرسلتها زوجته إيما “بعد وفاتي أريدكِ أن تعلمي أنني قبَّلتُ هذه الرسالة وبكيت مرارًا. ت. د”

تبدو إيما في تعلقها بالدين وحرصها على معتقداتها المسيحية شبيهة بزوجها ولكن بشكل مغاير تمامًا. هو يعبد الحقيقة وهي تعبد الله، وكلاهما مخلصٌ في عبادته أشدّ الإخلاص. ولكن الوفاق والمودة التي سادت بينهما تثير الإعجاب والتساؤل معًا. فهي علاقة بالرغم من التناقض الشديد الذي يسودها نجحت في أن تثمر عن عشرة أطفال وعن محبة كبيرة بين الزوجين تدل عليها مراسلاتهما وقدرتهما على تخطي الكثير من الصعاب معًا. ومما يثير التساؤل فيها ولعله يثير الاهتمام الشديد أيضًا هو كيف يمكن تحقيق معادلة صعبة كهذه؟ ولعل أقرب جواب لذلك هو الإنسانية، فهذه العلاقة التي قد يُحكم عليها بالفشل مع وجود كل الاعتبارات التي تدعم فشلها نجحت في إثبات أن النظر بعيدًا خلف طبقات متعددة من الدين والاعتقاد والإيمان والشك والعلم هنالك الإنسان، وقد كانت قدرة داروين وزوجته إيما على التواصل الإنساني كبيرة وعميقة.

بالرغم من أن الموقف الإنساني غالبًا ما يعتبر موقفًا إيجابيًا، ولكن إلى أي حد يُمكن اعتبار داروين “إنسانيًا”؟ وهل تعارضت إنسانيته “المفرطة” مع الدين مثلًا؟ فمن الأمور المثيرة للجدل في نظرية التطور هو صدامها مع الكثير من المعتقدات الدينية الجوهرية، ويبدو مفيدًا هنا لو سلطنا الضوء على موقف داروين من الاعتقاد بالله كما جاء على لسانه هو في رسالة بعثها إلى آسا غراي، عالم النبات الأمريكي والأستاذ في جامعة هارفارد.

“فيما يتعلق بوجهة نظر اللاهوت حول السؤال؛ فالأمر يثير الألم فيَّ دائمًا -أنا محتار- ولا نية لدي بالكتابة بنبرة إلحادية، ولكنّني أعترف بأنني غير قادر على الإدراك كما يفعل الآخرون بسهولة وكما أرجو أنا نفسي، بأن الدليل على وجود التصميم والخير يحيط بنا من كل جانب. ما أراه هو وجود الكثير من البؤس في العالم. لا أقوى على إقناع نفسي بأن الله القادر على كل شيء والخيّر قد خلق وصمم الأكنومونيداي (دبابير طفيلية) وفي تصميمها هدف واضح وهو أن تتغذى على الأجساد الحية لليرقانات، أو  أنه خلق القطة لتلعب مع الفئران. أنا لا أؤمن بهذا ولذلك لا أرى ضرورة في الاعتقاد بأن للعين تصميمًا دقيقًا. بالمقابل لا أستطيع بأي حال أن أقتنع وأن أنظر إلى هذا الكون الرائع وتحديدًا إلى طبيعة الإنسان وأستنتج من ذلك أن كل شيء ما هو إلّا نتيجة قوة عمياء. إنَّني أميل إلى النظر إلى كل شيء على أنه ناتج عن قوانين مصمَّمة، أما التفاصيل سواء كانت جيدة أم سيئة فهي مرهونة بما يمكن أن ندعوه الصدفة. لا يعني هذا أن هذه الفكرة ترضيني على الإطلاق، ولكن كلّما فكرت أكثر، ازدادت حيرتي..”

ومن الجدير بالذكر أن غراي لم يكن متفقًا تمامًا مع داروين بل إن الجدل بينهما تضمن اختلافات كبيرة في الآراء حتى أنّه عبر عن ذلك لداروين بقوله: “كيف يمكن أن تربط فلسفة الدين بفلسفتك العلمية؟ لا أشعر بالارتياح في حال لم أتمكن من الربط بينهما في كل واحدٍ متجانس، أي لا ينبغي للمبادئ الأساسية للعلم أن تكون في حالة صدام.” ومن هذا الخطاب يتضح أن النقطة التي اختلف عليها الاثنان ترتبط بوجود الغاية، وبالتالي وجود خالق له غاية محددة في الخلق.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: زهراء طاهر

تدقيق لغوي: بتول سعادة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.