تأخذك إلى أعماق الفكر

المسيح الأخير

مقالة تُعد من أهم أعمال مؤلفها، تلخص أفكاره الخاصة حول المأساة، واعتقاد زابفي أن القلق الوجودي عند البشرية كان نتيجة لوعي تطور بشكل مفرط.

ذات ليلةٍ منذ زمنٍ سحيق، استيقظ رجلٌ ورأى نفسه! رأى نفسه عاريًا تحت الكون، بلا مأوى داخل جسده. كل الأشياء تلاشت أمام ناظريه. ذهولٌ على ذهول، ورعبٌ فوق رعب تداعى إلى خاطره.

ثم استيقظت امرأةٌ أيضًا وقالت، لقد حان وقت الخروج والقتل. تناول قوسه وسهمه، ثمرةَ زواج الروح واليد، ومضى إلى الخارج أسفل النجوم. لكنه حين أتت الحيوانات إلى أحواض مياهها، كما توقع أن تفعل على عادتها، لم يعد يشعر بوثبة النمر تسري في دمه، وإنما بأنشودة عظيمة عن أخوة المعاناة بين كل ما هو حي.

في ذلك اليوم، لم يعد بفريسة، وحين وجدوه مع مطلع الهلال التالي، كان يجلس ميتًا عند حوض المياه.

2

أيًا كان ما حدث؟ خرقٌ في عمق نسيج الحياة، مفارقةٌ حيوية، أمرٌ شنيع، حدثٌ عبثي، مبالغةٌ كارثية الطابع. لقد تطرفت الحياة في مبتغاها حتى فجرت نفسها. سلحت أحد الأنواع تسليحًا أثقل من اللازم – بروح عظيمة قلقة، لكنها بقدر عظمتها وبالٌ على راحة باله. سلاحه أشبه بسيف دون مقبض، نصل ذي حدين يشق كل شيء، لكن على من يستخدمه أن يقبض على النصل ويوجهه ناحية نفسه.

إعلان

ورغم عيونه الجديدة، ظل الإنسان معجونًا بالمادة. امتزجت بها روحه وخضغت لقوانينها العمياء؛ لكنه استطاع أن يرى المادة شيئًا غريبًا عنه، أن يقارن نفسه بجميع الظواهر، أن ينفذ إلى عملياته الحيوية ويحددها. إنه يأتي إلى الطبيعة كضيفٍ لم يدعه أحد، عبثًا يمد ذراعيه ليستعطف خالقه: الطبيعة لم تعد تبالي، أتت معه بمعجزة، لكنها لم تعد تعرفه بعد ذلك. لقد فقد حقه في الإقامة في الكون، أكل من «شجرة المعرفة» وطُرد من «الجنة». إنه عظيم في عالمه القريب، لكنه يلعن عظمته تلك لأنه اشتراها بانسجام روحه وببراءته وسلامه الداخلي في حضن الحياة.

يقف هناك هو ورؤاه، في تساؤل وخوف، بعد أن خانه الكون. الحيوان أيضًا عرف الخوف، أثناء العواصف الرعدية وتحت مخالب الأسد؛ لكن الإنسان أصبح خائفًا من الحياة نفسها – من كينونته نفسها في الحقيقة. الحياة – التي كانت بالنسبة للحيوان أن يشعر بلعبة القوة، بالحرارة والألعاب والسعي والجوع، ثم في النهاية ينحني أمام القانون بالطبع. المعاناة محدودة عند الحيوان، أما لدى الإنسان، فالمعاناة تثقب فيه خوفًا من العالم ويأسًا من الحياة.

