تأخذك إلى أعماق الفكر

المزرعة الأبويَّة تحرث آخر حقل أنثويّ: سقوط المزارع الأخير (1)

(جزء 1)

هل يمكننا بذلك إعادة فرز حقوق الفرد على نحو تكنولوجيّ جديد؟ وهل يمكن للذكيّ أن يحل محل الرجل القويّ؟ إذا ما وصلنا لمجتمع لا نحتاج فيه لسلطة الجسد بل الثورة المعلوماتيّة والفكريّة، بالتالي المرأة أيضًا؟

لا يجب فهم هذه التساؤلات على أنّ الكرامة والحريّات مع الحقوق يقتصرون على فتراتٍ محدَّدة أو متغيّرة، لكنّها مجرد تساؤلات بقدر ما تبدو مستفزة للبعض، ربما لأنّها تتجه مباشرةً إلى موضوع الجسد المتعالي الذي لا يمكن نقده أو حتى زوال سلطته المرتبطة أساسًا بالعقل كما يزعمون، إلا أنّ أهم ما ينبغي إدراكه منها هو التفكير في قابليّة ترتيب العالم من جديد طبقًا لمتغيراته، حتى لو كان التساؤل حول مجرد فترة تغيّر متغيّرة ليست ثابتة واستثنائيّة يمكن أن يزول ما يراه البعض مجرّد عثرة لا يمكن أن يُؤَسَّس عليه أي حقٍ ودعوةٍ. لكننا أمام هذا التغيّر ولا مفرَّ منه، كما أنه بقدر ما نتبنى منطلقات استفهاميّة كهذه، بقدر ما نفتح تحرُّك وديناميكيّة في تناول قضايا المرأة حتى لو كانت مؤسَّسة على خيال علميّ، فحين نتقبل الصيرورة والتغيّر والتساؤل عن كل ما يخطر لنا سواء أكانت صحيحة أم بها مغالطات أم كانت لن تحصل، هذا معناه فتح الباب للحوار والاختلاف ونبذ اليقينيات والمسلّمات.

“ليس من قبيل الصدفة أن يكون التهميش الأكثر ضرورة للنساء مجسّدًا عبر السياسة والتجارة، هما سوق واحد يعملان على استعباد المرأة أو التخفيض من قيمتها لاعتبارات أنّها عاطفيّة ومجرّدة من تدابير التسييس والقيادة، لتتاح لها فرصة المكوث كزوجة داعمة”.
محمد بكاي (9)

-العالم يحاكم المرأة:

إنّ تشكُّل المرأة امتدَّت لاختلاسه عدِّة أيادٍ من مفاهيم ومؤسسات وأفكار حول عدّة زوايا نظر يتحكم بها الرجال بداية من صورة الأسرة أو العشيرة التي يتزعمها، إلى الدين والسلطة ثم الفلسفة والثقافة والسياسة والاقتصاد الرأسمالي، وكلّ ما من شأنه تكريس هذه السيطرة و رسم المرأة في شكلها الذي يريده المجتمع المتميّز بالقيم البطريركيّة، فالرجل هو الذي يمسك النظام والثروات وحتى مقاليد الحكم وسنّ التشريعات.
إن وضع المرأة يناسب هذه النعوت التالية المُقتبَسة من كتاب جدل النسويّة من منشورات الاختلاف حيث تقول باختصار “أنّ تأويل الجنسين يُتم عبر مبدأ الخير والشّر” ، أيّ الأوّل الممثَّل من قبل الرجل والثاني المرأة. “إنّها نقيض للرجل فقط” ، أي أنّها تُرى كضديّة للإنسان الذكر كالشر مقابل الخير الأصل. “الأخت هي حالة من الأخ وهي ضرب من نوع الأخ” فهي انزياح عن الذكورة الأخويّة أي أنّ الأخت استنساخ عن الأخ الأصليّ ولنا أن نتخيل عالم الظواهر الذي هو نسخة مقلَّدة وأدنى عن عالم المثل الأفلاطوني. “المرأة سلعة اقتصادية والرجل إدارة لصرف الإنتاج” ، أي أنّها ملكيته يلعب بها كما يشاء في لعبة الحياة ويسنُّ القوانين عليها كما يرغب. “المرأة هي المذكر المؤنث” ، أي أنًها تكتسب وجودها عن طريق الذكر حتى تكون أنثى بالشكل التقريري من الجنس الفريد من نوعه. “المرأة رجل من دون قضيب” ، كما يوحي التحليل النفسي لفرويد* ولاكان*. “المرأة مجرّد انفعال جسديّ مع الذكوريّ” ، فهي موجودة لأجله فقط. “السالب مقابل الموجب” ، فالمرأة نفي وهدم، والرجل تأكيد وتثبيت. (10)

