حدود المنطق: تحدي هلبرت ونظرية غودل وآلة تورنغ

شهد القرن العشرون قفزات علمية وفكرية غير مسبوقة، أحدثت تحولاً جوهرياً في أسلوب حياة البشر؛ ولعل أبرزها اختراع الحاسوب وشبكة الإنترنت. وكثيراً ما بدأت مثل هذه التطورات في التاريخ من أفكار عميقة ومجرّدة، بعيدة عن حياة معظم البشر، يتناولها قلة من الخبراء بمعزل عن تطبيقاتها العملية؛ فلم يكن أحد يتخيل حينها أن هذه الأفكار ستؤدي في النهاية إلى الانقلاب الكبير الذي تمخّضت عنه. سأتحدث في هذا المقال عن إحدى هذه الأفكار التي أحدثت ثورة في علم المنطق في بداية القرن العشرين، والتي كانت تحمل في طياتها “أثر الفراشة”، لتترك انعكاسات هائلة على تطوّر الحاسوب والذكاء الاصطناعي.
ساد في نهاية القرن التاسع عشر بين علماء الفيزياء والرياضيات شعورٌ كبيرٌ بالتفاؤل، إذ اعتقدوا أنّهم بلغوا ذروة المعرفة الإنسانية ونجحوا في تحديد أهمّ القوانين التي تحكم الطبيعة والرياضيات، وأنّ ما تبقّى ليس سوى تفاصيل يتعيّن عليهم استكمالها، لكنها لن تأتي بمفاهيم جديدة جوهرية.
ففي الفيزياء مثلًا، اعتقد أغلب العاملين في المجال أنّ أُسس هذا العلم قد اكتملت، حيث أصبحت قوانين نيوتن الثلاث العمود الفقري لفهمنا للواقع الفيزيائي بجميع أشكاله تقريبًا، كما اكتُشفت قوانين الكهرومغناطيسية الكلاسيكية وقوانين الديناميكا الحرارية، ولم يتبقَّ لنا سوى بعض الأمور “الجانبية” لنفهمها. أدّت هذه النجاحات إلى شعور عام بأننا وصلنا إلى “نهاية الفيزياء” وأن “المبادئ الأساسية المهمّة في الفيزياء قد اكتملت” كما قال عام 1894 عالم الفيزياء الأمريكي ألبرت مايكلسون (Albert Michelson). كذلك شهدت الكيمياء والبيولوجيا تقدّمًا مشابهًا؛ ففي الكيمياء توضّحت خصائص العناصر بعد اكتشاف العالم الدوسي ديميتري مندلييف (Dmitri Mendeleev) للجدول الدوري، وشهدت الصناعات الكيميائية تطوّرا واسع النطاق. وفي البيولوجيا أتى داروين بنظريته التي آتت بتفسير علمي لتطوّر جميع أنواع الحياة من خلايا بدائية أولية، كما منحت نظرية الجراثيم لـ لويس باستور (Louis Pasteur) وروبرت كوخ (Robert Koch) العلماء ثقةً بإمكانية القضاء على الأمراض المعدية بشكل شبه تام في الأمد القريب.
كذلك الرياضيات، فلم تختلف عن باقي العلوم، إذ شهدت سلسلة من الإنجازات البارزة في القرن التاسع عشر، من أبرزها تطوّر الهندسة اللاإقليدية التي استعصت على العلماء لأكثر من ألفي عام، وتأسيس مجالات الجبر المجرّد (Abstract Algebra)، والجبر الخطي (Linear Algebra)، وأسس التحليل الرياضي (Foundations of Analysis)، ونظرية المجموعات (Set Theory)، ونظرية الزمر (Group Theory)، والدوال المركّبة (Complex Functions)، وتحليل فورييه (Fourier Analysis)، وغيرها من الإنجازات الكبرى. لذلك، نشأ لدى علماء الرياضيات شعور قوي بأنهم باتوا قريبين من وضع أسس مكتملة للرياضيات.
لكن، كما في الفيزياء، بدأت تلوح في الأفق بعض العلامات المقلقة داخل علم الرياضيات، تشير إلى وجود تناقضات بنيوية في مبناه المنطقي. وقد أدّت هذه المؤشرات في القرن العشرين إلى ثلاث قفزات مترابطة ومهمّة في الرياضيات وعلم المنطق وعلم الحاسوب، تتعلّق بحدود المنطق الرياضي، وارتبطت هذه القفزات بثلاثة أسماء لامعة.