حتى حين يبدأ الطفل رحلته في نهر الحياة، فإن هدير شلال الموت يصدح عاليًا في أرجاء الوادي، ويظل يقترب دومًا، وهو يبكي، يبكي في جذل. ينظر الإنسان إلى الأرض فيراها تتنفس كرئة عملاقة؛ كلما زفرت تدفقت الحياة بهيجة من كل مسامها وبلغت عنان السماء، لكنها حين تشهق، فإن أنين التمزق يسري في جموع الكائنات، وتتساقط الجثث على الأرض كزخات المطر. إنه لم يرَ نهايته فحسب، لقد تقلبت القبور أمام عينيه، وسمع نواح الأحقاب الغابرة بين الأطلال البائدة، أحلام الأمهات التي خذلتها الأرض. رفع المستقبل ستاره ليكشف عن كابوس من التكرار الذي لا ينتهي، هدر لا معنى له للمادة العضوية. معاناة مليارات البشر تجد طريقها إليه عبر بوابة التعاطف، ومن كل ما يحدث تنطلق ضحكة تسخر من المطالبة بالعدالة، أعمق مبادئه إلحاحًا.

يرى نفسه يخرج من رحم أمه، يرفع يده في الهواء فإذا بها خمسة أفرع، من أين أتى هذا الرقم خمسة الملعون، وما علاقته بروحي؟ لم يعد يرى نفسه بوضوح – يلمس جسده وهو في غاية الرعب؛ هذا أنت وهذا حد امتدادك لا غير. يحمل طعامًا بداخله، كان بالأمس حيوانًا يرتع بالجوار، ها قد أكلته وجعلته جزءًا مني؛ فما الذي هو أنا وما الذي ليس أنا؟ كل الأشياء متصلة في سلسلة من الأسباب والنتائج، وكلما أراد أن يمسك بشيء تلاشى أمام ناظريه. ثم ما يلبث أن يرى الميكانيكية حتى في ما يبدو كلاً واحدًا وعزيزًا عليه، في ابتسامة حبيبته – ثمة ابتسامات أخرى أيضًا، حذاء ممزق تبرز منه أصابع. في نهاية المطاف، صفات كل شيء ليست سوى صفاته هو نفسه. لا شيء يوجد بدونه، كل سطر يعود ليشير إليه، العالم ليس سوى صدى شبحيٍ لصوته – يقفز صارخًا وهو يريد أن يتقيأ على الأرض ذاته وطعامه الدنِس، يشعر باقتراب الجنون ويرغب في الموت قبل أن يفقد حتى القدرة على ذلك.

لكنه وهو يقف على شفا الموت، يُدرك طبيعته أيضًا، والمغزى الكوني للخطوة الآتية. تبني مخيلته الإبداعية آفاقًا مخيفة جديدة خلف ستار الموت، ويرى أنه حتى هناك ليس ثمة ملاذ آمن. والآن يمكنه أن يميز الخطوط العريضة لحالته الحيوية والكونية: إنه أسير عاجز عند الكون، محبوس ليسقط في احتمالات مجهولة.

منذ هذه اللحظة فصاعداً، صار في حالة ذعر لا يهدأ.

«شعور الفزع الكوني» هذا هو شعور محوري لكل عقل بشري. إذ يبدو حقًا أن الموت هو مصير الجنس البشري ما دام التوصل إلى أي طريقة فعالة للحفاظ على الحياة وإدامتها هو أمر مستبعد في ظل استنفاد المرء كل انتباهه وطاقته في تحمل أو تجنب التوتر الكارثي بداخله.

إن مأساة أن يصبح أحد الأنواع غير صالح للحياة لتطور زائد عن الحد في قدرة واحدة لديه ليست مقتصرة على النوع البشري. هناك على سبيل المثال نوع معين من الغزلان في العصور القديمة قد انقرض لأنه نمت لديه قرون أثقل من اللازم. يجب أن ننظر إلى الطفرات على أنها عمياء، فطريقتها في التطور والظهور ليست لها أي صلة ببيئتها.

في حالات الاكتئاب، يُمكن أن نرى العقل في صورة تلك القرون، في أوج بهائها تصرع حاملها أرضًا.

3

لماذا إذن لم ينقرض الجنس البشري منذ زمن بعيد في نوبات الجنون الكبيرة؟ لماذا لا يموت سوى عدد قليل نسبيًا من الأفراد لعجزهم عن تحمل وطأة الحياة لأن الوعي يمنحهم فيها أكثر مما يحتملون؟

يسمح لنا التاريخ الثقافي، وكذلك ملاحظتنا لأنفسنا والآخرين، بالإجابة التالية: يتعلم معظم البشر أن ينقذوا أنفسهم بطرق مصطنعة تقلل من محتوى وعيهم.