فهل كلّ التراث الإنسانيّ سواء دينيًّا أم فلسفيًّا ومناداته ببعد الإنسان كل البعد عن الحيوانات وبهيميتها وآلية غرائزها، والذي يرى فيه على عكس الحيوان، كائن ذو وعيٍ رهيب يتجاوز غرائزه الجسديّة ومهامه البيولوجيّة (البحث عن الغذاء والتكاثر والإنجاب)، مترفعًا عنها ومتطلِّعًا لبناء مستقبله من حضارة ماديَّة وثقافيَّة وروحيَّة تتناسب مع ما يحاول البعض فعله مع المرأة وجعلها لا تختلف عن أنثى الحيوان التي تلد فقط؟ مع أخذنا بعين الجديّة أنّه حتى أنثى الحيوان هي بنفسها من تبحث عن الغذاء لمواليدها وتقوم بكل شيء؟ أم أن المرأة شيء أدنى حتى من مملكة الحيوان والإنسان الواعي معا؟

ونحن هنا لا نقزِّم بذلك دور الأم أو الإنجاب بل نوّد تقزيم هذه النظرة الوحيدة التي ينظر بها المجتمع للمرأة فقط ألا وهي مهمتها البيولوجية التي لم يستطع تجاوزها، كما تجاوزها مع الرجل بصفته ليس مجرَّد ناقل لحيواناته المنويّة أو الباحث عن الغذاء لسدِّ غريزته فقط بل مساهم في الحضارة، ونفس الأمر واجب التطبيق فيما يخص المرأة كذلك.
وعودةً إلى موضوع النعوت والكلمات التي تربط دواخل النفس باللّغة، هل يمكن للّغة أن تكون منحازة أو عاجزة عن منح المعنى الصحيح للشيء، أو مساهِمة في جندرة الجنسين والثنائيات؟

إعلان

إنّ اللّغة حتى تعبرّ عن المفهوم يجب أن تذهب إلى الضد لتكسبه معناه بالتالي إلى تطرفه الأقصى، يقول محمد بكاي*: “من الجدير بالذكر أنّ التفكيك قد انحاز لهذه الفكرة في عجز اللغة عن تقديم تعريف مغلق للماهية أو التصورات فأكثر المفاهيم امتيازًا يجب أن تعتمد على نقيضها المُحتَقر لتحصل على معناها فكلمة طيب تحتاج لكلمة شرير لتكتسب معناها وكلمة ذكورة تعتمد على الأنوثة، واللاشعور ينسف محاولات التحكم في المعنى الإجتماعي”. (11)

من ناحيةٍ أخرى حول انحياز اللغة دعونا فقط نتذكر كلمة الرجل L’homme والتي هي نفسها الإنسان، كذلك اسم الإنسان بالعبرية كمثال والذي هو آدم المتأصِّل من اسم آدم أول انسان في الأدبيات الإبراهيميّة المشتق من الأرض. (12)

إن اللّغة كما يقول نصر حامد أبو زيد*: “تمارس نوعا من الطائفيّة العنصريّة” (13) ، فالتاريخ بحوادثه وتأريخه وكتاباته كان روّاده من الرجال الذين أضفوا عليه وعلى المفاهيم طابع التحيّز وبهذا فإنَّ سلطة اللغة للرجل.
كما أنّك مع اللغة تلبس ثوبا اجتماعيًّا ودينيًّا وفكريًّا يَفرض عليك بشكل لا شعوريّ، فهي من الموروث الاجتماعيّ الذي وصلنا من دون أن يكون لنا يد في خلقه. (14)