إعلان

الشكل رقم 1: تظهر على يسار الشكل صورة ديفيد هلبرت، وفي الوسط صورة كورت غودل، وعلى اليمين صورة آلان تورنغ.
الأول هو عالم الرياضيات الألماني الشهير ديفيد هيلبرت (David Hilbert)، الذي سأل “هل من الممكن وضع الرياضيات على أساس منطقي متكامل؟” وبيّن أنه لكي نجيب عن هذا السؤال علينا ان نبرهن ثلاث نقاط، وتحدّى علماء الرياضيات لإيجاد برهان لها[1]. أمّا الثاني، فهو عالم المنطق الرياضي الأمريكي، النمساوي الأصل، كورت غودل (Kurt Gödel)، الذي برهن عام 1931 عدم إمكانيّة وجود النقطة الأولى والثانية[2] لأنهما لا يمكن أن تتحققا دائما، مُحدثًا بذلك ثورة في علم المنطق لم يشهدها هذا العلم منذ أن وضع أرسطو أسسه في القرن الرابع قبل الميلاد[3]. وأمّا القسم الثالث من المشكلة، فقد حسمه عالم الرياضيات الإنجليزي آلان تورنغ (Alan Turing)، الذي ابتكر مفهوم “آلة تورنغ” (Turing Machine)، مساهِمًا بذلك إسهامًا حاسمًا في نشوء علم الحاسوب الحديث، كما كان لأفكاره لاحقًا أثر مهم فيما يتعلّق بمسألة الذكاء الاصطناعي.
قبل أن أتقدّم في المقال، يجدر بي أن أشير إلى أن التقدّم الكبير في أيّ مجال من مجالات المعرفة الإنسانية يحدث غالبًا نتيجة تراكم مساهمات عديدة تمتدّ على مدى عقود، ويشارك فيها عدد كبير من العلماء والمفكّرين، لتُتوَّج في النهاية بأعمال محدّدة تُفضي إلى قفزة نوعية. لذلك، من الخطأ النظر إلى العلوم والأفكار الإنسانية وكأنّها مجرّد سلسلة من إنجازات عبقرية معزولة، من دون الأخذ بعين الاعتبار بقية المساهمات. فغالبًا ما يكون التصوّر القائم على «سردية العباقرة» غير دقيق وغير منصف لطبيعة التقدّم الفكري الإنساني، الذي يتّسم في جوهره بطابع تراكمي يحتاج إلى الوقت، وإلى ظروف مواتية، وإلى الأشخاص المناسبين كي تتحقّق فيه تلك القفزات. لذلك، وعلى الرغم من أن قصتنا هنا تذكر في الأساس ثلاثة علماء معيّنين إلا أنها في الحقيقة تعتمد على أعمال كادر كبير من العلماء الذين ساهموا بمساهمات تراكمية، بعضها حاسم، في تقدّم هذا المجال.
تحدّي هلبرت
لم يمثّل أحدهم روح العصر من الثقة في الرياضيات والعلوم التي اجتاحت المزاج العلمي العام الأوروبي في نهاية القرن التاسع عشر أكثر من عالم الرياضيات الألماني، ديفيد هلبرت، الذي كان على ثقة تامة بقدرة العقل البشري على فهم الطبيعة بشكل تام ودون تقييدات مبدئية. وتتوج هذا الاعتقاد في مقولته الشهيرة: “بالنسبة لنا، لا يوجد «لن نعرف»، بل في رأيي، لا يوجد لهذا التفكير مكان في العلوم الطبيعية. ففي مجابهة شعار «لن نعرف» يجب أن يكون شعارنا «يجب أن نعرف، سنعرف». وقد كان هلبرت أبرز علماء الرياضيات من أبناء جيله، بل وعلى مر التاريخ، حيث لا يمكن تخيل الرياضيات الحديثة والفيزياء النظرية من غير مساهماته المهمة.
