خلف قضبان الحياة

كنت أشاهد اليوم برنامجًا تتحدّث فيه بعض المسجونات عن حياتهنّ في السّجن وعن بعض الأنشطة التي يَقُمن بها في الداخل، من أعمال يدوية وغيرها.. ثمّ أخذتُ أسبح في فضاء خيالي وأفكر في معنى كلمة “سجن”.. ما هو السجن؟ هل نحن أحرار لمجرّد وجودنا خارج قضبان السجن أم أننا مثلهم مع اختلاف نوع القيود؟

ما هو السجن؟ هل هو ذلك المكان الذي يوضَع فيه الإنسان على أن يقوم آخرون بتحديد نمط حياة معيّن ويفرضونه عليه؟ كأن يحدّدوا له مواعيد نومه واستيقاظه.. متى يأكل ويشرب وكيف ومع من؟

إذن فهل يمكن أن نقول بأنّ الموظفين مساجين؟ لِمَ لا؟ فهم محكومون بقوانين محددة، ومواعيد عمل، وعليهم أن يبقوا حبيسي جدران مكان العمل لمدّة ثمان ساعات يوميًا وربما أكثر، ثم يذهبوا لمنازلهم ليناموا مبكرًا حتى يواصلوا رحلة العمل في اليوم التالي. هم أيضًا لا يستطيعون أن يحصلوا على عطلة إلا بإذن صاحب العمل.. أليس هذا بسجن؟

أسمع شخصًا يقول أنّ الموظفين يحصلون على أموال مقابل الحبس، أقصد العمل، إذن فيمكن أن نقول أنّ السجن هو اتّباع نمط حياة معين بشكل إجباري ولكن دون مقابل، أو دون محاولة للهروب خارج هذه الدائرة المغلقة، فالذي يقضي حياته ما بين النوم والعمل “سجين”، مهما كنت تحبّ عملك وتحرص عليه، احرص على روحك أيضًا وأعط لنفسك فرصة للترويح والترفيه حتى لو لسويعات، حتى تتمكن من استكمال المسيرة بأقل خسائر..

ماذا أيضًا يمكن أن يكون تعريف السجن؟ هل السجن هو أن يتناول الإنسان طعامًا رديئًا ويجالس من هم دونه في الأخلاق والمستوى الثقافي والتجتماعي؟

إعلان

إذن فالفقراء أيضًا مساجين، فهم يأكلون أطعمة رخيصة رديئة ليست مثل طعام الأغنياء. أسمع من يقول أنّ بعض البسطاء يأكلون أطعمة متواضعة ولكنهم يحمدون الله عليها ويشعرون بالرضا عن وجود هذه النعمة لأنّ غيرهم يتمناها، فيمكن من ذلك أن أستنتج أن السجن هو أن تأكل طعامًا رديئًا أو لذيذًا وأنت ناقم ومستاء، تأكله فقط كي تسدّ رمقك وتُسكت صراخ أمعائك..

فالسخط على المكتوب سجن بجدران عالية، فالإنسان الذى يعترض على أقداره إنسان معذّب لا يعرف طعم الراحة ولا السعادة ولا يبلغ غايته أبدًا، وصدق من قال: الرضا بالمقسوم جَنّة.

ماذا أيضًا يحدث خلف جدران السجون؟ أن تفعل ما لا تحبّ، تحمل حجارة أو تنظف مراحيض، أليس هذا ما يحدث هناك؟
ولكن هناك الكثير والكثير ممّن يعملون ما يكرهون، ربما لأن هذا هو المتاح كمصدر للرزق أو كمرحلة انتقالية لابدّ أن يعبروها ليصلوا إلى مبتغاهم ويركبوا في القطار الذي طالما رغبوا فيه، ويستمتعوا بكلّ ما فيه من رفاهية وراحة، فهل هؤلاء أيضًا مساجين؟

فكّر قليلًا ثم دعني أجيبك.. الإنسان الذي له حلم وطموح يسعى وراءه هو إنسان حرّ، حتى وإن اضطرته الظروف إلى الاشتغال بما لا يحبّ لفترة من الزمن، أما السجين حقًا فهو من يرضى بما لا يحبّ دون أن يسعى للوصول لما هو أفضل، أو دون حتى أن يصل إلى مرحلة من التصالح والتراضي مع واقعه، فيألف ما يفعله ويدرّب نفسه على حبّه، هذا الإنسان حقًا تعيس.

