الندم وثقل الماضي: حين يأتي الوعي متأخرًا | جمال إيداين

لماذا نحاكم أنفسنا اليوم على قرارات اتخذناها بالأمس، ونحن نعرف الآن ما لم نكن نعرفه يوم اتخذناها؟
تمهيد: حين يصبح الماضي محكمة
في عام 1736، فقد بنيامين فرانكلين ابنه الصغير، فرانسيس، بسبب الجدري. وبعد سنوات، ظل فرانكلين يندم لأنه لم يُخضعه للتلقيح ضد الجدري. لم يكن يستطيع أن يعود إلى اللحظة التي اتخذ فيها قراره، ولا أن يختبر الطريق الذي لم يسلكه. كانت المعرفة قد جاءت، لكن بعد أن أُغلقت اللحظة إلى الأبد.
هنا يبدأ الندم من أكثر الأماكن قسوة: من بابٍ كان مفتوحًا ثم أُغلق إلى الأبد، فنحن لا نندم فقط على ما فعلناه؛ بل نندم أحيانًا على ما لم نفعله، وعلى الكلمات التي لم نقلها، والأشخاص الذين تركناهم، والطرق التي لم نسلكها، نندم على اختيارات كانت موضع الشّك.
ثم يستدرجنا السؤال الصغير الذي يبدو بريئًا، لكنه يستطيع أن يفتح في داخلنا حفرة كاملة:
ماذا لو؟ يترك خلفه جرحا مفتوحا لكثرة التأويلات والتمثلات. ماذا لو اخترت الطريق الآخر؟ ماذا لو بقيت؟ ماذا لو رحلت؟ ماذا لو قلت “نعم” بدل “لا”؟ ماذا لو “لم أخف”؟
لكن المشكلة تكمن في كون الإنسان لا يملك معرفة المستقبل حين يختار. إنه يختار داخل ضباب من الاحتمالات أو تحت تأثير عاصفة من التمثلات، ثم يعيش النتيجة، وبعدها فقط يبدأ في رؤية الطريق الذي قطعه بوضوح أكبر، تتحطم أمامه كل الاحتمالات وتنكشف صورة أخرى معاكسة أحيانًا لما كان في تمثلاته.
إعلان
«إننا نضيء الطريق بعد أن نكون قد قطعناه».
إليكِ يا “صبا”، لو كنتِ تعرفين أنّ بعض الاختيارات ستترك وراءها كل هذا الثقل… هل كنتِ ستختارين بالطريقة نفسها؟
من هنا يصبح الندم أكثر من إحساس مؤلم. إنه سؤال عن الاختيار، والحرية، والزمن، والذاكرة، والوهم؛ وعن ذلك الإنسان الذي يعود إلى ماضيه بعقل جديد، ثم يطلب من نفسه القديمة أن تكون قد عرفت ما يعرفه الآن.
المحور الأول:حين يحاكم الحاضر ماضيه
أقسى أشكال الظلم أن نحاكم إنسانًا قديمًا داخلنا، بالمعرفة التي لم تكن له يومًا.
غالبًا ما يبدأ الندم بعد أن تتغير الأشياء في داخلنا. نكبر، تتسع خبرتنا، تتغير نظرتنا إلى الناس والحياة، ثم نعود إلى قرار قديم وننظر إليه بعين جديدة. نحن نملك رفاهية المعرفة بعد وقوع الأشياء، ثم نستخدمها لإدانة أنفسنا قبل وقوعها.
وهنا تكمن مفارقة الندم: الإنسان الذي اتخذ القرار لم يكن يملك المعلومات التي يملكها الإنسان الذي يحاكمه اليوم. ومع ذلك، يتصرف الحاضر كما لو أن الماضي كان يعرف كل شيء.
ففي رواية «عائدٌ لأبحث عنك» لغيوم ميسو، -بعد قراءتي المتواضعة- يواجه “إيثان” نتائج اختياراته الماضية، ويجد نفسه أمام حياة لم يعد يستطيع التعامل معها كما لو أن القرارات القديمة قابلة للمحو. تمنحنا الرواية صورة سردية للندم: قرار يُتخذ في لحظة، ثم لا تظهر كلفته الحقيقية إلا بعد أن يصبح الرجوع أصعب من أن يكون ممكنًا.
