تأخذك إلى أعماق الفكر

المسيح الأخير

مقالة تُعد من أهم أعمال مؤلفها، تلخص أفكاره الخاصة حول المأساة، واعتقاد زابفي أن القلق الوجودي عند البشرية كان نتيجة لوعي تطور بشكل مفرط.

أما الاختراعات التكنولوجية الأخرى فتثري حياة مخترعها فحسب، وتمثل سرقة كبرى تُنتزع من احتياطي البشرية المشترك من الخبرات والأنشطة، وينبغي أن تستدعي أقسى العقوبات إذا أتيحت للعموم ضد قبضة الرقابة. إحدى تلك الجرائم، من بين جرائم أخرى عديدة، هي استخدام آلات طائرة لاستكشاف أراضٍ لم تستكشف بعد. فهكذا يدمر المرء بضربة تخريبية واحدة فرصًا ثرية للخبرة لربما استفاد منها الكثيرون إذا استطاع كل منهم، بمشقة، أن يحصل على حصته العادلة*.

هذا الظرف على وجه التحديد يلطخ المرحلة الحالية التي تعاني فيها الأرض من حمى مزمنة. فغياب النشاط الروحي الطبيعي (الحيوي) المنشأ، يظهر على سبيل المثال في انتشار اللجوء إلى ‹الإلهاء› (الترفيه والرياضة والراديو – «إيقاع العصر»). ولم تعد نقاط الارتساء تلقى القبول – فكل أنظمة الارتساء الجمعية الموروثة تتلقى سهام النقد؛ ويتسرب القلق والاشمئزاز والحيرة واليأس من خلال الشقوق (‹جثث في السفينة› [بتعبير إبسن]). وتحاول الشيوعية (التي لها انعكاس روحي أيضًا) والتحليل النفسي، اللذان لا يجمعهما شيء آخر بخلاف ذلك، تجديد المهرب القديم بوسائل جديدة؛ إذ يستعينان، على الترتيب، بالعنف والمكر لتحسين الحالة الحيوية للبشر بالقبض على الفائض الحرج من الإدراك لديهم. الفكرة في كلتا الحالتين في منتهى المنطقية، لكنها أيضًا لا تستطيع أن تنتج حلاً نهائيًا. وقطعًا قد يكون في الهبوط المتعمد إلى حضيضٍ قابلٍ للبقاء إنقاذ للنوع على المدى القريب، لكنه لن يتمكن بطبيعته من أن يجد السلام في مثل هذا التنحي، أو هو في الحقيقة لن يجد أيَّ سلامٍ على الإطلاق.

5

إذا مددنا هذه الاعتبارات إلى نهايتها المريرة، فليس ثمة شك فيما سنصل إليه. لو ظل النوع البشري متمسكًا في سذاجة بوهمه المشؤوم أن الانتصار هو قدره الحيوي، فلن يحدث أي تغيير جوهري. فمع تصاعد أعداده وتلبد الأجواء الروحية، لا مفر من أن تتخذ أساليب الحماية طبيعة وحشية متزايدة.

وسيظل البشر يحلمون بالخلاص والتوكيد الذاتي وبمسيحٍ جديد. ويومًا ما بعد أن يكون مخلصون كثرٌ قد صلبوا على جذوع الأشجار ورجموا في ميادين المدن، حينها سيظهر المسيح الأخير.

إعلان

حينها سيظهر الرجل الذي سيكون أول من جرُأ على تعرية روحه وتقديمها قربانًا حيًا لأعظم فكرة للنوع البشري، فكرة الموت. رجلٌ سبر أغوار الحياة وأبعادها الكونية، وألمه هو بحجم الألم الجمعي للأرض. كيف لا تنطلق صرخات مسعورة من غوغاء كل الأمم تطالب بموته ألف مرة حين يحيط صوته بالأرض كعباءة وتصدح الرسالة الغريبة للمرة الأولى والأخيرة:

«- حياة العوالم نهرٌ هادر، لكن الأرض بِركةٌ وماءٌ آسن.

– آية الموت مكتوبةٌ على جبينكم: فإلامَ تصارعون المصائب الصغيرة؟

– ليس هناك إلا نصرٌ واحد وتاجٌ واحد وخلاصٌ واحد وحلٌ واحد؛

– اِعرفوا أنفسكم: كونوا عقيمين ولتتركوا الأرض صامتةً من بعدكم.»

وعندما يقول كلمته، سيتكاثرون عليه، تقودهم القابلات وصناع السكّاتات، ويدفنونه في أظافرهم.

إنه المسيح الأخير. وكما يأتي الابنُ من الأب، فهو من نَسْل ذلك الصياد الميت عند حوض المياه.

بيتر فيسيل زابفه، 1933،
عن ترجمة إنجليزية أنجزها جيزل تانجينز

*لا أعني بهذا مقترحات إصلاحية كبيرة، وإنما رؤية نفسية للمبدأ.

مصدر الترجمة (1)
مصدر الترجمة (2)

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: كريم سعد و أحمد قياتي

تدقيق لغوي: أحمد داغر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.