النازية شر يبعث على التفكير حوار مع المؤرخ يوهان شابوتو

يُحاول المؤرخ يوهان شابوتو في هذا الحوار الممتع، كشف النقاب عن الظروف التي ساهمت في قدوم النازية بمباركة الساكنة، بهذا الصدد يُذَكِّر صاحب كتاب “فهم النازية” (Tallandier, 2018) بأن تنفيذ المشروع الهتلري كان مبنيا على نظرة للواقع ولوغوس يستدعيان لخدمتهما العلم، التاريخ والانثروبولوجيا.

المجلة: هل الشر موجود بالنسبة لمؤرخ – هو، إضافة إلى ذلك، مُتخصص في الاشتراكية القومية؟

يوهان شابوتو : هذا المفهوم غير مُستعمل بالنسبة  للمؤرخ الذي يمكنه فقط أن يُلاحظ، من وجهة نظره كمعاصر، بأن بعض التصرفات سيئة. يُمكنه بعد ذلك أن يُحاول رؤية ما الذي، في تصنيفات الفاعلين، هو شر أو خير. هذا الأمر لا يستدعي نزعة نسبية: أعتقد أنه بإمكان المؤرخ أن يمتلك أفكار صارمة وجد واضحة حول ما هو شر وما هو خير، بالإضافة إلى أنه عندما يهتم بحقبة ما. فهو يُحاول أن يعيد تشكيل الفضاء العقلي للفاعلين من خلال النظر إلى أية إحداثيات أخلاقية وبيولوجية وفلسفية ينتسبون. وبالتالي، فالشر ليس مفهوما إجرائيا، أو تصنيفا كاشفا، ولكنه موضوع بالنسبة للمؤرخ.

المجلة: حتى من أجل تصنيف المحرقة؟

يوهان شابوتو : وصف المحرقة بالشر، هو بمثابة خلع بابٍ مفتوح. ما يهمني، هو فهم لماذا لم تظهر هذه الأفعال بالضرورة على أنها سيئة بالنسبة لمرتكبيها وكيف أمكنها، بالنسبة لمئات الآلاف من معاصري عصر آخر، أن تبدو  شرعية، بل وضرورية. دون رد هذه الأفعال إلى الجنون، أو الحيوانية، أو الوحشية.

اليوم، نملك عموما، في أوربا الغربية، تصورا كونيا للإنسان، لكن ذلك لم يكن هو حال الأغلبية قبل سنة 1945. بالنسبة للنازيين، لا وجود هناك للكوني. عالمهم، هو عالم الخصوصية، التي هي، في نفس الوقت، واقع وقاعدة يجب استنتاجها من هذا الواقع. إذا لم يطع المرء هذه القاعدة التي هي قانون الطبيعة، فإنه يُعرض نفسه للموت – وهذا بالمناسبة ما ينتظره أعداؤهم. أنصار الكونية وحقوق الإنسان، في رأيهم. في مثل هذا الخطاب، القاعدة الأخلاقية والقانونية تتوقف عند حدود النوع، العرق.

المجلة: قاعدة تعني ضمنيا انتفاء جدوى التفكير. من هنا مفهوم “تفاهة الشر” الذي صاغته حنا آرندت : هل ترتاح لهذا المفهوم؟

يوهان شابوتو : لنقل أن حنا آرندت، لكن أيضا مارثن هايدغر وغونثر أندرس، قد قاموا بصياغة قراءة للحداثة مُقنعة من عدة جوانب : الشر، هو غياب التفكير. إنها فكرة سقراطية قديمة تم تطبيقها على البُنَى الإدارية والاقتصادية والعلمية – ومُقنعة عل أكثر من مستوى. ومع ذلك، فلها نواقصها. حنا آرندت وصلت إلى القدس من أجل حضور مُحاكمة أيخمان، مُحَمَّلَةً بهذا المقياس، فوجدت تأكيدا لنظريتها: هناك حيث  يُعلنون مجرما بإفراط، لم تجد هي سوى مجرما بعوز. إفراط في الشر والخبث والوحشية؟ لا : عوز في الخيال والذكاء والتعاطف. هذا الأمر قد عزز القراءة التي كانت تملكها للحاضر. وبذلك قامت بِلَيِّ عنق المفهوم الكانطي لتفاهة الشر: استعادت حنا آرندت فكرة أن الشر يجد مصدره في التفاهة البشرية التي قوامها الحرية، لكن مصطلح تفاهة، هنا، ليس وصفيا فقط، بل قدحي: التفاهة، لا تعني الوضع البشري، وإنما الوضع الخاص لرجل دنيء يُدعى أيشمان.

إعلان

تعرفون بقية القصة: حنا آرندت خرجت من المحاكمة بكتاب أصبح يُشكل نوعا من التبسيط في قراءة النازية. لكنها في الحقيقة قد  خُدعت من طرف أيخمان. الفيلسوفة والمؤرخة، بتينة ستاغنيت، أظهرت ذلك بشكل جيد في كتابها “أيشمان قبل القدس” : في القدس، أيشمان قام بتمثيل حياته لكنه ظل نازيا مقتنعا. وقد اعتمد في لعبته هذه، على معرفته المفترضة بالعالم اليهودي، الذي يبدو أنه كان خبيرًا فيه منذ سنوات الثلاثينات.

