تأريخة سوكوروف

جميعنا قَد سَمعنا حتى لو “مصادفةً” بالكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، وكيَف كانَت رحلتهُ الشبه نفسية، شبيهًا بمؤرخٍ حي يجوب الزَمن المُتأخر، بشخصيةٍ ساخطةً على أولئكَ الذينَ عاصروه وعاشوا في غمار السُلطة والعُنف والرغبات، أكثرُهم كانوا حيوانات بهيمية قَد عاشَت على سطح الأرض، فالإيطاليون عندهُ سَرَقة مُحتالون، والفرنسيون مُتعصبون، والإسبان بُخلاء للغاية، دانتي في رحلته العظيمة هذهِ قد رأى ثنايا المُستقبل وحَسرة الماضي، ورأى أنَ التأريخ جسدٌ مخادع بلا عقَل، ولأنَ فلورنسا صاحبة الشجيِّ الفنيَّ الحار، والعواطف السموحية العارمة  لا تحتضنُ أي فراغٍ اجتماعي، وَلَدَت أليغييري البصيرُ الذكي.

استَطرد معي: لَقد خلَف جذام أوروبا سُلطةً عنيفة، فقد أُقصيَّ الملايين تحتَ ذريعة المرض، بقي قرنين يتجولُ بالناس بينَ التطهير والعَزل والنفي والإقصاء، في القرن السابع عشر كما حَدثنا فوكو “برحلةٍ مرعبة” داخلَ التأريخ، فهو يضعُ نفسه محلَ المُخرج الذي يحملُ عقلاً مخيالياً رائعاً لا المؤرخ، فهو يُريد منا أن ننظُر بأعيُننا لتلكَ المراحل الموصوفة بمراحل الجنون. سفينة عملاقة تجوبُ الأنهار، سفينة للعاهرات، وأُخرى للمُهرطقين، وسفينة للفاضلات، وكذلكَ للخُبثاء المُتبججين. هذهِ السُفن رُغم خلاف الأدب واستعارتهُ الهجائية، ألا أنها كانَت سفنًا حقيقية تحملُ المرضى والمُهرطقين الذين تنفيهم المدينة بعيدًا عن حياة “العُقلاء”، هذهِ المُمارسة كانَت سائدة في ألمانيا “نورينبورغ” في النصف الأول من القَرن الـ 15 تمَ إحصاء 55 مجنوناً، 21 منهُم رُحلوا قسريًا ونُفيت هوياتهم من قبَل السُلطات البلدية والقانونية.في “فرانكفورت” مثلًا سنة 1399 كان البَحارة مُتكفلينَ بأخذ الذينَ يُنفون، أو الحمقى الذين يجوبون الشوارع، كثيرًا ما شوهدت هذهِ السُفن تجوب الأنهار حاملةً المجانين على متنها، حمولَتها الدلالية “مجانين لا يتصرفون مثَل الآخرين”، كانَت حُجج الكنائس آنذاك، إنَ الله سيحملهم معَ أشرعته إلى السماء لعقلنتهم ثُمَ يُعيد إرسالهم إلى الميناء.

“الفُلك الروسي” أو “السفينة الروسية” للمُخرج “ألكساندر سوركوف” لَقد شاهدت فيلمين لهُ، فاوست، شخصية استخدمها الفيلسوف الألماني غوته، كانَ إخراجًا باهرًا، وفيلمًا آخر “الأُم وابنها” وهو رحلة تدور أحداثها في قيمة الشخصية الذاتية والألم الذي يحزُ التعبير، أي نهاية العُمر والحكمة الأخيرة، والموت.

سنَسمع صوت سوركوف يفتتحُ الفيلم، وعينيه تبحلقان على مشاهد مُتعددة من التأريخ الروسي، إنها رحلة مؤلمة خارجَ الزمن، داخل الوعي والذاكرة، مكانٌ واحدٌ صغيرٌ و90 دقيقة تتجول بنا الكاميرا دونَ انقطاع في لقطةٍ واحدةٍ بلا رمشة، وهو أكثَر تعقيدًا من فيلم 1917 وهيتشكوك وBirdman من الزاوية الإخراجية.

أكثَر ما يشد المُشاهد الرؤية الفلسفية لحُقبٍ مختلفة، ومشاهد منفصلة، مثلا: سنشهد بطرس روسيا يقوم بتأديب أحد خدمه، ونيقولا يعتذرُ من شاه إيران، مُدير متحف الأرميتاج وابنهُ في زَمن الاتحاد السوفيتي، ومشهدًا متباعدًا للستالينية، ومشهدًا قاسيًا للغاية لنجار يصنعُ توابيتًا في بطرسبورغ أثناء الحَرب العالمية.