لهذا، لم يكن هناك من هو أنسب من هلبرت لوضع خطة لمواجهة السحابات السوداء التي بدأت تظهر في أفق الرياضيات في نهاية القرن التاسع عشر، وأشهرها المفارقة التي عرضها الرياضي والفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل (Bertrand Russell) في “نظرية المجموعات” (Set Theory). مما أدى به إلى وضع برنامج عمل واضح هدفه حل أهم المسائل الرياضية العالقة في حينه. وقد تكون أهم هذه المسائل تلك التي أتت لتتعامل مع “مفارقة راسل” وتوضيح المبنى المنطقي للرياضيات، وذلك في المؤتمر الدولي الثاني للرياضيات الذي عُقد في باريس عام 1900. حيث قدم ديفيد هلبرت محاضرة تحدّى فيها علماء الرياضيات بحل 23 مسألة مهمة. ومن بين هذه المسائل ما يتعلّق بالمشاكل المنطقية التي أثارتها هذه “السحابات السوداء”. وعينيًا، كان التحدّي المتعلّق بموضوعنا هو: “هل يمكن وضع فروع الرياضيات، مثل الحساب، على أسس منطقية متينة؟” وهو الموضوع الذي يرتبط بالمسألة رقم 10 من مسائل هيلبرت الـ 23.
لن ندخل، بطبيعة الحال، في الصيغة الرياضية الدقيقة لمفارقة راسل، لكن يكفي أن نعطي هنا مثالًا مبسّطًا عنها حتى نوضح الإشكالية التي تمثّلها. ويعرف هذا المثال بمفارقة الحلّاق، التي تقول ما يلي: “في بلدة صغيرة يوجد حلاق واحد، ويحكم عمله قانون واضح: يحلق الحلاق لجميع رجال البلدة الذين لا يحلقون لأنفسهم، ولا يحلق لغيرهم.” هنا يبرز السؤال: هل يحلق هذا الحلاق لنفسه؟
إذا كانت الإجابة “نعم”، فهو يحلق لشخص يحلق لنفسه، وهذا يخالف القاعدة. وإذا كانت الإجابة “لا”، فهذا يعني أنه لا يحلق لنفسه، وبالتالي فهو من الرجال الذين لا يحلقون لأنفسهم، مما يستوجب، بحسب القاعدة، أن يُحلق لهم، ومن ضمنهم نفسه. في الحالتين يظهر تناقض. هذا، كما ذكرنا، مجرد مثال عن “مفارقة راسل”.
مثال تاريخي آخر شهير على “مفارقة راسل” هو ما يعرف بـ “مفارقة الكذّاب”، التي تعود جذورها إلى الفلسفة اليونانية القديمة، وبالتحديد إلى أبيمنيدس الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد وما قاله عن أهل كريت (الذي هو منهم). وتقوم المفارقة على عبارة مثل: “كل ما يقوله أهل جزيرة كريت كذب”، حيث لا يمكن لهذا القول أن يكون صادقًا أو كاذبًا؛ فإن كان صادقًا فهو يناقض نفسه لأنه من أهل كريت لذلك فهو كاذب، وإن كان كاذبًا فهو مثال على أحد ما من كريت يقول الصدق، مما يخلق أيضا تناقضًا ذاتيًا. ومن الطريق أن هذه المفارقة ظهرت في العهد الجديد عند المسيحيين، في رسالة بولس الرسول إلى تيطس (الإصحاح 1، الآية 12)، الذي كان مبعوثه إلى جزيرة كريت: “قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَبِيٌّ لَهُمْ خَاصٌّ: «الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ. وُحُوشٌ رَدِيَّةٌ. بُطُونٌ بَطَّالَةٌ».”
لاحظوا أن التناقض في المثالين (“مفارقة راسل” و”مفارقة الكذّاب”) ينشأ عند تطبيق القانون أو الجملة على نفسها، وهذه سمة ستظهر بشكل جوهري في نظريتي غودل (Gödel’s Theorems) التي سنعرضهما لاحقًا، واللتان تتعرضا لحدود علم المنطق في استخلاص النتائج.
على سبيل المثال، يتضمّن هذا التحدي بناء موضوع، مثل الحساب، من عدد معين من المسلّمات التي ينتج عنها كل ما يتعلّق به عن طريق استنتاجات منطقية محضة، تنبع من هذه المسلّمات من التعريفات الأساسية في هذا الموضوع. أي أن الهدف كان إزالة الشك حول إمكانية بناء الرياضيات كنظام منطقي متكامل.
تطلّب هذا التحدي عمليًا أن يتضمّن المبنى الرياضي البديهي (Axiomatic Mathematical System) المؤسّس على منطق متين ثلاثة عناصر مهمة، وهي أن يكون هذا النظام كاملًا (Complete)، ومتّسقًا (Consistent)، وقابلًا للحسم أو للقرار (Decidable، وتُعرف أيضًا باسمها الألماني “Entscheidungsproblem”، التي تعني حرفيًا “مسألة القرار”). دعونا أولًا نوضّح هذه المصطلحات المهمة.
- النظام المنطقي الكامل: هو نظام نستطيع أن نثبت أي صفة أو معادلة فيه عن طريق مسلّماته القائمة، ولا نحتاج إلى إضافات أخرى له. لتبسيط الأمور قليلًا، نعطي هنا تشبيهًا قد يسهّل فهم هذا المصطلح؛ لنتخيّل لغةً معيّنة تملك من المصطلحات والقواعد ما يمكننا من التعبير عن أي فكرة كانت بواسطة أحرف وكلمات وقواعد هذه اللغة. كذلك، فإن النظام الرياضي الكامل هو نظام يستطيع إنتاج كل ما يتعلّق بموضوعه بواسطة تعريفاته ومسلّماته ومبناه المنطقي، أي من داخله.
- النظام المنطقي المتّسق: هو نظام خالٍ من التناقضات الداخلية. من السهل فهم هذا الجانب من الأنظمة المنطقية، حيث إن النظام المنطقي السليم لا يمكن أن يؤدي إلى استنتاج نتيجة ونقيضها في الوقت نفسه! على سبيل المثال، لا يمكن أن نصل إلى نتيجة أن شخصًا ما أعزب ومتزوّج في نفس الوقت! مثال آخر هو القصة الشعبية التي كانت تردّدها جدّتي عن إحدى العائلات التي انضمّت إليهم “كنّتهم” (زوجة ابنهم) الجديدة إلى طاولة الطعام، فأشاروا إليها بأرغفة الخبز وقالوا لها: “مقسوم لا تأكلي، وصحيح لا تقسّمي، وكلي حتى تشبعي”. وعندما قاموا عن الطعام، قالوا: “شبعنا وشبعت كنّتنا”. بينما في الحقيقة، لم تستطع “كنّتهم” أن تأكل ولا أن تشبع، لأنهم أعطوها تعليمات متناقضة لا يمكن تحقيقها. وكان أبي يضيف على هذا المثل: “شبعنا وشبعت كنّتنا، وخمر الزيت بقصعتنا”، وهو مثل يشدّد على التناقض الذي حصل، إذ لا يستطيع الزيت أن يتخمّر.
- النظام المنطقي القابل للحسم أو للقرار: هو النظام الذي يوجد فيه إجراء واضح ومحدّد (خوارزمية، أو قاعدة، أو طريقة) لإثبات صحة أي ادعاء أو بيان فيه بواسطة عدد نهائي من الخطوات. ومن الأمثلة على ادعاء قابل للقرار في نظرية الأعداد هو سؤال مثل: “هل العدد 11 عدد أولي؟” لكي نثبت أن هذا العدد أولي، علينا قسمته على كل عدد من الأعداد الأولية الأصغر منه، لنستنتج أن العدد 11 لا يُقسم على أي عدد أولي من دون باقٍ إلا على نفسه وعلى العدد واحد، وهذا هو تعريف العدد الأولي. لهذا، هذه المسألة قابلة للقرار لأن هناك عدد نهائي من الخطوات المحددة لهذه الخوارزمية، التي في النهاية تدلنا على إذا ما كان العدد أوليًا أم لا!
نعطي أيضًا مثالًا على ادعاء غير قابل للقرار أو الحسم، مثل قول والد عن ابنه: “توقّف ابني عن التفكير بحبيبته عندما أمرته بذلك”. بالطبع لا يمكن إثبات أو دحض هذا الادعاء، لأننا لا نستطيع معرفة ما يفكّر فيه الابن في كل لحظة، وليس هناك طريقة لمعرفة ذلك أو التحكّم به، حتى من قبل الابن نفسه. إذن، النظام المنطقي القابل للحسم هو ذلك الذي يكون كل ادعاء ضمنه قابلًا للحسم أو للقرار بواسطة خوارزمية محدّدة وبعدد نهائي من الخطوات.
