حرب الهاشتاج: بين رواية الحق الفلسطيني ومحاولات الحجب

“لم نكن ذات يوم مغرمين بالجدال النظري حول من له الحق في فلسطين، فنحن لم نخسر فلسطين في مباراة للمنطق”، لقد خسرناها بالإكراه وبالقوة، هذا الحق الفلسطيني المسلوب الذي اغتصبت به الأرض من أهلها ليستوطنها من هم ليسوا أصحابها ويقيمون فيها دولةً مبنيةً على الفصل العنصري والقمع والظلم. لم تتوقف سبل المقاومة عند السلاح، فالدفاع بالكلمة كان حاضرًا من خلال استغلال المنابر الإعلاميّة المختلفة والتي كان لها دورٌ في رواية الحق الفلسطيني خصوصًا في الأحداث الهامة.

في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، شكلت إذاعة صوت القدس المصدر الوحيد لنقل أخبار المواجهات في مختلف المدن وبث الأغاني الوطنيّة، والتي ساهمت في توحيد الصفوف ورفع المعنويات وحشد التضامن من شعوب الدول العربية وذلك بسبب نقل الصورة الصحيحة للأحداث والمجريات التي تدور على الأرض المحتلة في ظل وجود الآلة الإعلامية الإسرائيليّة المتمرسة في تكذيب الحقائق والتضليل وذلك لتحطيم الروح المعنوية وزرع التفرقة بين الصفوف وكسب التأييد الدولي.

ما بين إذاعة القدس في ثمانينيات القرن الماضي إلى وسائل التواصل الاجتماعي الآن، عقودٌ من الزمن لم تثني الفلسطيني عن محاولة إيجاد المنبر الإعلامي الذي ينقل الحدث بكل شفافية دون الانحياز لشيء سوى الحق مهما كانت التبعات، وذلك ضمن حرب الرواية والأحقيّة المستمرة. في وقتنا الحالي، تلعب وسائل التواصل الإجتماعي الدور الأبرز في التوثيق وتكذيب الرواية الصهيونية الزائفة، من خلال المنشورات والهاشتاقات والحملات الرقمية.

انطلقت العديد من الحملات الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي والتي استطاعت أن تؤثر وتحدث التغير وتوصل القضية الفلسطينية لشرائح مجتمعية ودول لم تكن على دراية بها، إذ نالت التضامن من العديد من الشخصيات العالمية والسياسيين والممثلين الذين كانوا يجهلون حقيقة ما يحدث على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

واحدة من هذه الحملات هي حملة كوفيد48 التي اتخذت من وباء عالمي وسيلة لمقاومة الاحتلال، حيث قارنت الحملة في مقاربة منطقية بين وباء كورونا في أول ظهوره مع وباء الاحتلال الذي تشكل رسمياً عام 1948 ومنذ ذلك الوقت وهو يفتك بحياة الآلاف من الفلسطينين ويقوم بالمجازر ويستخدم كافة سياسات الفصل العنصري من خلال فرض الحصار وإقامة الحواجز وانتهاك كافة حقوق الإنسان بحق الأسرى وكامل الشعب الفلسطيني.

إعلان

كان للحملة الدور الكبير في فضح جرائم الاحتلال وتكذيب روايته وتصويب بوصلة الإعلام نحو فلسطين بعد انشغالها بمجريات فايروس كورونا. وتحت شعار “قاوم بما لديك” قام مجموعة من طلبة الجامعات الأردنية بإنتاج فيلم وثائقي يوثق تجربة حملة كوفيد48 ويحاكي طريقة إعداد حملة رقمية ضمن أسس محددة تتناسب مع الوضع الراهن ولها من التأثير الكثير في نقل معاناة الشعب الفلسطيني وزيادة الوعي الجماهيري وتكذيب الرواية الصهيونية.

ومع بدء محاولات الاحتلال في السيطرة على العديد من منازل حي الشيخ جراح وتهجير أهله من الحي، برز هاشتاق انقذوا حي الشيخ جراح الذي وصل صداه كافة دول العالم وخرجت العديد من المظاهرات و الاعتصامات في مختلف العواصم العربية والعالمية لرفض محاولة الاحتلال في أحداث نكبة جديدة بحق الشعب الفلسطيني من خلال التهجير القسري لأكثر من 600 فلسطيني من بيوتهم، لكن التمسك بالأرض والدفاع عن الحق ومقاومة مشاريع المحتل بكافة الطرق كان عنواناً لأهالي الحي الذين أوصلوا انتهاكات الاحتلال في حقهم لكافة دول العالم من خلال أقل الوسائل الممكنة وكتبوا على جدران منازلهم ما يعبر عن عقيدتهم الثابتة: لن نرحل.

كانت حملة انقذوا حي الشيخ جراح البداية لسلسلة حملات رقمية تبعتها وأصبحت بمثابة انتفاضة رقمية في وجه المحتل، فانطلقت بعدها حملة انقذوا سلوان التي نشرت معاناة سبع الاف فلسطيني مهددون بالتهجير، ومن ثم حملة انقذوا بيتا التي وجّهت الأنظار نحو حراس الجبل الذين يواجهون زحف الاستيطان ومحاولة تفكيك المستوطنة المقامة على جبل صبيح.

في معركة سيف القدس عندما اشتد القصف والغارات الجوية على الأبراج السكنية والمدنيين في غزة، كان أهالي غزة المحاصرين تحت قصف الصواريخ بشكل مستمر وعنيف بشكل يستهدف المستشفيات والطرق العامة وحتى المكتبات. ولما فشلت التغطية الإعلامية العالمية في نقل صورة متوازنة وعادلة لما يرتكبه الاحتلال الاسرائيلي بحقهم، كانت وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة للاستخدام من قبل الجميع المنصة المناسبة. انطلقت مع أولى أيام القصف الحملة الرقمية غزة تحت القصف التي وثّقت وفضحت إجرام الاحتلال في غزة، التي رغم ثلاثة حروب سابقة و شرات التصعيدات إلا أنها كانت عصيةً على الانكسار.

هذه الحملات الرقمية وغيره تثبت ضرورة استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الوعي وكسب التأييد حول القضية الفلسطينية وعدالتها، وهذا لا يعني بالضرورة الاكتفاء بها والتنازل عن وسائل المقاومة الأخيرة، بل الاستفادة من الخيارات المتاحة ضمنها كواحدة من أدوات العصر، رغم أنه هذه المنصات تمارس الحجب والتقييد على المحتوى الفلسطيني، وتنحاز لصف الاحتلال الممول والمدعوم دوليًا. المعركة مع المحتل هي معركة وعيٍ مفتوحة وحرة بجمهور غير محدود، كل شخص ضمن هذا الفضاء الرقمي هو مسؤولٌ وبيده الكثير ليقدمه، رهان عدونا على الزمان والنسيان، ورهاننا نحن على قوة الحق وما نربي من أجيال، الفلسطيني يكتب التاريخ بصموده جيلاً بعد جيل والمقاومة جدوى مستمرة.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: حمزة مأمون

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

تدقيق علمي: أفنان أبو يحيى

اترك تعليقا