يصوّر لنا “غيوم ميسو” كيف يقع الإنسان ضحية وهم الزمن؛ حيث تضيع منه فرص كثيرة لاعتقاده الخاطئ بوجود وقت كافٍ في الحياة! ويرمي لنا بقصة “إيثان” بطل الرواية كعبرة؛ حيث تحوّل ندمه إلى شعور خانق بالإستغراق في حياة لا تشبهه ولا تناسب طموحاته.
هل يمكن التغلّب على شعور الندم؟ تمنح الفانتازيا في الرواية فرصة ثانية للبطل ليصحح اختياراته قبل فوات الأوان! لكن البكاء على الزجاج المكسور لن يعيد ترميمه! والحل يكمن في تقبل الواقع.
لكن نحن لا نريد دائمًا تغيير الماضي؛ أحيانًا نريد فقط أن نعود إليه بالعقل الذي نملكه الآن. وهذه هي المفارقة المؤلمة: نحن نحاكم شخصًا قديمًا داخلنا باستخدام وعي لم يكن موجودًا حين كان ذلك الشخص يختار.
إليكِ صبا… لو عاد بكِ قرار قديم، ولكنكِ عدتِ إليه بالشخصية نفسها، والخوف نفسه، والمعرفة نفسها، هل كنتِ ستختارين بشكل مختلف؟ ربما لهذا لا يكون الندم دائمًا عقوبةً على خطأ، بقدر ما يكون عقوبةً على وصول الوعي متأخرًا.
المحور الثاني: هل نندم على الاختيار أم على الوهم؟
قد لا يكون ما تؤلمنا هو ما اخترناه، بل المعنى الذي ألبسناه لشيءٍ لم يكن يعرف أنه صار حلمًا.
ليست كل نتيجة مؤلمة دليلًا على أنّ الاختيار كان خاطئًا. أحيانًا لا تؤلمنا الاختيار نفسه، بل الصورة التي صنعناها حوله. فنحن لا نختار الأشياء كما هي دائمًا؛ نختار أيضًا ما نتخيله عنها. نختار وظيفةً ونمنحها مستقبلًا كاملًا في خيالنا. نختار شخصًا ونضع حوله صورة لا يستطيع الواقع أن يحتفظ بها. نسلك طريقًا ونعتقد أن نهايته ستكون كما رسمناها. ثم تأتي الحياة، لا لتخوننا بالضرورة، بل لتكشف أن الصورة التي راهنّا عليها لم تكن هي الشيء نفسه.
يا صبا… كم مرةٍ نتألم من الأشياء لأنها خذلتنا، وكم مرةٍ نتألم لأن الصورة التي رسمناها لها كانت أكبر من حقيقتها؟
من هذا المنطلق تظهر مشكلة الطريق الآخر. فالطريق الذي لم نسلكه لا يملك تاريخًا سيئًا. إنه طريق بلا جروح، لأننا لم نمشِ فيه أصلًا. الطريق الذي عشناه يحمل أخطاءه وخيباته وملله وتفاصيله الصغيرة، أما الطريق الآخر، فيبقى في خيالنا نظيفًا من كل ذلك، مفتوحًا على أفضل الاحتمالات فقط. ولهذا قد لا يكون الندم سؤالًا عن الاختيار بقدر ما يكون سؤالًا عن الوهم الذي سبق الاختيار.
– هل نندم لأننا اخترنا الطريق الخطأ، أم لأننا منحنا الطريق معنى لم يكن فيه منذ البداية؟
المحور الثالث: هل كنا أحرارًا حين اخترنا؟
نحن نصل إلى لحظة الاختيار محمّلين بأشياء كثيرة، ثم نغادرها ونحن نظن أن القرار كان لنا وحدنا.
