تأخذك إلى أعماق الفكر

المسيح الأخير

مقالة تُعد من أهم أعمال مؤلفها، تلخص أفكاره الخاصة حول المأساة، واعتقاد زابفي أن القلق الوجودي عند البشرية كان نتيجة لوعي تطور بشكل مفرط.

أي ثقافة هي نظام كبير ومعقد من نقاط الارتساء، أقيم على وطائد من الأفكار الثقافية الأساسية. والشخص العادي لا مشكلة لديه مع الوطائد الجمعية؛ الشخصية أن يبني لنفسه، وصاحب الشخصية هو من انتهى من بنائه على أسس غير بعيدة عن الوطائد الجمعية الأساسية الموروثة (الرب/الله والكنيسة/المسجد والدولة والأخلاق والقدر وقانون الحياة والشعب والمستقبل). وكلما اقترب أحد العناصر الحاملة للبنيان من الوطائد الأساسية، كان الاقتراب منه محفوفًا بالمخاطر. وفي العادة، توضع هنا حماية مباشرة عن طريق القوانين الجنائية والتهديد بالملاحقة (محاكم التفتيش والرقابة والنهج المحافظ في الحياة).

وتعتمد صلابة كل عنصر إما على كون طبيعته الخرافية لم تتضح بعد أو لكونه يعد ضروريًا على أي حال. ومن ثم يكون التعليم الديني في المدارس، الذي يؤيده الملحدون حتى لأنهم لا يعرفون طريقة أخرى يعلمون بها الأطفال طرق التعامل الاجتماعية.

وحينما يدرك الناس الطابع الخرافي للعناصر أو انعدام جدواها، سيسعون إلى استبدالها بعناصر جديدة («الصلاحية المحدودة للحقائق») – ومن هنا تنشأ كل القلاقل الروحية والثقافية التي تشكل، بجانب التنافس الاقتصادي، المحتوى الديناميكي لتاريخ العالم.

إن السعي إلى امتلاك السلع المادية (السلطة أو النفوذ) ليس دافعه الأكبر هو المتع المباشرة التي توفرها الثروة، فلا أحد يمكنه أن يجلس على أكثر من كرسي ولا أن يأكل أكثر من طاقته. وإنما تكمن قيمة الثروة بالنسبة للحياة في ثراء فرص الارتساء والإلهاء التي توفرها لمالكها.

ومن الثابت، بالنسبة لنقاط الارتساء الفردية والاجتماعية على حد سواء، أنه حين ينهارُ أحدَ العناصر، تحدث أزمة، تزداد خطورتَها كلما اقترب ذلك العنصر من الوطائد الأساسية. وفي إطار دوائرنا الداخلية، التي تتمتع بحماية الأسوار الخارجية، تحدث تلك الأزمات يوميًا ودون ألم تقريبًا (‹الإحباطات›)؛ حتى أن مشاكسة القيم الارتسائية في هذا النطاق يعد (خفة دم أو كلامًا عاديًا أو خمرًا). لكن يحدث في أثناء تلك المشاكسات أن يقول أحدهم شيئًا دون قصد ينفذ إلى العمق مباشرة، فيتحول المشهد من الخفة إلى القتامة، ويحدق رعب الوجود في أعيننا مباشرة، وندرك في لمعة مخيفة أن عقولنا تتدلى كالعناكب من خيوط واهية، وأن جحيمًا يتلظى تحتها.

إعلان

ونادرًا ما تُستبدَلُ الوطائدَ العميقةَ دون تقلصات اجتماعية كبيرة، وخطر الانزلاق إلى التحلل الكامل (دعوات الإصلاح والثورة). في تلك الأوقات، يتزايد اعتماد الأفراد على طرقهم الخاصة في الارتساء، وتزداد حالات العجز عن ذلك، فتظهر حالات اكتئاب وتطرف وانتحار (الضباط الألمان بعد الحرب [الأولى]، والطلاب الصينيون بعد الثورة).