و إذا كان نصر حامد أبو زيد يرى أنّ اللّغة الإنجليزية التي تتطور مع تطور المجتمع الما بعد حداثي والقيّم حاليا تود أن تتفادى هذه التحيزات فتقول chairperson وspokesperson بدل spokesman وchairman، هذا الوعي بالتبدُّل ومواكبة التغيّرات لا تملكه العديد من اللّغات التي لا تزال جامدة عن ذلك بما فيها العربية. (15)

تقول سيمون دي بوفوار*: “قال أحد أنصار المرأة المغمورين: كل ما كتب عن المرأة من قبل الرجال، يجب أن يثير الشبهات لأنّهم خصوم وحكام في الوقت ذاته، و قد سخّروا اللاهوت والفلسفة والقوانين لخدمة مصالحهم (16)
فالعالم إذن الذي يمثله الرجل بكل مجالاته سواء أعبر المنحى اللاهوتيّ أم الاقتصاديّ أم السياسيّ أم الثقافيّ أم اللغويّ هو الذي يحدِّد ما يجب ولا يجب على الأنثى، وهو بذلك من يحكم ويرمي سهامه عليها أيضًا، وحوادث التاريخ وحاضرنا هي خيوط تأخذنا إلى هذه الحقائق التي لا مفرَّ منها.

“الحصول على الزوجات أمر يعود إلى الرجل نفسه، ولكن أن يرزق الرجل بالأبناء فأمر يعود للإله وحده”.
نص سومري قديم (17)

-الزراعة والمرأة:

مع اكتشاف الزراعة في العصر النيوليتي*، أي تقريبا 8000 ق.م، استقرَّ الإنسان على الأرض وجاءت بسبب ذلك القرى والبيوت كما ازدادت التجمعات والمستوطنات. (18)، فصارت الأسرة مستقرّة وقويّة أكثر ليس في ترابطها فقط، بل في أدوار أفرادها،  وفي تنظيم مجتمعاتهم من عدة نواحٍ اجتماعية، عملية ودينيّة. وعلى الرغم من الأقوال التي تُسمع من هنا وهناك حول أنّ المرأة هي التي اخترعت الزراعة، كما يقول بذلك الباحث فراس السواح*، كمثال (19). فهي مجرد استنتاجات لا دلائل عليها تبقى حبيسة الصواب أو الخطأ كما أنّها تجعل من الزراعة كمثل اختراع فرداني يقوم به شخص واحد في منطقة واحدة وتؤزم وضع المرأة أكثر عن طريق طرح كلام واهٍ في محاولات لتحريرها، لكن ما يهم هنا هو أنّها تدخل في إطار مقدار وحجم تعلق المرأة بالزراعة ناهيك عن الأساطير التي كانت تجعلها هي مكتشفتها.

كذلك نحن هنا في هذا المثال لا نتحدث عن تأنيث الأرض رمزيًّا فهذا بعيد عن مقاصدنا على الرغم من أنّ تأنيث الأرض لم يكن في عدة حضارات مثل الصين أو اليابان التي لم تحدد جنسا للأرض، و في مصر كانت الأرض مشخصة عن طريق الإله الذكر «جب»، أما في مناطق أخرى فلم تقم بجعلها مشخصة أساسا. (20)

و بعض النظر عن ذلك لقد صارت الأسرة التي يحكمها الرجل طريقًا للتعلُّق بالأرض والوطن غير أنّه وعلى الرغم من ملكيته للأسرة  والأرض والشارع، فإنّ المرأة هي أكثر ارتباطًا بها من زوجها من الناحية الرمزيّة، فجُعلت الأرض هي الرحم المؤنث، والرجوع إلى الوطن هو الرجوع إلى المرأة الأم والأخت، يمكننا أن نلاحظ بكل بداهة كم أنّ الأمر قد حشر المرأة في أنساق محدَّدة وسجن يحرسه التسلّط الذكوري، كما حصرها في بيئة أرضيّة ثابتة ومستقرة مرتبطة بالأبناء.