المجلة : إذن فالشر ينم عن ذكاء في هذه الحالة؟

يوهان شابوتو : القول بأن النازيين هم مجموعة من حليقي الرأس المتخلفين عقليا، يبقى مجرد تبسيط. إلى جانب تبسيط المس الشيطاني، أو الجنون، أو الحيوانية، الذي ينحدر بالفاعل إلى ما دون الإنسان أو شبيه الإنسان. مسألة أننا لا نتقاسم معهم إنسانية مشتركة، تناسبنا جيدًا. ومع ذلك، فالظاهر أن هؤلاء الأشخاص كانوا يملكون في جعبتهم الكثير لقوله. لقد كانوا يمتلكون تأويلية (une herméneutique)  للواقع: النازيون كانوا يعتبرون أنفسهم بمثابة نخبة فكرية وأخلاقية أحاطت بعلم القرن التاسع عشر. البيولوجيا والانثروبولوجيا العرقية والإيثولوجيا وعلم الوراثة الناشئ، كلها علوم  تُبين، في نظرهم، أن الإنسان كائن عضوي مثل الآخرين، خاضع لقوانين فيزيائية وفيسيولوجية لا يمكن كسرها. وبالتالي فينبغي التصرف بناء على ذلك. أولئك الذين يقولون العكس، هم اليهود، الذين هم في الأصل خارج الواقع لأنهم كائنات ممزوجة ومريضة، منافية للطبيعة أو خارجها. الإنسان الجرماني، الذي هو كائن مُعافى، سليم الجسم والعقل، يتبنى الواقع وقوانينه، ووظيفته الطبيعية هي تطبيق قانون الطبيعة.

المجلة : بعبارة أخرى، النازيون كانوا أناسً مثلنا، أليس ذلك بالتافه، وبالتالي في تناغم مع أطروحة حنا آرندت؟

يوهان شابوتو:  لا، لأن غياب التفكير الذي تُشير إليه، غير موجود. إنها قناعتي على كل حال، التي لا يشاركني إياها العديد من مؤرخي الحقبة. أعمال زملائي الألمان مثلا تهتم باللوجستيك عوض اللوجيك (المنطق). يتم إحصاء عدد الشاحنات وعدد القتلى. هذا أمر ضروري لكنه غير كافٍ. إمكانية وجود لوغوس خلف هذا الرعب، هي فكرة مرعبة لكنها ضرورية.  مقاربة جرائم النازية من وجهة نظر الأسس المعيارية للتصرف لا تقود إلى نزعة حتمية. لا يتعلق الأمر بقول أن الألمان كانوا معادين للسامية منذ القرن السادس عشر. ولم يكونوا ينتظرون سوى فرصة مواتية، منحهم إياها هتلر، من أجل المرور إلى الفعل.

الألمان الذين قاموا بتسليح النازية في تلك الحقبة، قاموا باختيارات: لقد اعتنقوا النازية لأنها كانت تجيب على متطلبات وعلى أسئلة. متطلب العقل ومتطلب الاطمئنان. وأيضا على أمور من قبيل الرغبة في الأكل. النازية في نظرهم تُطمئن، تُفسر، تُحرر وتُغذي. فهي تجيب في المجمل على أسئلتهم ومتطلباتهم. لهذا وضعوها في السلطة.

حتى نقول ذلك بشكل مُختلف، هناك اللوغوس أو الخطاب أو النص (المتعدد الأنماط : السينما، النحت، الهندسة، الخ.)، وهناك سياق أضفى معنىً على هذا النص. هذا السياق هو، سلسلة الكوارث التي عرفتها ألمانيا منذ سنة 1871. النص والسياق مهمان : ضمن هذه الجدلية يجب أن يتموقع المؤرخ.

المجلة: هل المقاربة الكانطية للخير والشر والأخلاق تناسب المؤرخ الذي تمثله؟

يوهان شابوتو : أكثر من تعريف كانط، إنه الفضاء الكانطي الذي يناسبني جيدا: مبدأ الضرورة القاطعة عند كانط (الذي تم بتره من طرف النازيين)، هو مفهوم لا يصلح إلا بالنسبة لذكاء شكلي، هو الذكاء الكوني للعقل الرياضي. أنا على أتم الوعي أنه مجرد اختيار: أضع طواعية كونية العقل البشري، وقابلية التواصل، وبالتالي وجود إنسانية – الأمر الذي ينفيه النازيون جملة وتفصيلا. عندئذ يُصبح للقواعد تطبيق كوني. إنه اختيار تُغذيه وتدعمه أعمال الانثروبولوجيا، خصوصا الانتروبولوجيا الهيكلية أو مُؤخرًا العلوم الإستعرافية. التي تؤكد ما حدسه كانط وقاله بخصوص كونية العقل. قبل سنة 1945، من خلال الاعتماد على بداهة اختبارية ( الاختلاف الشكلي بين البشر) وعلى علوم ذلك الوقت ( الانتروبولوجيا العرقية)، قام مجموعة من المعاصرين باختيارات أخرى.

المجلة: إذن فالشر هو تطبيق غير كوني للقواعد؟

يوهان شابوتو : نعم، إنه تعريف جيد.

1 .37, La mal Philosophie Magazine, hors-série  n°

2 .يوهان شابوتو،  مؤرخ  وأستاذ للتاريخ المعاصر في جامعة باريس-السوربون، كما أنه عضو سابق في المعهد الجامعي الفرنسي. من مؤلفاته أيضا، "الثورة الثقافية النازية" (Gallimard,2017) 

 

 

 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا