تأخذك إلى أعماق الفكر

تحت راية الصليب – كيف صنع الصراع الإسلامي المسيحي حضارة الغرب – ج 1

وهكذا كانت الشرارة الأولى للتنوير الأوروبي، برفض التقليد الأعمى والتفسير الغيبي للحياة.

وعلى الجانب الآخر كانت الأندلس تمثل الاستثناء الصارخ في أوروبا؛ فمنذ الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة حرص حكامها الجدد على إقامة تفاهماتٍ واتفاقياتٍ بينهم وبين الحكام المحليين المسيحيين يضمنون لهم بها حريتهم العقائدية مقابل خضوعهم السياسي للسلطة الجديدة، بينما انسحب النبلاء الإسبان إلى منطقة استورياس شمال غرب إسبانيا، وأسَّسوا مملكة مسيحية صغيرة، ومع الوقت نشأ جيلٌ من الأندلسيين المسلمين عُرف باسم المولدين، وبدأت تظهر ظاهرة الاستعراب؛ حيث تغيَّرت لغة المسيحيين في الأندلس للعربية، وأصبحوا يرتدون ملابس شرقية، واتخذوا من عاداتهم وثقافتهم الكثير حتى أدخلت الكنيسة اللغة العربية في القداس؛ الأمر الذي اعتبرته الكنائس الإسبانية هرطقة.

انتقلت من بلاد العرب إلى الأندلس المحاصيل الزراعية المختلفة وطرق الرَّي والأساليب الإدارية، وكذلك الفنون من موسيقى وغناء وآداب المائدة، وسمات الفخفخة والثراء وعلامات الأرستقراطية من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وعطورٍ إلى جانب العلوم المختلفة. وبينما كان تفتت الأندلس وقيام عصر ملوك الطوائف كارثة سياسية أذنت بغياب شمس الحضارة العربية الإسلامية عن شبة الجزيرة؛ إلّا أنَّ تعدد الملوك بها مع ضعفهم العسكري أدّى بهم إلى التنافس الحضاري، فكان كل بلاط يزخر بالعلماء والفنانين والشعراء والأدباء المتنافسين.

وكان العرب قد طوَّروا من علم الكلام واستخدموه في المناظرات العقائدية بين فرق المسلمين وبينهم وبين أهل الكتب والعقائد الأخرى، فكان انتقال هذه الأفكار إلى أوروبا حدثًا مزعزعًا للإيمان المسيحي القائم على التقاليد الرَّاسخة، وواجه بفخاخٍ عقلية تتحدَّاه، ووجد العلمانيون الأوربيون سلاحًا يواجهون به السلطة الكنسية مستندين إلى العقل والحجاج المنطقي. وانتقلت إلى أوروبا مؤلفات الكندي والفارابي وابن طفيل وابن رشد وخاصةً شروحه لأرسطو التي ترجمها اليهود للعبرية، وساهم شتاتهم في أوروبا في نشرها رغم حظر تدريسها؛ حتى ظهر تيار فكري تنويري عرف بالرشدية رفض سلطة الكنيسة واحتكارها للحقيقة الدينية والعقلية، وفي النهاية برز المنهج العلمي كوسيلةٍ للفصل في صحة الأمور وبطلانها رغم تعسُّف محاكم التفتيش واضطهادها للعلماء.

ومع التفوق السياسي والعسكري والحضاري الكاسح، كانت الثقافة العربية الاسلامية تتغلغل في العمق الأوروبي، وكان تشبُّع المسيحيين بالثقافة العربية الإسلامية مخيفًا لرجال الكنيسة الذين أفزعهم ما كان بالمدن الإسلامية كقرطبة من تآلفٍ وتعايشٍ سلميٍّ بين المسيحيين والمسلمين، ونظروا لمقاومته كواجبٍ مقدَّس يحتم عليهم بذل كل طاقتهم لاستعادة الهوية المسيحية ومقاومة الاستعمار الثقافي الإسلامي.

إعلان

لتبدأ الحرب التي غيَّرت وجه العالم والتي نعرض لها في الجزء الثاني من هذا المقال.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.