ومن عيوب النظام الأخرى أن جبهات الخطر المختلفة تحتاج إلى وطائد شديدة الاختلاف. وعند إقامة بنية فوقية منطقية فوق كل وطيدة منها، تشتعل أسفلَها صراعاتٍ بين أنماط من الفكر والشعور لا سبيل إلى التوفيق بينها. ثم يتسلل اليأس من بين التصدعات. في تلك الحالات، ربما يتملك الشخصَ هوسٌ بالمتعة التدميرية، فيحطم كامل البنية الاصطناعية التي تقوم عليها حياته منتشيًا في رعب وهو يكنسها ليبدأ من جديد. ينشأُ الرعبُ من فقدان كل القيم الحامية، وتنشأ النشوةُ من انسجامه وتوحده الشديد في تلك اللحظة بأعمق أسرار طبيعتنا، العطب الحيوي، النزوع الدائم نحو الموت.

إننا نحب نقاط ارتسائنا لأنها تنقذنا، لكننا نكرهها أيضًا لأنها تقيد إحساسنا بالحرية. وكلما واتتنا القوة، نستمتع بدفن إحدى القيم الميتة في جنازة مهيبة. وهنا تكتسب الأشياء المادية معنى رمزيًا (النهج الراديكالي في الحياة).

وعندما يتخلص المرء من نقاط ارتسائه الظاهرة له، ولا تبقى داخله سوى النقاط اللا واعية، حينها يسمي نفسه شخصية متحررة.

ومن أشهر طرق الحماية «الإلهاء». يصرف المرء انتباهه عن النوازع الخطيرة داخله بسيل لا ينقطع من الانطباعات الآسرة. وهذا أمر معتاد حتى في سنوات الطفولة؛ فدون إلهاء لا يطيق الطفل نفسه أيضًا وسيضجر قائلاً: «أمي، ماذا أفعل الآن!» وها هي فتاة إنجليزية صغيرة تزور خالاتها في النرويج تخرج من غرفتها قائلة: «ماذا نفعل الآن؟» فترد المربيات ببراعة: انظري، كلب صغير! انظري، إنهم يطلون القصر! والظاهرة أوضح من أن تحتاج إلى شرح أكثر من ذلك. والإلهاء هو على سبيل المثال حيلة ‹الطبقات العليا› وطريقتهم في عيش الحياة. الأمر أشبه بآلة طائرة، مصنوعة من مادة ثقيلة، لكنها تنطوي على مبدإ يجعلها تطير عند تطبيقه. لا بد لها أن تظل في حركة في دائمة، لأن الهواء لا يستطيع أن يحملها طويلاً. ربما ينام الطيار ويستريح بحكم العادة، لكن ما إن يتعطل المحرك حتى تصبح الأزمة حادة.

هذه الحيلة واعية تماماً في الغالب. وستجد اليأس يمرح بالأسفل مباشرة ويندفع في دفقات، كما يحدث في نوبة بكاء مفاجئة. فحين تُستنفد كل خيارات الإلهاء، تحل الكآبة، بدءًا من اللامبالاة الخفيفة إلى الاكتئاب القاتل. والنساء، لكونهن في العموم أقل عرضة لأن يتملكهن التفكير ومن ثم فهن أكثر أمانًا في حياتهن من الرجال، يفضلن استخدام الإلهاء.

يتمثل جزءٌ كبير من مساوئ السجن في الحرمان من معظم خيارات الإلهاء. ولسوء وسائل الخلاص الأخرى أيضًا، سيجد السجين نفسه دومًا على مشارف اليأس. ما يفعله حينها للهرب من المرحلة الأخيرة ينبع من مبدأ الحيوية نفسه [مبدأ وجود قوة خفية تسري في الكائنات]. إنه في تلك اللحظات يختبر روحه داخل الكون، ودافعه الوحيد لذلك هو حالته تلك التي لا تحتمل.

