تأخذك إلى أعماق الفكر

المرأة بين مطرقة التشييء وسندان الوصايا

قد برزَ على مرّ السنين نساء عربيات أدركنّ حقيقة قيودهنّ، وانخرطنّ بعدها في الساحة الفكرية والسياسية بكونهنّ كاتبات ومُنظّرات يطالبنّ بحقوقهنّ الّتي هُدِرت من النظام الاجتماعي القائم على وصايَا الرجل على حياة وجسد المرأة. وإن هذا النظام يرتكز على عاملين هما (التشييء Objectification)؛ أي معاملة المرأة كشيء يُمتلك ويُباع ويُنتهك أو يسلّع ويؤطّر وجوده حسب وصايا النظام السائد (المجتمع الأبوي)، ومن أشكال التشييء هو (التشييء الجنسي Sexual objectification)؛ أي معاملة المرأة على أنها أداة جنسية ومجرّد أداة للمتعة -دون قيمة أُخرى- سواء عن طريق الممارسة الجنسية أو الترويج الإعلامي [1].

وقد صيغ التشييء والوصايا على مرّ التاريخ بأشكال مختلفة، أكثرها تأثيرًا في وقتنا الحالي هو النصوص الدينية المُتخذة على أنها قوانين تُغرز وتُطبّع في المجتمع نساء ورجالا منذ الطفولة، وهذا ما يجعل من هذه الأفكار (لاوعيًا جمعيًا) يتكتّل على نفسه ويحمي نفسه بنفسه من النقد وكسر التابوَات.

المرأة إنسان، ليسَ (شيء)

في ظل الهدر لإنسانيّة وحرية وحاجات الفرد الأساسية في المجتمع العربي عمومًا، إذ أنه حسب الإحصاء المقرّ من تقرير التنمية الإنسانية العربية عام 2002 يقع 90% من الأفراد في الوطن العربي دون حدّ الرفاه: بمعنى احترام إنسانيته ومعاملته كثروَة إنسانية [2]، ويُقصد تحديدًا هدر طاقاته وخياراته في إقرار مصيره واختيار توجهاته في مجال الحياة والعمل والتعبير والاعتقاد؛ وإن هذا الهدر تعاني منه النساء مرتين، أي تعاني من هدر إضافي؛ فإن المرأة تُهدر من تسلُّط النظام السياسي أولاً كونها فرد من المجتمع، وثانيًا من تسلُّط النظام الاجتماعي السائد كونها -حسب زعمهم- شيء وأداة مستخدمة في خدمة وصايا المجتمع الأبوي.

وإن نقد ومحاربة هذا الهدر بشقّيه هو ما سعت له النساء -بطرق مباشرة أو غير مباشرة- كأولويّة في حراكها وانخراطها في المجال الفكري والسياسي والعملي من خلال إثبات استقلالهنّ وإنسانيتهنّ كرائدات في مجالهنّ ونبذ كل التصوّرات عن كونهن أشياء أو أدوات أو سِلع؛ فإن دفع المجتمع للاعتراف أو الاستشهاد بإنسانيّة المرأة يعني الاعتراف ورصد استقلاليتها ومعاملتها بصفاتها الإنسانية، وبالتالي التأثير بوعيه الجمعيّ، وهذا هو تحديدا المُراد من الحراك النسائي كونه التابو الأوّل في المجتمع المحافظ، حيث أن هذا الادعاء بال(محافظة) يصبّ في محافظة الرجل على طوعية وتشييء النساء تحت ولايته بتبريرات تُكرّس الدين والعادات والتقاليد لمحاولة صبغها بالمنطق أو الفطرة السليمة، أو تغطيتها بمصطلحات مُلمّعة مثل (الشرف، رضا الوالدين، الطّاعة، السمعة الطيبة..): ونتجَ عن ذلك مع مرور الزمن صورة نمطية عن المرأة تؤثّر بالنساء ذاتهنّ في مجتمعنا، وهذا ما يُسمّى الاستلاب العقائدي: هو أن توقن المرأة أنها كائن قاصر، جاهل، ثرثار، عاطفي، لا يستطيع مجابهة أي وضعية بشيء من الجدية والمسؤولية، وبالتالي لا تستطيع الاستقلال وبناء كيان ذاتي لها [4].

وعلينا أن ندرك أن هذا الاستلاب العقائدي ليس إلّا نتاج الصورة النمطية التي شكّلها التشييء والوصايا في المجتمع المحافظ، وهنا يجب أن نعيد التفكير بماهية وجذور رؤية (المرأة عدوّ المرأة) المتداولة في مجتمعنا.

إعلان

كيف للنساء أن تكسرَ تابوَات المجتمع المحافظ؟

نازك العابد 1887-1959
نازك العابد(1887-1959)

لست بصدد تحديد طُرق أو تقديم نصائح، فلكل ناشط/ناشطة في قضية ما رؤية تختلف عن نظيرتها في كسر التابوَات، لكن يمكن أن نقيس ذلك بكيفيّة ومدى تأثُّر المجتمع المحافظ بالنشاط النسائي، وهذا انطلاقًا من أن الاحترام يُنتزع ولا يطلب، لنتساءل: هل يمكن لمجتمع مهما بلغَ من الهرولة وراء عاداته وتقاليده عن تشييء المرأة أن ينكرَ إنسانية واستقلالية الراحلة (نازك العابد 1887-1959): وهي مناضلة سورية تتقن أربع لغات (الإنجليزية، الفرنسية، التركية، العربية) انخرطت في المجال السياسي والفكري، وقادت الحركة النسائية وطالبت بإعطاء المرأة حقوقها وشاركت في تأسيس عدد من المطبوعات والجمعيات النسائية المؤثّرة [3]، كما شاركت مع شرائح سياسية واسعة كممثلة للحركة النسائية في دمشق.

