تأخذك إلى أعماق الفكر

جسمانية المتكلم الشيعي هشام بن الحكم

هشام بن الحكم: متكلم Theologian شيعي كوفي، مولى لـ (بني شيبان)، وأبرز من هذب مذهب الإمامية، تلميذ من تلامذة الإمام جعفر الصادق. تميز هو والمتكلمان الشيعيان: هشام بن سالم الجواليقي ومحمد بن علي بن النعمان الأحول (الملقب بشيطان الطاق، وعند شيعته: شاه طاق أو مؤمن الطاق)؛ بأنهم يقولون: (لا شيء في العالم إلا الأجسام)، فكانت رؤيتهم للمعبود (تجسيمية Anthropomorphic)، والعالم يتفاوت ما بين أجسام (لطيفـة/ رقيقة Subtle) و(كثيفة/غليظة Dense)؛ كان (هشام بن الحكم) يقول: إن الله جسم، لأن الأشياء تنقسم إلى: (جسم) و(فِعـل الجسم)، ولا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل؛ وقوله في الله: إن الله جسم صمدي نوري ومعرفته ضرورة (1).

وقال (شيطان الطاق): إن الله نور على صورة (إنسان Anthropos)، ويأبى أن يكون جسـمًا بمعنى (كثيف). أما (هشام الجواليقي) فقال إن معبوده بصـورة إنسان، لكنه ليس بلحم ولا دم، بل نور ساطع (ذو حواس خمس)، وهو نصف نور أسود ونصف نور أبيض؛ وهذه الفلسفـة في تجسيـم المعبـود من آثار المدرسـة الشيعية عمومًا في أنسنـة (النور الإلهي) بوصفـه (جسـدًا لطيفًا نورانيًا Caro Spiritualis)، إذ يقول هشام بن الحكم: خلق الله (المكان) وصار فيه، والمكان هو (العرش)، والله المنتقل إلى العرش أو المكان في الميثولوجيا الشيعية هو (الأشباح الخمسة) التي هي بلا صورة ولا شكل، لكن انطباعها في آدم جعلها مرئية بصـورة، وهذه الأشباح كانت هي الأسماء، وهذه الأسماء هي الصفات، والصفات نفسها (الحُجة) ونفسها (الغيب) (2) (3)

بذلك (الإله المتجلي Deus Revelatus) بعدما كان بلا شكل ولا رسم؛ وعندما انطبع في (آدم Adamas) صار بهيئة آدم إنسانًا (Anthropos). لذلك، من كتب عن أفكار هشام بن الحكم تحيّـر في معبـوده، فتارةً قال: (نور ساطع يتلألأ كالسبيكة الصافية)، أو (لؤلؤة مستديرة من جميع جوانبها)، أو (سبعة أشبار) كالآدميين، وأن الجبل يوفي معبـوده، وهنا مقصده تأليه الأئمة، فقد قال الشهرستاني: إن هشام بن الحكم قال إن (عليًا) إله واجب الطاعة، وإن معرفة الله والمعارف عمومًا ليست بالاستدلال بالأعراض لكن باستدلال (ضروري الوجود)، بمعنى أنها (مكاشفة Epopteia)، وقال إن معبوده نور من جنس واحد ذو لون وطعم ورائحة ومجسة، ولونه هو طعمه وطعمه هو رائحته ورائحته مجستـه؛ وهذه هي نفسها فلسفة المسيحي الغنوصي (برديصـان) الذي معبوده (نور) حي، عالم، قادر، حساس، مدرك، ومنه تكون الحياة والحركة، وهو جنس واحد في سمعه وبصره وسائر حواسـه، واللون هو الطعم وهو الرائحة وهو المجسـة، وصار الاختلاف في اللون والطعم والرائحة لممازجة عالم الظلمة.