إعلان

سوركوف لا يُريد خَلق تَحدي إخراجي معَ الآخرين، أو يريد إثبات قدرته التصورية، فالكاميرا هُنا هي “عين المشاهد” التي تأخذه إلى عمق الصورة، ليست عين المؤرخ التي تتجول، بل ما يُسمى “مبدأ الانفهامية” الذي يتعامَل مع الزَمن مع فظاعة الحرب وعقود خلَت من الإنسانية لتَتخذ شكلًا لاإنساني وليدًا لنسلها الشمولي أو الديني أو سياسات الإبادات العِرقية، سوركوف يُحملنا على أن نشُك في التأريخ باعتباره صورة مُتعددة وصَلت إلى أذهاننا نحنُ أبناء القرن الـ 21، فالتأريخ بما أنهُ قليل الموثوقية، بالتالي هو مُعرض لطاولات الأشرَحة أو التشريح، ففرنسا التي كانَ دانتي يرى رجالها المُثقفين مُتعصبين أصبحوا اليوم مُتشككين في الزمن، فالمؤرخ اليوم يرى الماضي “ما هو إلا جنون قد حَصل بينَ الكائنات البشرية”.

لا أعرفُ تحديدًا ما هو ذوق الجماهير في تناول التأريخ، لكني مُتقين أنَ الجمهور يقف “منتظِرًا” حدثًا وحكمةً وشيئًا يضيف لهُ معنىً ما، لأننا في وقت مرعب فقدنا فيهِ الهوية حتى في المُخطط اليومي، فنحن أشكالنا القديمة التي تُعيد تعبير التأريخ كيفما تجدُ ذلكَ متوافقاً مع فراغاتٍ لا يُمكن ملؤها، إلا بالشكل القديم.

إنَ التأريخ يتسارع، والزمنُ الفيزيائي الكوني النجمي الغُباري لا يُتيح لَنا فرصاً كي لا نشيخ، كُلنا نحملُ ذلكَ الحنين الخافت إلى الماضي، حنينٌ إلى الحرب وحنينٌ آخر لآكلي لحوم البشر.

في كتاب رولان بارت “غُرفة التظهير” يقول :﴿ أتخيل “وهذا كل ما أستطيع أن أفعلهُ، لأنيَّ لستُ مصوراً” أن المُبادرة الأساسية للفاعل تكمُن في مباغتة شيء ما أو شخص من الأشخاص “بالثقب الصغير لكوة آلة التصوير”، وإن هذه المُبادرة لتكون كاملةً عندما تتِمُ إنجازاً من غير علم الشيء أو الشخص المصور، وولدت عن هذه المبادرة، على نحوٍ مفتوح، كل الصور التي يقوم مبدؤها ” على « الصدمة »﴾ ما هو السبب؟ لأن الصدمة التصويرية التي تختلف عن ﴿الوخز﴾، تستلزم الصدمة على نحوٍ أقل مما تستلزم الكشف عما كان مخبأً جيدًا، وهو الأمر الذي كان يجهلهُ الفاعل نفسهُ، سواء أكان جاهلاً به أو غير واع، وانطلاقًا من هذا، فإن جملة من المفاجآت  “هكذا هي بالنسبة إلي، أنا المشاهد، ولكن بالنسبة إلى المصور، فإنها تمثل إجراءات”.

شخصياً، أجدُ أنَ سوكوروف مُحققٌ نافذٌ مثلَ تاركوفيسكي، كلاهُما يحملان شيئية من النَقد، لهذهِ الصِلة ترابط في الكثير من المشاهد، فـ “Tar” يُعيد خلق الأحلام بصورةٍ حنينيةٍ قريبة للفَن رفيع المُستوى ويتجولَ بكَ عبر خارطة التأريخ وعلاقة الإنسان بتلكَ التكونات المُعاصرة لحُقبه التصويرية، بينما “Sok” طورَ موضوعاته من ناحيةٍ جمالية لكُتلٍ مورفولوجية تتقربُ أن تكونَ لوحات دائمًا، أنا أؤكد أنهُما رسامان يَسرحان بالشخصيات في التأريخ بشكلٍ يكتسب تعقيدهُ شيئاً فشيئاً مع الأخاليط والتفرُدات والأحداث تفاصيل مطلية باللامنطق.

عندما بدأت في ترجمة الفيلم، كنت أُفكر بروايةٍ “الأُم” للكاتب الروسي “غوركي”، تلك الام المتألمة دائماً، المنهارة من صداعات العالَم و تهويلات المجتمع، لم أستطع أن أكمل، لأنني بين حوارٍ و آخر تتقَرقر عيني بدموعها، إنني لم اعتد أن أبكي بهذا الشكل أبداً.

إن سوكورف كانَ يُحب الرسام الألماني “كاسبر فريدريش” صاحب لوحات الإستجمام والرؤية البُعدية، كذلكَ التسامي الحزين، وأعتقد أنَ فيلمهُ يشهد لوحات كثيرة تتزامن مع وقفات ولقطات.