غودل ونظريتا عدم الكمال
أخذ علماء الرياضيات تحدّيات هلبرت على محمل الجد، وعمل جزء لا بأس به منهم عليها. لعلّ أبرز من عمل على هذه المواضيع هو عالم الرياضيات الأمريكي/النمساوي/التشيكي الأصل، كورت جودل (Kurt Gödel). أثبت جودل أن أي نظام منطقي معقّد، مثل الحساب، لا يمكن أن يكون كاملًا ولا متّسقًا، بمعنى أنه لا يحقق صفتين من الصفات التي طلبها هلبرت في تحدّيه. فقد بيّن غودل أنه في كل نظام رياضي منطقي متّسق، أي في مجال دراسة المنطق الرياضي (Mathematical Logic)، هناك نظرية نعرف أنها صحيحة، لكن لا يمكن برهانها من خلال النظام عينه ومسلّماته؛ لذلك، لا يمكن أن يكون هذا النظام كاملًا. تُعرف هذه النظرية باسم “نظرية غودل الأولى في عدم الكمال” (Gödel’s First Incompleteness Theorem). كما وقد بيّن غودل لاحقًا أنه في مجال دراسة المنطق الرياضي، هناك نظريات يمكن برهنتها وبرهنة نقيضها من داخل النظام ذاته، مما يثبت أنه لا يمكن أن يكون متّسقًا. بل وقدّم أيضًا في نفس المقال طريقة منهجية لتحديد هذه النظريات غير العادية في داخل هذا النظام. وتُعرف هذه النظرية باسم “نظرية غودل الثانية في عدم الكمال” (Gödel’s Second Incompleteness Theorem).
يمثّل برهان غودل أحد أهم الإنجازات الفكرية البشرية على مدى التاريخ، وهو نقطة تحوّل مفصلية في علم المنطق والرياضيات ونظرية المعرفة. فهو يُعدّ أهم قفزة حصلت في فلسفة المنطق ورياضياته منذ كتاب أرسطو في علم المنطق، أي منذ أكثر من ألفي عام. فقد أثبت أنه حتى في الرياضيات – التي تُعدّ أوضح مثال على صرامة علم المنطق – توجد مقولات أو نظريات نعرف أنها صحيحة، لكننا نعرف أننا لا نستطيع برهانها من داخل هذا النظام، بل نحتاج لكي نبرهنها إلى إضافات خارجية له.
للتلخيص، أنهت نظريتا غودل حلم عدد كبير من علماء الرياضيات في القرن التاسع عشر الذين اعتقدوا أنه يمكن بناء الرياضيات على أنها نظام كامل ومتّسق، وأوضحتا أن للمعرفة حدودًا، حتى في أكثر أشكالها الرسمية (Formal Systems).
وقد كانت لهذه النتائج آثار واسعة في الرياضيات وعلم المنطق والفلسفة وعلوم الحاسوب. ففي الفلسفة، على سبيل المثال، بيّنت نظرية غودل أن هناك حقائق ذات طابع منطقي محض (أي ليست حقائق تجريبية، مثل حقيقة أن “السماء زرقاء”) لا يمكن إثباتها بواسطة المنطق وحده، بل نحتاج إلى فرضيات أو مسلّمات جديدة، أي من خارج النظام الأصلي، لنثبتها. بمعنى أننا علينا أن نضيف معلومات جديدة لا تقع داخل النظام المنطقي حتى نتمكّن من إثباتها. يجدر التنويه بأن هناك جانبين لما قلته، الأول أنه لا يمكن إثبات كل ما هو صحيح بشكل آلي من الفرضيات التي ننطلق منها، والثاني أننا لا نستطيع إثبات جميع الحقائق المنطقية الممكنة، وخصوصًا تلك التي تتضمّن المرجعية الذاتية (Self-Referencing)، كما في حالة مفارقة راسل ومفارقة الكذّاب.
عليّ الإشارة هنا إلى أننا يجب أن نكون حذرين، وألا نفهم أن كل ما لا نستطيع إثباته هو، بشكل تلقائي، صحيح. هناك مقولات ومعتقدات سخيفة لا تستحق حتى أن نفكّر فيها. لكن، علينا أن نكون متواضعين أيضًا ونعترف أن هناك حدودًا لمنطقنا ومعرفتنا البشرية.
آلة تورنغ
لقد رأينا أن غودل أثبت أن النظام الرياضي المنطقي، الموازي لنظام الحساب، لا يمكن أن يكون كاملًا ولا متّسقًا – النقطتان 1 (الكمال) و2 (الاتساق) اللتان ذكرناهما سابقًا – لكن بقيت النقطة الثالثة، وهي قابلية النظام المنطقي للحسم أو القرار، وهذا يتطلّب وجود خوارزمية واضحة لحل كل مسألة في هذا النظام خلال عدد نهائي من الخطوات. وبعد أن حاول الكثيرون إيجاد برهانا عاما على قابلية النظام المنطقي الرياضي على القرار أو عدمه. برز في ثلاثينيات القرن الماضي آلان تورنغ الذي وجد توجها جديدا للتعامل مع هذه المسألة المعقدة.