الرواقية وفلسفة هشام بن الحكم:

نرى أيضًا صدى الفلسفـة الرواقية في أفكار هشام بن الحكم، فالرواقيون يعتقدون أن كل موجود جسمي مكون من (مبدأ فاعل) هو (نفس حارة Pneuma)، وهي ناريـة لطيفة تتخلل كل الأشياء، و(مبدأ منفعل) هو المادة، والنفس الحارة هي (اللوغوس Logos) وتحوي جميـع الأجسام، والمادة متجزئة إلى غير نهاية و(الكيفيات) المادية أشكالها من توترات النفس النارية، وقد قال هشام بن الحكم بنفي نهايـة أجزاء الجسم بمعنى أنه يتجزأ بلا نهاية؛ ولكون الرواقيـة فلسفةً جسميـةً قالت إن الآلهة والنفوس أجسام ولا شيء إلا الأجسام؛ والنفس الحارة نفسها (الأثير Ether) الأرسطي -من Aei Thein اليونانية: يعدو دائمًا، يتحرك-، العنصر الخامس الشبحي المتخفي وراء العناصر -كما تقدم ذكر ذلك-، وقال إنها ( كرة Sphere) مجهولة مادية شفافة ساطعة ذات حركة دائرية أبدية (4) (5). بذلك صاغ ابن الحكم الصورة الميثولوجية للأشباح الخمسـة والنور الإلهي المؤنسن في نمـوذج فلسفي.

هشام بن الحكم أول من تحدث عن مفهوم عصمة الإمام الذي لا يعصي ولا يخطئ، والذي يقابل مفهوم (Anamartetos) اليهودي المسيحي؛ وهذا المفهوم ارتبط بالمعرفـة الروحية للإمام لأن الإمام قالب يحل فيه (روح القدس)، فعن أبي حمزة عن أبي عبد الله الإمام الصادق: “(الروح) التي ذُكرت في الكتاب بها العلم والفقـه، وهي الروح التي يعطيها الله من يشاء، فإذا أعطاها عبدًا علمـه الفهم”؛ وعن المفضل بن عمر عن أبي عبدالله الصادق: “… روح القدس به حمل النبوة فإذا قُبض النبي صار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو” (6).

إعلان

وكانت العصمـة صيغةً مخففةً لمعتقدات الخطابية والغلاة في أن (النور) هو الله، وهو (روح) يحل أبدان الأوصياء فلا تخرب ولا تفنى بل تُرفع بأبدانها وأرواحها؛ بحيث يذكر عن الأمام جعفر الصادق: “ما من نبي ولا وصي يبقى في الأرض أكثر من ثلاثة أيام، ثم يُرفـع بروحه وعظمه ولحمه إلى السماء” (7).

وقال: في حقيقـة (الإنسان) اسم لمعنيين: (بدن) موات و(روح) نور من الأنوار، والإنسان المعني هو الروح؛ وقد أخذ عنه المعتزلي (إبراهيم بن سيار النظام) ذلك فقال: البدن آلة وقالب، أما الروح فهي الفاعلة ولها القوة والحياة، وهو كقول (برديصان) إن الظلام موات، أما (النور) منه الحركة والحياة؛ بذلك رأى ابن الحكم البدن مجرد صفة أو نعت أو آلة مضافة، حركتها وأفعالها روحية محضة والإنسان هو الروح؛ ومن ثم يرى ابن الحكم وقوع المحاسبة والتكليف على الروح، والمعرفة كلها منبعها الروح؛ لذلك قال إن (المعارف) استدلال ضرورة لا استدلال أعراض! وقال إن الباري يعلـم الأشياء بعد كونها، وإن علم الله غير أزلي لأن (المعلومات) غير أزلية، إذ (المعلومة) بحالة العدم لا يعلمها إلا إذا دخلت بحالة الوجود، “فلو كان عالمًا أصلًا لم يصح التكليـف والمحنة والاختبار”، وهذا قول مؤمن الطاق وزرارة بن الأعين، وبذلك حل مسألة الشر والاختبار بنفي المعلومية عن الباري. (8) (9)

للأسف، لم تصلنا كتب لرؤية كاملة لفلسفة هشام ابن الحكم، وكل ما نعرفه عن فلسفتـه مجرد شذرات؛ لكن نستطيـع أن نقول مع ابن النديم إن هشام بن الحكم كان مهذبًا لمذهب الإمامية.

المراجع:
1) أصول الكافي، مج ١، [٢٧٩] [٢٨٤]
2) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري، ص٢١٧
3) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق بن بابويه
4) مدخل إلى الفلسفة القديمة، A.H Armstrang
5) مصدر رقم 4
6) أصول الكافي، ج١، [٧١١] [٧١٦]
7) المحتضر، ص١٠٣
8 ) الفرق بين الفرق، أبو المنصور البغدادي
9) الملل والنحل، أبو الفتاح الشهرستاني

 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: زهراء زكي

تدقيق لغوي: محمد ثروت

تدقيق علمي: راجي يوسف

تعليقات
جاري التحميل...