يبدأ الفيلم في شكلين بشريين، سرعان ما يكشفان عن نفسيهما ليكونا لشاب وامرأة عجوز واهية. يتكئون في صمت لا يقطعه إلا همسات وأصوات لا يمكن تمييزها. الشاب هو الابن (Alexei Ananishnov) الذي يعتني بأمه المريضة المنهكة (Gudrun Geyer). مرضها غير محدد ومن وقت لآخر يسبب لها ألمًا شديدًا وهي تلهث من أجل الهواء. يمشط ابنها شعرها ويطعمها ويغطيها بمعطف ويأخذها بين ذراعيه. إنها تعتمد عليه تمامًا لأنه كان يعتمد عليها كليًا في يوم من الأيام. مع تقدم الفيلم، يحمل الابن والدته في رحلة طويلة من فراش المرض إلى فراش الموت. إنها حركة دائرية تسافر لمسافة طويلة عبر منظر طبيعي يشبه الحلم في الريف، على طول طرق ترابية متعرجة، في كل محطة من محطاتهم القصيرة في الرحلة هي لحظة تأمل ومداعبات ونغمات رقيقة. هذه الهمهمة اللطيفة تحكي عن حب الأم لابنها عندما كانت ترعاه، وعن حب الابن لأمه وهو يفتح لها الطريق الغامض إلى وفاتها. إنهم يتقدمون تحت سماء بحر البلطيق الرصاصية والمضيئة، في مناظر طبيعية منعزلة تمامًا. من وقت لآخر، يوجد قطار بعيد أو شراع في البحر، مما يؤكد عزلهم عن بقية العالم.

يعودون إلى المنزل، يخفض الابن أمه بحنان إلى سريرها الذي يبدو الآن وكأنه نعش. على الرغم من أنه يحاول طمأنتها على العكس ، إلا أنهما يعلمان أن النهاية قادمة. يتركها ويذهب في نزهة انفرادية طويلة. عندما يعود يبكي على والدته التي ماتت.

لَقد وَلَعَنا الروائي دوستويفسكي بسردهِ الغَريب، الذي تَظهر فيه شخصيات على الخَط “الديالكتيكي” في أسوأ حالاتها وأضوَرها، ففي كُل رواية يُقدم لنا فيودور “الوعي” تراجيديًا يندمجُ مع آلام العَصر وعُصارات النفس، إنها أعمال يُمكنني أن أُصنفها كأفضل وحدة فنية إلى الآن، إنَ خطأ الأتقياء وإعياءُ الفُقراء هما مُشكلة الآيديولوجيات.

راسكوفلينكوف: سنتجولُ في الرواية مع هذهِ الشخصية، كما نتجولُ مع بطل الفيلم “صفحات الهمس” اللذان هُما أشباه شيطانٍ من الناحية التحليلية، يعيشان بضراوة “الأنا الثانية”.

إنَ العيش قُرب مع البشر، وإمكانية أن تبقى حياً معهم لـ 80 عامًا أو أقل، هي مشكلة كبيرة سيضعنا بها المُخرج، فماذا سيؤولُ بشخصٍ يُعقدهُ المُجتمع ويسحقهُ لفظياً وعملياً؟.

إنَ الجوهر ليسَ العقيدة بحد ذاتها في روايات دوستويفسكي، بل يترحلُ نحوَ ذلك الجوهر “الوراثي”، فمن قد أخذَ نهاية العالَم بطريقةٍ سياسية وإجتماعية، رُغم إيمان فيودور بـ الرب، لكنهُ يُحول كل شيء لحدة استيعاب الأشياء عندَ البشر، الذين هُم ملاحدةً نفسيين وليسوا عقليين، فالإلحاد الاجتماعي هو ذلكَ الانحسار الداخلي الذي سببهُ نقص حالة التعبير لأنَ المجتمع المتعالي، المقهور، يخلف وراءه جدلًا يائسًا يهرب منهُ أطيَّبُ رب.

في هذا الفيلم لم أجَد أيّ دُعابة مُضحكة، هل سمعتم عن النُكتة الواقعية التي تتبرمُ بها طاقة تعبيرك عن أيَّ ضحكٍ يتطابق معَ ما يحدُث؟

الفيلم عبارة عن اشتقاقات من الأدب الروسي وشيء من رائد الأدب الكابوسي كافكا، خصوصًا انفعالات شخصيات دوستوفيسكي وتولستوي وغوغول في سُخريتهم من المعنى الديني الذي يمُد البشرية بالوَهم والفقر وتراهُ عادةً على خط التاريخ يتساهل مع أولئك الذينَ يمتلكون السلطة والأموال والحُكم.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: محمد العيساوي

تدقيق لغوي: أمينة براهيمي

اترك تعليقا