والأمثلة الخالصة على حالة الذعر من الحياة نادرة على الأرجح، لأن آليات الحماية رفيعة وتلقائية وإلى حد ما لا تتوقف أبدًا. لكنّ التخوم المجاروة حتى تحمل علامة الموت، والحياة فيها مجهدة ولا تكاد تحتمل. يظهر الموت دومًا كمهرب، ويتجاهل المرء الاحتمالات بشأن الآخرة، ولأن الطريقة التي نختبر بها الموت تعتمد جزئيًا على مشاعرنا ونظرتنا تجاهه، فقد يكون نوعًا ما حلاً مقبولاً. ولو أن المرء في وقت الوفاة استطاع أن يتصرف كما لو أنه يتخذ وضعية تصوير (كأن يلقي قصيدة أو يأتي بإيماءة معينة، لكي ‹يموت واقفًا›)، أي كنقطة ارتساء أخيرة أو كوسيلة إلهاء أخيرة (كما في مشهد موت الأم ‹آس› في مسرحية بيرجنت لإبسن)، فإن تلك النهاية ليست الأسوأ على الإطلاق. والصحافة، التي تُوظَّف كآلية للإخفاء هنا، لا تعجز أبدًا عن أن تجد أسبابًا لا تثير القلق وراء الظواهر – «يُعتقد أن الانخفاض الأخير في أسعار القمح…».

حين يقدم إنسان على الانتحار بسبب الاكتئاب، فهذه «وفاة طبيعية» نتيجة لأسباب روحانية. إن البربرية الحديثة في محاولة «إنقاذ» المنتحرين تنبع من سوء فهم شنيع لطبيعة الوجود.

إنّ جزءًا محدودًا فقط من البشر هم من يكتفون ببعض ‹التغييرات›، سواء في العمل أو الحياة الاجتماعية أو الترفيه. أما الشخص المثقف فيحتاج إلى روابط، وخطوط، إلى تقدم في التغييرات. لا شيءَ محدودٌ يكفي على المدى البعيد، فالمرء يتحرك دومًا، يحصّل معرفة، يترقى في العمل. تعرف هذه الظاهرة باسم ‹التوق› أو ‹التطلع إلى المفارق أو المتجاوز›. كلما تحقق هدف، يتجه التوق إلى هدف آخر؛ ومن ثم فليس الهدف هو موضوعه، وإنما فعل الوصول إليه نفسه، الميل وليس أعلى نقطة، في المنحنى الذي هو حياة الشخص. وربما تكون السعادة عند الترقي من مجند إلى عريف أكبر منها عند الترقي من عقيد إلى لواء. هذا القانون النفسي المهم يدمر أي إمكانية ‹للتفاؤل التقدمي›.

إن التوق الإنساني ليس مجرد ‹سعي نحو› بل هو بنفس القدر ‹هرب من›. وإذا استخدمنا الكلمة بمعنًى دينيٍّ، سنجد أنها تتحقق بالمعنى الثاني فقط. ففي هذه الحياة، لا أحد يعرف على وجه الدقة ما الذي يتوق ‹إليه›، لكن المرء يعي بوضوح ما الذي ‹يفر› منه، وهو تحديدًا وادي الدموع الأرضي، الحالة الإنسانية التي لا تحتمل. فإذا كان الوعي بهذا المأزق هو أعمق طبقة في الروح، كما أشرت للتو، سنتفهم أيضًا لِمَ يُنظر إلى التوق الديني كخبرة وشعور، على أنه شيء لا يمكن التخلي عنه. لكنّ الأمل في أن يتجسد موضوعه في صورة إلهية، وهو احتمال سعيد في حد ذاته، ينبع في ظل هذه الاعتبارات من رغبة حزينة حقًا.