ربما يكون السؤال الأكثر قسوة في الندم هو: هل كان بإمكاننا أن نختار غير ذلك؟
نحن لا نختار من فراغ. ندخل كل قرار محمّلين بطفولتنا، وخوفنا، وتجاربنا السابقة، وحاجتنا إلى القبول، وصورنا عن أنفسنا، والظروف التي تحيط بنا، والمعرفة المحدودة التي كانت متاحة لنا في تلك اللحظة. وهذا لا يعني أن الإنسان بلا مسؤولية، لكنه يعني أن المسؤولية ليست دائمًا مرادفًا للسيطرة الكاملة.
ترتبط الحريّة عند “سارتر” بمسؤولية الإنسان عن اختياراته. لكن الندم يضع أمامنا سؤالًا آخر أكثر قسوة: أيّ إنسان كان هو ذلك الذي اختار؟ وهل يمكن أن نحاكمه كما نحاكم أنفسنا الآن، بعد أن تغيرت شروطه الداخلية والخارجية؟
وربما يكون السؤال الأعدل من: “كيف فعلتُ هذا بنفسي؟” هو: “من كنتُ يوم فعلتُ ذلك؟” فالندم لا يكشف فقط خطأ القرار؛ قد يكشف المسافة التي قطعناها منذ ذلك الإنسان الذي كنا عليه.
المحور الرابع: حين لا يكون العقل وحده صاحب القرار
قبل أن يصل القرار إلى الوعي، تكون أشياء كثيرة في أعماقنا قد بدأت الاختيار دون أن تستأذننا.
نحن نحب تخيل أننا نفكًر أولًا، ثم نشعر، ثم نقرّر، لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من هذه الصورة المرتبة. فقد أظهر “أنطونيو داماسيو”، في أعماله حول العلاقة بين الانفعال والعقل واتخاذ القرار، أنّ العاطفة ليست مجرد قوة تعطل التفكير، بل تدخل في الطريقة التي نقيّم بها الخيارات ونختار بينها. فالجسد والتجربة والانفعال ليست عناصر هامشية في عملية القرار، بل يمكن أن تؤثّر في كيفية تقييم الخيارات وتوجيه السلوك. وهذا هو جوهر ما عُرف في أعماله بفرضية “العلامات الجسدية”.
وهذا يغيّر شيئًا مهمًا في فهم الندم. فقد نعود إلى قرار قديم ونراه الآن منطقيًا أو غير منطقي، بينما كان القرار يومها مرتبطًا بحالة شعورية وتجارب وظروف لم تعد موجودة بالطريقة نفسها.
ولهذا فإنّ الندم، في بعض الأحيان، ليس اعترافًا بأننا كنا أغبياء، بل اكتشاف متأخر للآليات الخفية التي كانت تعمل في داخلنا ونحن نظن أننا نملك الصورة كاملة. إنه ثمن المعرفة حين تأتي بعد القرار.
المحور الخامس: الماضي الذي تصنعه الذاكرة
كلما ابتعدنا عن الماضي، لم نعد إليه كما كان؛ بل كما أصبحنا نحن.
لكن ماذا لو كان هناك شيء آخر نخونه حين نندم؟
الذاكرة. نحن نتعامل معها كأنها أرشيف أمين يحتفظ بما حدث ثم يعيده إلينا متى طلبناه. لكن الذاكرة ليست كاميرا؛ إنها تعيد بناء الماضي كلما استدعته. ولهذا قد لا نتذكّر الأشياء كما وقعت، بل كما أصبحت تعني لنا بعد أن وقعت.
فالسنوات لا تغيّر ما حدث فقط؛ أحيانًا تغيّر نظرتنا إلى ما حدث. القرار الذي بدا لنا عاديًا في لحظته قد يصبح، بعد سنوات، لحظةً فاصلة في حياتنا. وشخصٌ كان واحدًا من أشخاص كثيرين في يومٍ ما، قد يصبح في الذاكرة الشخص الذي كان يمكن أن تتغير معه حياتنا كلها.