هناك مفهوم آخر للسجن، وهو أن يقف الإنسان خلف قضبان، يرى أحباءه ولكن لا يلمسهم، لا يعرف أخبارهم ولا يشاركهم أحزانهم ولا أفراحهم، وكلما طالت المدة، أصبحت الهوة بينهم أكبر، فينفصل عنهم بوجدانه، فقد أصبح للأحباب عالمهم الذي اعتادوا أن يعيشوه بدون هذا الغائب، كما أصبح له عالمه الذي اعتاد أن يحياه وحده أو مع آخرين غير الذين أحبهم وألِفهم قلبه مع غرباء.

في هذه الحالة يمكنني أن أقول أنّ المغترب مسجون..فقد حُرم من أحبائه بشكل اختياريّ وبمقابل مادّيّ، قَلّ هذا المقابل أو كثُر، ولكنّه في النهاية حبيس ومحاط بمحيطات وصحارى تفصله عن الأحبة.. في انتظار لحظة “الإفراج”..الإجازة السنوية.

وهذا الإنسان إن لم يتحلَّ بكثير من الصبر وإن لم يستطع أن يصنع لنفسه عالمًا خاصًّا به؛ تغرق فيه أحزانه وتنمو فيه أماله، سيكون مصيره الانهيار، فهو مخيّ ر بين أمرين أحلاهم مرّ: إما الاستسلام إلى دوامات الكآبة والوحشة وإما أن يوطّن قلبه على أن يحب أناسًا جُددًا ويعتاد على عادات جديدة، يكون إنسانًا جديدًا، غير الذي تركه على أرض وطنه، بأصحاب وميول وقرارات مختلفة.. وذلك ربما ما يسمّى بالتكيُّف والتعايش مع ظروف الحياة المتغيرة.

أما آخر شكل من أشكال السجن فهو سجن المشاعر أو استسلام الإنسان لمشاعر معينة تحوطه وتأسره وتتملّك قلبه وعقله، فتدفعه إلى فعل بعض التصرفات دون سابق تفكير في عواقبها.

فالظالم هو سجين شيطانه الذي دفعه لإيذاء نفسه بظلم الآخرين، والحقود سجين كبّلته قيود الغيرة وأحرقته نار الحسد فأصبح بينه وبين راحته ما بين الأرض والسماء، تكويه ناره فيحرق قلوب الآخرين بأذاه.. إلى ما لانهاية..

بل وإنّ العاشق أيضًا في كثير من الأحيان يكون سجينًا، ويكون في أسوأ أحواله إذا كان الطرف الأضعف أو الذي يحب الآخر أكثر.. وقتها يصبح كالأسير الذي وقع في أسر محبوبه الذي لا يرحمه؛ يتلاعب بمشاعره ويضيء أيامه بكلمات حُبّه تارة، ويحيلها إلى ظلام حالك تارة أخرى بالقسوة والجفاء..

أسمع من يقول أنّ للحب قيودًا ولكن قيود ذهبية.. أو هو أسر لذيذ يُدخله المُحبّ الحقيقي بملء إرادته، ليترك زمام مشاعره وحياته في يدي حبيبه. وما أسعد هذا الأسير إن كان محبوبه مخلصًا أمينًا يعرف للقلوب قدرها، ويالمأساته إن كان قد وقع في شرك حبيب شقيّ متمرّد لا يحسن معاملة أسيره.

في النهاية كلنا أسرى للأشياء التي نحبها والتي نحلم بها.. كلنا ننقاد في كثير من الأحيان إلى “جدران” نحيط بها أنفسنا.. فإن استطعنا الهروب نجونا، وإن استسلمنا هلكنا، فثابر يا صديقي القارىء كثيرًا، لا تيأس ولا تبتئس.. ولا تقبل أن تكون يومًا ما “سجينًا” لمشاعر وتجارب سلبية تطفىء نور روحك وتكسرها. انطلق دائمًا نحو ما تطمح، اعبر كلّ الحواجز والسدود، عافر من أجل أن تكون حرًّا سعيدًا أو على الأقلّ سجينًا راضيًا. المهمّ، تحرّك يا صديقي و لا تقف خلف قضبان الحياة!

إعلان

اترك تعليقا