لكي يقوم بالبرهان، ابتكر تورنغ مفهوم “آلة تورنغ” (Turing Machine)، في مقال كتبه عام 1936 بعنوان “حول الأعداد القابلة للحساب” (On Computable Numbers)[4]. عرّف تورنغ في هذا المقال نوعًا من الآلات المجرّدة التي أصبحت تُعرف لاحقًا بهذا الاسم. آلة تورنغ، هي نموذج رياضي نظري ومجرّد (abstract) للحوسبة، وتكمن أهمية هذا المفهوم (وما تطوّر عنه لاحقًا) في أن جميع الحواسيب التي نستخدمها اليوم هي في الواقع نماذج من آلة تورنغ (الشكل رقم 2).

الشكل رقم 2: يظهر في الشكل مخطط عام لآلة تورنغ.
نرى في الشكل رقم 2 مخططًا عامًا لآلة تورنغ ومكوّناتها الأساسية: شريطًا لا نهائيًا يعمل كذاكرة، مكوّنًا من وحدات معلومات رقمية تحوي احتمالين هما 0 أو 1. يتحرّك رأس القراءة والكتابة على هذا الشريط خطوةً خطوة، فيقرأ الرمز الموجود في الوحدة المعلوماتية الحالية، ويقوم بتغييره عند الحاجة، ثم ينتقل إلى خلية مجاورة إمّا إلى اليسار أو إلى اليمين. ويمثّل هذا الشريط وسيلة تخزين غير محدودة، على الأقل نظريًا، مما يسمح للآلة بمحاكاة أي عملية حسابية مهما بلغت درجة تعقيدها.
تعمل آلة تورنغ من خلال برنامج يتحكّم في “وضع” الآلة في كل لحظة، كما يحتوي هذا البرنامج على دالة ترشد الآلة إلى ما يجب أن تفعله للانتقال من الوضع الحالي، أو الخطوة الحالية، إلى الخطوة التالية، وتحدّد كذلك ما يجب كتابته على الشريط عند الانتقال من وحدة معلوماتية إلى أخرى. تستمر هذه العملية حتى تصل الآلة إلى حالة توقّف بعد تحقيق هدف البرنامج، أو إلى حالة لا تستطيع فيها متابعة العمل. وعلى الرغم من بساطة مكوّنات هذا النموذج، فإنه قادر على تمثيل جميع الخوارزميات، ولذلك يُعد أساسًا لفهم قدرات وحدود الحوسبة الحديثة.
لكن لماذا اقترح تورنغ هذا المفهوم وما هو دوره في الإجابة على تحدي هلبرت؟
ذكرنا سابقا، أن مسألة قابلية القرار هي “حسابية” في جوهرها، إذ تطلب أن نبرهن أنه في نظام منطقي رياضي نستطيع مبدئيًا أن نحسم أو نقرر في كل مسألة تظهر فيه، أي أن هناك خوارزمية (Algorithm) تستطيع أن “تحسب” وتحسم، بعدد نهائي من الخطوات، أي مسألة تظهر في هذا النظام الرياضي.
كنّا قد أعطينا مثالًا صغيرًا من الحساب حول ذلك، وهو سؤال “هل العدد 11 هو عدد أولي؟” وذكرنا طريقة محدّدة للإجابة عن هذا. نستطيع أن نفكّر في أمثلة أخرى بسهولة، مثل: “هل الجذر التربيعي للعدد 5 هو عدد صحيح؟” هنا أيضًا نستطيع أن نحسم هذه المسألة بواسطة خوارزمية بسيطة، نأخذ كل عدد من الأعداد الطبيعية (الصحيحة الموجبة) الأصغر من 5 نفسه، فنصل إلى أن تربيع العدد 2 هو 4، وتربيع العدد 3 هو 9، والعدد 5 يقع بين 4 و9، لذلك يقع جذره بين العددين 2 و3، ولهذا لا يمكن أن يكون عددًا صحيحًا. هذا مثال آخر لطريقة من أجل حسم الإجابة بعدد نهائي من الخطوات.