إذا استطاع الغزال الكبير أن يكسر أطراف قرونه كل فترة، فربما استطاع أن يبقى لمدة أطول. لكنه مع ذلك سيعاني من الحمى والألم الدائم؛ لأنه في الحقيقة سيعيش خائنًا لفكرته الأساسية، لجوهر تفرده؛ لقد صاغته يد الخلق ليكون «حامل القرن» في عالم البرية. ما جناه من استمرار في الوجود، سيخسره في المكانة، في عظمة الحياة، سيكون وجودًا بلا أمل، مسيرة ليست نحو الأعلى لتوكيد الذات، وإنما إلى الأمام في سلسلة من الحطام الذي لا ينتهي، عرقٌ يدمر ذاته ضد إرادة الدم المقدسة.

إن التلازم بين المعنى والشقاء، في حالة الغزال الكبير والإنسان على حد سواء، هو المفارقة المأساوية للحياة. ففي إخلاصه لتوكيده لذاته ونوعه، حمل آخر غزال أيرلندي شارة المجد التي ورثها عن أسلافه حتى النهاية. أما الكائن الإنساني فينقذ نفسه ويستمر في البقاء. واستعارة لمعانٍ شائعة، فهو يقوم بعملية «كبت» واعيةٍ نوعًا ما لفائض الوعي الذي يؤذيه. وهذه العملية دائمة تقريبًا طوال ساعات صحونا ونشاطنا، وهي شرط للقدرة على التأقلم الاجتماعي ولكل ما يشار إليه عمومًا على أنه الشكل الطبيعي والصحي للحياة.

إن الطب النفسي يقوم حتى على افتراض أن ما هو «صحي» وصالح للحياة هو نفسه ذروة الإنجاز الشخصي. أما الاكتئاب و«الخوف من الحياة» ورفض تناول الطعام وما إلى ذلك فتعامل عادةً على أنها علامات لحالة مرضية وتعالج بعد ذلك. لكن، كثيرًا ما تكون هذه الظواهر رسائل من إحساس عميق جدًا ومباشر جدًا بالحياة، إنها الثمرات المرة لرهافة الفكر أو الشعور التي هي أصل الميول المضادة للحياة. إنها ليست تعبيرًا عن روح مريضة، بل هي سبل الحماية حين تفشل، أو حين يرفضها المرء لأنه يراها -صادقًا- خيانة لأرقى إمكانات الأنا.

كل الحياة التي نراها أمام أعيننا اليوم معجونة، من أعمق أعماقها حتى أظهر مظاهرها، بآليات الكبت الفردية والاجتماعية التي يمكننا أن نرصدها حتى في أدق أشكال الحياة اليومية. ورغم أنها تتخذ أشكالاً كثيرة ومتشعبة، يبدو أن بوسعنا أن نميز على الأقل أربعة أشكال رئيسية، تظهر بطبيعة الحال بكل التوليفات الممكنة، وهي: العزل والارتساء والإلهاء والتسامي.

وما أقصده بالعزل هنا هو الطرد التعسفي الكامل لكل الأفكار والمشاعر المزعجة والمدمرة التي تظهر في الوعي. (كما يقول ألبرت إنجستروم: «لا ينبغي للمرء أن يفكر، فهذا أمر مزعج.») يوجد مثال شديد الوضوح على ذلك، ويكاد يكون وحشيًا، بين بعض الأطباء، الذين لا يرون سوى الجانب التقني لمهنتهم حمايةً لأنفهسم. ويمكن أن ينحدر الأمر إلى بربرية صافية، كما يحدث بين البلطجية التافهين وطلبة الطب، حين يلجؤون إلى انتزاع أي حساسية تجاه الجانب المأساوي من الحياة بوسائل عنيفة (كلعب الكرة برؤوس الجثث وما شابه).