أما العلاج الرابع للذعر، وهو «التسامي»، فهو يتعلق بإعادة التشكيل بدلاً من الكبت. فمن خلال المواهب الفنية والأسلوبية، يمكن أحيانًا تحويل وجع الحياة إلى خبرات قيمة؛ حيث تَشتبك الاندفاعاتُ الإيجابية مع الشر وتستغله لتحقيق أهدافها، مستندة إلى جوانبها التصويرية أو الدرامية أو الملحمية أو الغنائية أو حتى الكوميدية.

لكن ذلك الاستخدام لا يحدث على الأرجح، إلا إذا خفف الشخص لَسْعَة المعاناة القاسية بوسائل أخرى، أو لم يترك لها زمام السيطرة على العقل. (صورة: لن يستمتع متسلق الجبال برؤيته للهاوية إذا كان يختنق من الدوار؛ ولن يفعل إلا إذا تغلب على مشاعره نوعًا ما – أي نجح في أن «يرتسي» على شيء ما). لكي يكتب المرء عملاً تراجيديًا، فعليه أن يتخلص إلى حد ما من إحساسه الشخصي بالمأساة – أن يخونه – وينظر إليه من وجهة نظر خارجية، وجهة النظر الجمالية. وتختبئ هنا بالمناسبة فرصةٌ لجموح لا سقف له في اللعب مع المفارقات الساخرة، ينزلق للأسف إلى هوة جحيمية سحيقة. هنا يستطيع المرء أن يطارد أناهُ في ساحات كثيرة، مستمتعًا بقدرة طبقات الوعي المختلفة على تعرية بعضها البعض.

هذا المقال هو محاولة نموذجية للتسامي. فالمؤلف لا يعاني، بل هو يُدبّج الصفحاتِ وسوف يحظى بالنشر في صحيفة.

كذلك يظهر نوع من التسامي في ‹استشهاد› السيدات الوحيدات، فهن تكتسبن بعض الإجلال عن طريقه.

ومع ذلك، يبدو أن التسامي هو أندر وسائل الحماية التي ذكرت هنا.

4

هل من الممكن أن تطرح «الطبائع البدائية» كل هذه التشنجات والألعاب البهلوانية وتنسجم مع ذواتها في الهناء الصافي الذي يخلقه الحب والعمل؟ أعتقد أنه لكي ندخلهم في عداد البشر بأي حال من الأحوال، فلا بد أن تكون الإجابة لا. فأقوى دعوى يمكن أن نطرحها بشأن الشعوب التي تعيش في الطبيعة هي أنهم نوعًا ما أقرب إلى المثال الحيوي الرائع منا نحن الشعوب غير الطبيعية. فحتى ونحن نتمكن حتى الآن من إنقاذ الأغلبية عند حدوث كل عاصفة، فإن ما يساعدنا على ذلك هي جوانب طبيعتنا التي لم تتأثر بالتحديث إلا بقدر بسيط أو متوسط. فلا بد أن هذا الأساس الإيجابي (لأن الحماية وحدها لا تخلق الحياة، وإنما تعوق تدهورها فحسب) يرجع إلى ما تطور لدينا بالطبيعة من حشدٍ للطاقة في الجسد والأجزاء النافعة في الروح من الناحية الحيوية، تحت وطأة مشقات نابعة تحديدًا من قصورنا الحسي وضعفنا الجسدي وحاجتنا إلى العمل من أجل الحياة والحب.

هذه المساحة المحدودة من الهناء داخل الجبهات هي وحدها التي تتأثر سلبًا بالتقدم الحضاري والتكنولوجيا وإرساء القواعد. لأنه مع الانسحاب المستمر للمزيد من وظائفنا العقلية من المعركة ضد البيئة، فثمة زيادة في «البطالة الروحية». فلا بد أن نحكم على قيمة أي تقدم تكنولوجي بالنسبة للحياة عمومًا بمدى مساهمته في إتاحة الفرصة أمام الإنسانية للشغل الروحي. ورغم تداخل الحدود، فربما تعد أول أدوات التقطيع مثالاً للاختراعات الإيجابية.

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: كريم سعد و أحمد قياتي

تدقيق لغوي: أحمد داغر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.