صبا… هل نتذكر ما حدث فعلًا، أم نتذكر ما أصبح ما حدث يعنيه لنا؟
كلما ابتعدنا عن الماضي زمنيًا، قد نشعر أننا نفهمه أكثر، بينما نحن في الحقيقة نعيد تأليفه أكثر. وهكذا يصبح الندم أحيانًا صراعًا مع الرواية التي كتبناها عن الماضي، لا مع الماضي نفسه. فنحن نحاول محاكمة ما حدث، باستخدام شاهدٍ تغيّر هو نفسه مع الزمن.
<>المحور السادس: الحياة التي لم نعشها
الطريق الذي لم نسلكه يظل جميلًا، لا لأنه كان أفضل، بل لأنه لم يُمنح يومًا فرصة أن يخيبنا.
هناك نوع آخر من الندم لا يتعلق بما حدث، بل بما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث.
ماذا لو؟ ماذا لو اخترت الطريق الآخر؟ ماذا لو بقيت؟ ماذا لو رحلت؟ ماذا لو قلت نعم بدل لا؟ ماذا لو لم أخف؟
أسئلة قصيرة، لكنها قادرة على بناء حياة كاملة داخل رؤوسنا. والأغرب أننا لا نكتفي بتخيل الطريق الذي لم نسلكه؛ نحن نمنحه غالبًا نهايةً أجمل من تلك التي نعيشها.
نحن نعرف عيوب حياتنا الحالية لأنها عاشت معنا تفاصيلها كلها: الخيبات، الملل، الأخطاء، والمصادفات السيئة. أما الحياة الأخرى، حياة “ماذا لو؟”، فلا نرى منها إلا أجمل احتمالاتها.إننا نقارن حياةً حقيقية بكل فوضاها، بحياة متخيلة لم تُمنح فرصة الفشل أصلًا.
إن الاحتمال لا يملك تاريخًا من الأخطاء. لا يملك فشلًا نتذكره. لا يملك أشخاصًا خذلونا. إنه مجرد إمكانية. والإمكانية، قبل أن تصبح واقعًا، تستطيع أن تكون أجمل من الواقع بكثير. لهذا قد لا يكون سؤال “ماذا لو؟” سؤالًا عن الماضي بقدر ما هو سؤال عن حياةٍ لم تولد أصلًا.
نحن نعيش حياةً واحدة، لكننا نحاكم أنفسنا داخل حيواتٍ لم نعشها.
المحور السابع: حين يصبح الندم بحثًا عن معنى
ربما لا يكون أصعب ما في الندم أن نعرف أننا أخطأنا، بل أن نكتشف أننا لم نفهم أنفسنا بعد.
في رواية “أرني أنظر إليك” لخولة حمدي، يتحول الصراع الفكري والروحي إلى رحلة في أسئلة الإيمان والشك والبحث عن الحقيقة، ويصبح اضطراب الإنسان الداخلي جزءًا من بحثه عن معنى الطريق الذي يسير فيه.
وهنا يمكن أن نضيف طبقة أخرى إلى سؤال الندم: ربما لا نندم فقط لأننا اخترنا شيئًا وانتهى بنا إلى نتيجة مؤلمة، بل لأننا نكتشف لاحقًا أننا لم نكن نفهم تمامًا لماذا اخترناه أصلًا.
فالإنسان قد يغير طريقه المهني، أو العاطفي، أو الفكري، أو الروحي، ثم يقضي سنوات وهو يحاول تفسير القرار الذي قاده إليه. وقد يكتشف أن ما ظنه بحثًا عن السعادة كان بحثًا عن الأمان، وأن ما ظنه هروبًا من شخص كان هروبًا من نفسه، وأن ما ظنه اختيارًا حرًا كان في جانب منه استجابة لخوف قديم.
عندها لا يعود الندم مجرد سؤال: “لماذا اخترت هذا الطريق؟” بل يصبح: “ماذا كنت أبحث عنه وأنا أختاره؟” وهذا السؤال أكثر عمقًا؛ لأنه لا يحاكم القرار فقط، بل يحاول فهم الإنسان الذي كان وراءه.
المحور الثامن: هل يمكن التصالح مع الماضي؟
ربما لا يكون التصالح مع الماضي أن نغفر له، بل أن نتوقف عن مطالبته بأن يصبح شيئًا آخر.
بعد كل هذا، يبقى السؤال الذي لا يمكن تأجيله: ماذا نفعل بالندم؟
ليس من السهل أن نقول للإنسان: لا تندم. فالندم ليس زرًا نطفئه حين نكتشف أنه تؤلمنا.ثم إنّ بعض الندم قد يكون ضروريًا؛ لأنه يخبرنا أن شيئًا ما كان مهمًا بالنسبة إلينا، وأننا أصبحنا نرى اليوم ما لم نكن نراه بالأمس.
المشكلة ليست في أن نندم. المشكلة حين يتحول الندم من معرفةٍ بالماضي إلى عقوبةٍ للحاضر. حين لا يعود السؤال: ماذا تعلمت مما حدث؟ بل يصبح: “لماذا لم أكن أعرف ذلك يومها؟” وهذا سؤال لا يملك الماضي جوابًا عنه.
فالإنسان الذي اتخذ القرار لم يكن يملك عقل الإنسان الذي يحاكمه اليوم. كان يعرف أقل، ويرى أقل، ويخاف أشياء مختلفة، ويعيش داخل ظروف لن تعود. نحن نطلب من الماضي أن يتصرف وفق معرفة لم تكن موجودة فيه.
صبا… ربما أقسى ما في الندم أننا نكتشف متأخرين أن الشخص الذي نلومه لم يكن يملك الأدوات التي نملكها الآن. غير أنّ التصالح مع الماضي لا يعني أن نقول إن كل ما حدث كان صائبًا، ولا يعني أن نحول أخطاءنا إلى فضائل.
قد نكون أخطأنا فعلًا، وقد تكون بعض القرارات قابلة للمساءلة. لكن الاعتراف بالخطأ شيء، وتحويل الخطأ إلى هوية كاملة شيء آخر.
“قد أخطأتُ” ليست هي نفسها “أنا خطأ”. فالأولى اعتراف. والثانية حكم أبدي.
وربما لا يكون التصالح مع الماضي هو أن نغفر لأنفسنا كل شيء، بل أن نفهم أنفسنا بما يكفي كي لا نبقى أسرى للشخص الذي كنا عليه. فالندم، إذا فهمناه جيدًا، لا ينبغي أن يعيدنا إلى الوراء. ينبغي أن يعيد إلينا شيئًا من المعنى: أن يجعلنا نعرف لماذا اخترنا، ماذا كنا نبحث عنه، ماذا كنا نخاف، وأي وهمٍ صدقناه.
عندها يتحول الندم من محكمة إلى مرآة. والمرآة لا تعاقب من يقف أمامها؛ إنها فقط تجعله يرى. وربما هذه هي الوظيفة الأكثر إنسانية للندم: أن يجعلنا نرى الإنسان الذي كنّاه، دون أن نضطر إلى كرهه. إلّا أن هناك شيئًا لن يستطيع الندم، مهما كان عميقًا، أن يمنحنا إياه: العودة.
وهذه هي الضريبة الأخيرة للحرية: أن تختار طريقًا، ثم تمضي فيه دون أن تحصل على نسخة من الحياة التي تركتها خلفك.
صرخة أخيرة
نحن لا نكتشف ثقل بعض الاختيارات حين نخطوها، بل حين يصبح الرجوع إليها معرفةً بلا طريق.
في النهاية، ربما لم يكن الندم سؤالًا عن الماضي كما ظننا. كان سؤالًا عن الإنسان. عن ذلك الكائن الغريب الذي لا يكتفي بأن يعيش ما حدث، بل يعود إليه، يفتحه من جديد، ويبحث بين تفاصيله عن بابٍ آخر كان يمكن أن يقوده إلى حياة أخرى.
فنحن الكائن الذي يستطيع أن يعيش الحاضر بجسده، بينما يعيش ماضيه بعقله، ويعيش حياةً ثالثة لم تحدث أصلًا في خياله. ولهذا يبدو الندم أحيانًا أثقل من الخطأ نفسه. فالخطأ حدث وانتهى. أما الندم، فيعيد حدوثه. مرةً بعد مرة. كلما قلنا: ماذا لو؟
لكن ربما أخطأنا حين اعتقدنا أنً المشكلة هي أننا اخترنا الطريق الخطأ. فأيّ طريق كان يمكن أن يكون صحيحًا بالكامل؟ وأي حياة كانت ستخلو من الخسارة؟ وأي نسخة منا كانت ستعرف، وهي تقف عند مفترق الطرق، إلى أين تقودها الخطوة التالية؟
لا أحد.