في تفاعلات الحياة اليومية، يظهر العزل في الصمت المتبادل كاتفاق عام: بدايةً ناحية الأطفال، فنتجنب إخافتهم مباشرة وبلا داعي من الحياة التي بدؤوها للتو، ونتركهم ينعمون في أوهامهم إلى وقت يتحملون فيه التخلص منها. وفي المقابل، لا يقوم الأطفال بإزعاج الكبار بذكر الجنس أو الحمام أو الموت في وقت سابق لأوانه. وبين الكبار توجد قواعد «اللباقة»، وهي الآلية التي تتجلى حين يصرف رجال الشرطة رجلاً يبكي في الشارع.

أما آلية الارتساء فتعمل منذ بواكير الطفولة: فالطفل يرى الوالدين والبيت والشارع كمسلمات طبيعية ويمنحه ذلك شعورًا بالأمان. هذه الدائرة هي أول، وربما أسعد، دائرة نعرفها في حياتنا للحماية من الكون، وهو ما يفسر أيضًا وبلا شك ذلك «الارتباط الطفولي» الذي يكثر الجدال بشأنه، ومسألة ما إذا كان ذا صبغة جنسية أم لا ليست مهمة هنا. حين يكتشف الطفل لاحقًا أن تلك النقاط الثابتة ‹عشوائية› و‹عابرة› كغيرها، تتملكه أزمة تشوش وقلق وينظر حوله على الفور بحثًا عن شيء آخر يرتسي عليه أو يتشبث به. «سأذهب إلى المدرسة الإعدادية قريبًا». إذا لم يحدث ذلك الإحلال، فربما تأخذ الأزمة منحى قاتلاً، أو يحدث ما أسميه «تشنج ارتسائي»: حين يتشبث الشخص بالقيم الميتة، محاولاً بأقصى ما يستطيع أن يخفي عن نفسه وعن الآخرين أنها لم تعد مناسبة، ذلك الشخص مفلس روحيًا. ينتج عن ذلك إحساسٌ دائم بعدم الأمان و‹شعور بالنقص› ومبالغة في التعويض وقلق. يأخذ التحليل النفسي تلك الحالة موضوعًا للعلاج، طالما أنها اتخذت أشكالاً معينة، ويكون هدفه أن يستكمل عملية الانتقال إلى نقاط ارتساء جديدة.

قد يوصف الارتساء بأنه نقاط تثبيت أو تشبث داخل الوعي المضطرم أو جدران تشيد حوله. ورغم أنه يحدث في العادة بصورة غير واعية، فقد يحدث أيضًا بصورة واعية تمامًا (فنحن ‹نتبنى أهدافًا›). والمجتمع ينظر إلى نقاط الارتساء المفيدة له نظرة تعاطف، ويقدس من ‹ضحي بنفسه بالكامل› في سبيل نقطة ارتساءه (المصنع/القضية). فهو قد أقام حصنًا عظيمًا في وجه تحلل الحياة، كما أنه يلهم الآخرين من قوته عن طريق الإيحاء. يوجد ذلك أيضًا، في صورة وحشية وعن عمد، بين ‹المنحلين› من الرجال («ينبغي أن يتزوج الرجل في الوقت المناسب، وستأتي القيود من تلقاء نفسها»). هكذا يثبت الشخص ضرورة في حياته، معرضًا نفسه لشر بيّن من وجهة نظره، لكنه راحة للبال، وعاء كبير يحيط ببعض المعقولية حياة لا تفتؤ تنزلق إلى الفجاجة. كمثال على ذلك، يقدم هنريك إبسن حالتين مزدهرتين (‹كذبات حية›)، هما يالمار إكدال ومولفيك [في مسرحية البطة البرية]، وليس ثمة فرق بين نقطة ارتسائهما وتلك التي تقوم عليها أركان المجتمع إلا في أن الأولى غير مثمرة من الناحية العملية والاقتصادية.

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: كريم سعد و أحمد قياتي

تدقيق لغوي: أحمد داغر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.