غير وأنّه وفي مقابل ذلك، فإننا نرى الغجر لا يستقرون ولا يأسسون شيئا عكس المجتمعات الزراعيّة الراسخة التي جعلت الإنسان يستقر، فالغجر متحركون لا ثابتون، وأينما كانت الحركة والصيرورة، تكون المرأة أكثر حريّة أقول وليست حرّة بالشكل الكليّ، مقابل المستقرة.
كما أنّ الحركة تجعل المجتمعات تحتك بالآخر وتتطور تدريجيًّا فتنفتح على العالم، بل يصل الأمر بالغجر حد التوغُّل في الروحانيات والثيوصوفيا والتنجيم حيث: “يعود الكثير من أسباب الرفض الاجتماعي للغجر إلى ممارستهم السحر والشعوذة” (21)
كما أنّهم عاشقون للموسيقى والفن (22)، كل هذه الأمور التي يتميزون بها هي في حقيقة الأمر معاكسة للدوغما الدينيّة التي تعطي نصًّا ثابتًا للمجتمع .

كما أن مكانة المرأة عندهم لا يمكن لأحد تجاهلها، حتى وصل الأمر بذلك إلى أن يعيش زوج الابنة عند أهلها، كما أن اسم الأبناء يُتبع بلقب الأم، وإذا كان الزوجين من قبيلتين غجرتين مختلفين فإنّ الابن يتبع لهجة والدته. (23)
يقول إيميل سيوران* في حديثه عن تحركات الغجر وهجراتهم الكثيفة: “الغجر كشعب مختار حقا، لا يتحملون مسؤولية أي حدث،ولا أيّ مؤسسة لقد انتصروا على الأرض بفضل عدم اهتمامهم بعدم تأسيس أيّ شيء فيها”. (24)

وعودة إلى الماضي فقد وسعت الهوّة، حداثة وتطور طرق الزراعة واكتشاف المعادن في عصر الكالكوليت* ( 5000 ق.م ) التي احتكرها الرجل وتفنن فيها فصارت مقاليد الإنتاج تتشكل على يديه من حرف وتجارة وعمران، كذلك دخول مفهوم الملكية إلى المجتمعات وجمع الثروة ما أدى إلى رؤية المرأة كورقة رابحة إذا ما تم ربطها بالرجل حتى يحافظ أطفالهما على ثروة الأب (25). حيث أنً هذا العصر عند البعض هو عصر رجولي بامتياز وانقلاب أبويّ على عصر أموميّ.

لكن إذا تم التسليم بذلك، فهل يعني هذا أنّ العصر الأموميّ كان يوجد بالفعل، وفي شكله الكليّ؟ فالعديد من الأشخاص بتعدد فئاتهم ومدركاتهم قد جعلوا من عصور ما قبل الكالكوليت عصور أو عصر أموميّ بامتياز تربعت فيه المرأة على العرش وكان الرجل خادما لها (26)، لكن هذا الأمر لا يعدو إلا أن يكون مجرّد مبالغات وتهويل فقط، فما حدث في الكالكوليت لم يغيّر الكثير بل زاد وقوّى مكانة الرجل مقابل تهميش المرأة، ومع قيام المدينة الحضاريّة والدول وصعود الاقتصاد العالمي الرأسمالي تم استعمال المرأة أكثر في الأهداف الاقتصاديّة، الاقتصاد الذي يستولي عليه الرجل، وهنا بإمكاننا إدراك المطالب النسويّة الاشتراكيّة بشقيَّها البريطانيّ والأمريكيّ وكذلك الماركسيّة حول نقدهم اللاذع للنظام الرأسماليّ الذي سلّع المرأة بطرق حداثية أشد غزارة من ذي قبل.(27)

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

الصورة: The Eccentric Farmer by lLeah Saulnier

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.