لكن ما يتطلّبه برهان “مسألة الحسم” بشكل عام هو أكثر مما قلناه؛ فهي تتساءل هل هناك إمكانية قرار أو حسم في كل مسألة تظهر في النظام المنطقي الرياضي، وليس فقط في مسألة أو مسائل معيّنة. وهذا الحسم، كما ذكرنا، يتطلّب وجود خوارزمية تصل إلى القرار بعد عدد نهائي من الخطوات (وهذا معروف باسم مشكلة التوقّف، Halting Problem)، كما في حالة السؤالين حول أولية العدد 11، وحول السؤال “هل الجذر التربيعي لـلعدد 5 عدد صحيح؟”.
هذا بالضبط ما فعله تورنغ، إذ اقترح “آلة تورنغ” التي استخدمها لإثبات أنه لا يمكن وجود برنامج أو خوارزمية عامة تستطيع دائمًا، وفي كل مسألة، الوصول إلى حسم واضح ضمن عدد محدود من الخطوات. لذلك، فإن السؤال عن وجود مثل هذه الخوارزمية العامة هو في حد ذاته غير قابل للحسم. وبهذا، أكمل تورنغ، من ناحية الحوسبة، ما فعله غودل من ناحية المنطق، وقضى بشكل نهائي على حلم هيلبرت في بناء الرياضيات كنظام كامل، ومتّسق، وآلي، ومضمون النتائج.
قبل أن ننتقل إلى القسم التالي، أود أن أوضح الفرق بين “آلة تورنغ” العادية و”آلة تورنغ الشاملة” (Universal Turing Machine). آلة تورنغ العادية هي آلة تقوم بمهمة معينة لا تتغير، مثل جهاز قياس معدل استهلاك الوقود في السيارة، بينما آلة تورنغ الشاملة هي آلة تسمح ببرمجتها من جديد لتحاكي عمل أية آلة تورنغ عادية، تمامًا كما نستطيع أن نبرمج حاسوبًا. لهذا، يعد الحاسوب مثالًا على آلة تورنغ الشاملة. لذلك، عندما نقول آلة تورنغ، عادةً ما نقصده هو آلة تورنغ الشاملة.
العلاقة مع الذكاء الاصطناعي
لنوضّح الآن أهمية ما أثبته تورنغ عام 1936، خصوصًا فيما يتعلّق بالذكاء الاصطناعي. أثبت تورنغ أولًا أنه يمكن الإجابة عن الأسئلة المنطقية العقلية بواسطة آلة، وهي آلة تورنغ. وقد دفعه ذلك لاحقًا، وبالأخص في مقاله عام 1950، إلى التساؤل حول إمكانية التفكير لدى الآلات. هذه هي الفرضية الأساسية للذكاء الاصطناعي: إمكانية محاكاة وحتى نسخ عملية الذكاء عند البشر، أو الذكاء بشكل عام، بواسطة آلة تورنغ (الحاسوب العصري).
لكن، بالإضافة إلى ذلك، أثبت تورنغ أن ليست كل المسائل الرياضية والمنطقية قابلة للحل بواسطة آلة تورنغ. بل وأكثر من ذلك، باعتقادي، أثبت تورنغ أن ليست كل مسألة قابلة للحساب؛ فهناك مسائل، حتى في الرياضيات، تتجاوز إمكانيات الحساب التقليدي الرياضي والمنطقي، بشكل مبدئي.
نتائج غودل وتورنغ بالغة الأهمية لموضوع الذكاء الاصطناعي وحدوده، لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على مسلّمات محدّدة مسبقًا تربطها علاقات واضحة؛ أي إنها نموذج لنظام منطقي رياضي. وقد بيّن غودل أنه لا يمكن الوصول إلى كل ما نريد من نتائج ضمن هذا النظام من دون إضافات عليه، إذ بيّنت نظريته أن مثل هذه الأنظمة غير كاملة. كذلك، ليست كل نتيجة تصل إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي صحيحة، لأن هذه الأنظمة، بحسب غودل، ليست متّسقة دائمًا. إضافة إلى ذلك، أوضح تورنغ أن كل مسألة، حتى لو كانت رياضية، ليست قابلة للحساب والحسم، فكم بالحري إذا كانت هذه المسائل شعورية أو حسّية في جوهرها؟
نعود إلى تورنغ الذي كتب عام 1950 مقالاً بعنوان “الآلات الحاسبة والذكاء” (Computing Machinery and Intelligence)[5]، واقترح فيه ما أصبح يُعرف بـ “امتحان تورنغ” (Turing Test)، لتحديد ما إذا كانت آلة ما تستطيع التفكير. تجدر الإشارة إلى أنه يبدو أن تورنغ تجاهل النتائج المهمة التي حصل عليها عام 1936، حيث ادّعى في مقاله عام 1950 أن الحاسوب يمكنه أن ينسخ عملية الذكاء البشري وينفّذها. فقد بيّن في مقال 1936 أن هناك مسائل لا يمكن حسابها، حتى في نظام رياضي منطقي، ولكن مع ذلك ادّعى أنه يستطيع نسخ ما يفعله الدماغ البشري، الذي يصل إلى قرارات ويحسم في أمور غير قابلة للحساب بشكل مبدئي، مثل القرارات العاطفية والحسّية، أو تلك التي تعتمد على معلومات جزئية وغير كاملة.