وهنا تكمن قسوة الاختيار: إنك تختار وأنت تجهل النهاية، ثم تُحاسب نفسك بعد ذلك لأنك لم تعرفها. إننا نضيء الطريق بعد أن نكون قد قطعناه. ونكتشف قيمة بعض الأشياء بعد أن نفقد إمكانية استعادتها. ونفهم أنفسنا أحيانًا بعد أن تصبح العودة إلى الشخص الذي كنّاه مستحيلة.
صبا… ربما لم يكن أكثر ما تؤلمني أنكِ كنتِ جزءًا من ماضٍ مضى، بل أنني أعرف اليوم أشياء لم أكن أعرفها يوم كان بإمكاني أن أختار.
وهكذا يبقى الندم معلقًا بين زمنين: ماضٍ لا يستطيع أن يتغير، وحاضرٍ يعرف أكثر مما ينبغي. فنحن نحاول أن نصالح أنفسنا، فنكتشف أننا لا نملك الماضي أصلًا كي نصالحه. نحاول أن ننساه، فيعيده سؤال صغير. نحاول أن نقنع أنفسنا بأن الطريق الآخر لم يكن أفضل، لكننا لا نملك الدليل. وربما لن نملكه أبدًا.
لذلك لا أريد أن أقول إن علينا أن نتوقف عن الندم. ولا أريد أن أقول إن كل ما حدث كان ضروريًا. بعض الأشياء تؤلم فقط. وبعض القرارات تترك آثارًا لا تحتاج إلى حكمة كي تبرر وجودها. لكن ربما نستطيع أن نفعل شيئًا واحدًا: أن ننظر إلى الإنسان الذي اتخذ تلك القرارات، ونحاول للمرة الأولى ألا ننظر إليه بعين الإنسان الذي أصبحناه.
أن نسأله: ماذا كنت تعرف؟ ماذا كنت تخاف؟ ما الذي كنت تتمناه؟ وأي مستقبل كنت تراه أمامك وأنت تخطو ربما عندها نفهم أن الإنسان لا يختار حياته مرة واحدة. إنه يختارها في كل لحظة، ثم يعيد تفسير اختياراته كلما تغير هو. ولهذا لا يكون الندم دائمًا علامة ضعف. قد يكون أثرًا متأخرًا للوعي. وقد يكون ثمنًا ندفعه لأننا أصبحنا أشخاصًا آخرين.
لكن هناك شيئًا لن يستطيع الندم، مهما كان عميقًا، أن يمنحنا إياه: العودة. وهذه هي المأساة الصغيرة التي يحملها كل اختيار: أن الحياة لا تمنحنا النسخة التجريبية منها. نختار، ثم نعيش.
ولا نعرف ما كان ينتظرنا في الطريق الآخر. نمضي، ثم نلتفت. فنرى طرقًا كثيرة خلفنا، ونبدأ في اختراع حيواتٍ كان يمكن أن نعيشها. لكنها لم تحدث. ولهذا يجب أن نتوقّف لحظة أمام السؤال الأكثر قسوة:
هل نندم فعلًا على ما اخترناه، أم نندم لأن الحياة لم تمنحنا فرصة معرفة ما كان سيحدث لو اخترنا غيره؟
– لا جواب.
لعلّ هذه المرة، لا نحتاج إلى جواب. يكفي أن نعرف أن بعض الأسئلة لا تأتي لكي تُحل. إنها تأتي لكي تكشف لنا حجم ما لا نعرفه. والندم واحدٌ منها. فلعلنا لن نتجاوز الماضي أبدًا، أو نتعلم فقط كيف نعيش بجانبه. أو ربما لا يموت الندم حين نفهمه بل يغيّر صوته فقط.
إعلان