مع العلم أني لم أستخدم مثالاً تاريخيًا لأن مجتمعنا حاليًا يفتقر للنساء الرائدات الّتي تمثّل نيل إنسانيتها واستقلاليتها وكونها رائدة في الحركة النسائية والثقافية، لكن ما أحاول تقديمه أنه مذ 65 عام استطاعت (نازك العابد) أن تكون مؤثّرة في فكر وثقافة وسياسة المجتمع لسنين، وها نحن الآن نستشهد بها، وهذا لأنها مُناضلة ورائدة منطلقة من واقعها ثقافيًا قبل أي شيء، وليس لأنها تعرّت ونشرت صورتها أو أعلنت عن ممارستها الجنس لتثبت حرية امتلاك جسدها: وشتان بينهما. مع العلم أن هذا لا يمثّل رفضًا لأي طُرق تعبير ومطالبة أو رفض لحرية امتلاك الجسد على مستوى اللباس أو الممارسة، على العكس تمامًا، قد يمثل اعتراضًا نقديًا لا أكثر، وكما ذكرت في بداية الفقرة الأمر يُقاس هنا من مدى وكيفية التأثير على وعي المجتمع وثقافته وانتزاع الاعتراف من (الفكر الأبوي) باستقلال وإنسانية المرأة.

تمرّد أم فقاعة رقمية؟

من سلبيات الفضاء الرقمي أنه خلطَ الكثير من المفاهيم ببعضها، وخُيّل لأفراد المجتمع أنه عالمٌ منفصلٌ عن واقعنا الديستوبيّ، فإن فعل (التمرّد) سرعان ما يكون (فقاعة رقمية) إن لم يلامس الذّات والواقع المُعاش، لنتساءل مرّة أُخرى: كم من السهل التنظير ورفع الشعارات واستيراد الحملات الإلكترونية المُعلّبة ثم مشاركتها كـ (ترند) أمام تمرّد منطلق من الذات والواقع يُثبت إنسانية واستقلالية الفرد من خلال نتاجه وإنجازاته؟

ما يُقصد هنا هو استساغة وتهوين فعل التمرّد في الفضاء الرقمي نسبةً لتمرّد حقيقي يلامس الواقع؛ ولكي لا أكون منظّرًا إلكترونيًا فقط، أو فقاعة، لنراجع نتاج جذور التشييء -الّتي هي جذور تمتدّ نحو التاريخ بأكمله وخاصةً التاريخ الديني- المنخرط في مفاصل المجتمع، والّتي هي أولاً قصر وصول المرأة لاستقلايّتها وإنسانيتها ممّا يجعلها (شيء) أو (أداة) في واقعها، وفريسة للاستلاب العقائدي لتجلدَ نفسها، وهنا يكون البناء، بألا تكون النساء أدوات بل إنسانا مستقلا بذاته عبر جهوده وثقافته واستقلاله المادي وليسَ عبر الطلب فقط: لا يُطلب من السلطة أن تحترم من يعاني منه بل يُنتزع منها هذا الاحترام من خلال إثبات الذّات، وهنا أذكّر بما ذكر في بداية المقال (الاحترام يُنتزع ولا يُطلب). وطالما أن هذا التمرّد لا يلمس الواقع، أو لا يعلّق شماعات يُمكن كسرها، فإنه سيبقى فقاعة إلكترونية؛ وربّما هنا أحتاج أيضًا للتوضيح كما وضّحت سابقًا، أن ما ذُكر ليسَ رفضًا لأي نشاط نسائي في الفضاء الرقمي، بالعكس تمامًا، بل لا تخفى أهمية وجوده في ظلّ أي حراك حقوقي في مجتمعنا؛ بل ما يُقصد ألا يقتصر التمرّد عليه أو يخيّل أنه يكفي لتكوين وعي اجتماعي يرفض الوصايا الّتي تشيّء النساء.

إن المجتمع يحتاج رائدات تنطلق منه وتصنع من نفسها مثالاً عن الاستقلال ونيل إنسانيتها في كافة المجالات سواء النسائية أو العلمية أو الثقافية، مع تقدير أن هذا (التمرّد) مُنطلق من بين مطرقة التشييء وسندان الوصايا.

اقرأ أيضًا: مفهوم الرجولة كمرآة عاكسة لوضع المرأة العربية

 المراجع:

https://plato.stanford.edu/entries/feminism-objectification/ [1]

[2] تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002، المكتب الإقليمي للدول العربية. صـ 108

[3] http://www.syr-res.com/pdf_engine_omer/pdf.php?id=2107&token=0125c1b7bb6c2738181e708fd4843c13
[4] د.حجازي، مصطفى. التخلّف الاجتماعي؛ مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور (2013). لبنان-بيروت: المركز الثقافي العربي.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مجد حرب

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: بشرى مخازني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.