الجانب الأخير الذي يجب أن أذكره هو أن موضوع المنطق الرياضي يعتمد في الأساس على طريقة استدلال معيّنة تُعرف باسم الاستنباط (Deduction)، التي تَنتُج فيها النتيجة بشكل حتمي من الفرضيات الأساسية. مثل قول “فلان أعزب، لذلك فهو غير متزوّج”، فالاستنتاج أن فلانًا غير متزوّج ينتج بشكل حتمي من كونه أعزب. في مثل هذه الحالة، نستدل على الاستنتاج بشكل حتمي من الفرضية. هذا مثال واضح للاستنتاج الذي تكون فيه النتائج حتمية، وهو ما تعتمده الرياضيات. لكن هناك أشكال استدلال أخرى يستخدمها الذكاء الاصطناعي لم أتطرّق إليها هنا، مثل ما يُسمّى بالاستقراء (Induction). سأترك هذه المواضيع لمداخلة موسّعة في الموضوع وسأنشرها لاحقًا.
تكمن أهمية ما تناولته في هذا المقال فيما يتعلّق بالذكاء الاصطناعي، في عدة نواحٍ، الأولى، أن كل الحواسيب التي نستخدمها، ومن ضمنها الحواسيب المستخدمة في الذكاء الاصطناعي، هي نماذج لآلة تورنغ. لذلك، هناك إسقاطات مهمة لمبنى آلة تورنغ ونواقصها على ما نستطيع إنجازه بواسطة الذكاء الاصطناعي. الجانب الآخر المهم هو توضيح حدود المنطق الرياضي وبعض إشكالياته، التي أوضحها غودل وتورنغ، ونقصد نظريتي عدم الكمال لغودل ومشكلة القرار لتورنغ. وبالذات، ما أثبته تورنغ في توضيح مشكلة القرار هو أن هناك مشكلات غير قابلة للحساب حتى في الأنظمة المنطقية الصرفة، فكيف بالحري في الأمور الحسية.
في الختام، لم تكن تجربة هلبرت، وغودل، وتورنغ تعبر عن مجرد صراع مع الأفكار الرياضية، بل كانت تجربة يتحدى فيها العقل البشري نفسه ويتعامل مع حدوده. فهي رحلة خلّابة، إنسانية من الدرجة الأولى، نتجت عنها نتيجة مذهلة: العقل بأرقى تجلياته الفكرية، أي في علم المنطق الرياضي، محدود وغير كامل؛ فكم بالحري في مساحات فعاليته الأخرى التي لا يهيمن عليها اليقين والوضوح!
مراجع [1] Hilbert, David (1902). "Mathematical Problems". Bulletin of the American Mathematical Society. 8 (10): 437–479 [2] Gödel, K., 1931, “Über formal unentscheidbare Sätze der Principia Mathematica und verwandter Systeme I,” Monatshefte für Mathematik Physik, 38: 173–198. English translation in van Heijenoort 1967, 596–616, and in Gödel 1986, 144–195. [3] جمعت أعمال أرسطو حول المنطق والديالكتيك عام 40 قبل الميلاد، وهي مكوّنه من نصوص ستة مختلفة كان يستخدمها أرسطو على الأغلب في محاضرته لطلابه. يعرف هذا النص باسم "المنطق"، أو "كتب المنطق"، أو "الالة" (The Organon). [4] Turing, A. M., 1936, “On Computable Numbers, with an application to the Entscheidungsproblem”, Proceedings of the London Mathematical Society. 58: 230–265. [5] A. M. Turing (1950) Computing Machinery and Intelligence. Mind 49: 433-460.
إعلان
