تأخذك إلى أعماق الفكر

الكورن فليكس ورضوى الشربيني وشركاؤهم

“الحب هو أن …. والسعادة تكمن في … و5 خطوات للحصول على حياة زوجية رائعة الأخيرة سوف تدهشك!” وأمان ياللالي أمان، من أقنع كل هؤلاء أن تجربتهم الشخصية صالحة ومناسبة للملايين؟ ومن أين أتوا بكل هذا اليقين الذي لا يساوره شك بأن الحب هو كيت أو عبيد، ولماذا يجب أن نحسم بدقة وبمنتهى الجدية وعلى وجه السرعة معركة الكورن فليكس. والصراع العلمي الواسع حول درجة حرارة اللبن؟ لماذا لا يدرك هؤلاء أن للحب ألف قصة، وألف طريقة، أن العلاقات البشرية ليست قوانينًا فيزيائية، وأن البشر ليسوا طلابًا في محاضرة لمدرس جامعي معقد لن يعطيهم الدرجة إن لم يحلوا المسألة بطريقته، وأن درجة حرارة الطعام الذي آكله مسألة تخص ذوقي ومعدتي أنا، وليس من حقك التدخل فيها أو مناقشتها طالما أنك لا تأكل معي، وإنه “يا اختي كده ينفع وكده ينفع”؟!

طريقة واحدة فقط … لماذا؟

تؤدي حالة انغلاق المجال العام أمام مناقشة القضايا المفصلية والهامة، إلى لجوء الجماهير لقضايا أكثر سطحية وأكثر أمنًا، ولا تؤدي مناقشتها إلى رحلة وراء الشمس، والإنسان بطبعه اجتماعي، والدنيا غرورة، “وكل واحد دماغه عجباه”، ثم إن الكلام ممنوع في الشارع، وعلى المقهى وفي العمل، وعلى الشواطئ وعلى أسرة النوم … وفيما عدا ذلك فالحريات مكفولة ويمكنك التعبير عن رأيك بكل حرية في أي مكان أخر

المصادفة، والمصادفة وحدها هي التي جعلت كل مكان أخر هذه تعني “فيس بوك”، هذا طبعًا مع الالتزام بالآداب العامة وقوانين الإنترنت الجديدة”بدل ما تقعد رابع ورا مع اخواتك”، وعليه فإن الهوس بالحديث على وسائل التواصل الاجتماعي، وإبداء الرأي في كل شيء، ويا للعجب ليس خيارًا حرًا يأخذه “الولاد السمر الشداد” بمحض إرادتهم، إنما هو مجرد رد فعل دفاعي تأخذه نفسنا -الأمارة بالسوء- كي تحارب انسحاقها وكي تقتنع -كذبًا- بأن لها صوتًا ورؤية ورأي وكل هذه الأفكار الهدامة، ولأن نفسنا أمارة بالسوء، و”سكتنا له دخل بحماره” فإنها لا تكتفي بالتعبير عن رأيها في كل موضوع حيوي ومفصلي في مسيرة الوطن التاريخية، كطريقة عمل الكورن فليكس. أو “البلوق … بلوق … بلوق”، بل تعتقد -عفانا الله وإياكم- أن رأيها هذا مهم لدرجة أن الملايين يجب أن تطبقه.

والمشكلة ليست في أهمية الرأي من عدمه، إنما في كونه نابعًا بالأساس من احتياج نفسي للشعور بالأهمية، وهو ما يمكن ربطه بسهولة بالحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لإيجاد تفسير منطقي لحالة السيولة الحالية في التريندات والتريندات المضادة، إضافة -بالطبع- إلى المؤامرة الغربية التي تستهدف إقناع البعض بأن لهم رأيًا وأن رأيهم مهم، قلة أدب، ابتعاد عن قيمنا التاريخية، وسفالة شباب بعيد عنكم.

شر مطلق أم شر نسبي؟

لابد أن نذكر هنا أيضًا من باب التنبيه لشبابنا المخلص والواعي، أن البعض يعتقد أن هذه النقاشات حتى وإن كانت تافهة أحيانًا، أو تحمل تسلطًا على العلاقات البشرية وتفاصيل الحب والزواج، إلا أنها تساهم في خلق وعي جديد يمكن أن يتشكل بالتجربة والخطأ، غير أن هذه النظرية -فضلًا عن كونها رأيًا يجب محاربته- تغفل التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية على مستقبل العلاقات بين الجنسين، إذ تؤدي زيادة معدلات الفقر والاضطراب الاجتماعي، إلى تحول هذه العلاقات لصور أكثر بدائية، تحل فيها قيم الحماية القبلية محل قيم الحب والمودة والتفاهم.

إعلان

إذ يؤدي تزايد معدلات الفقر، وانهيار مظلات الضمان القانوني والاجتماعي، وزيادة معدلات الانتهاك للأنثى على اعتبارها من الحلقات الضعيفة في الهرم الاجتماعي، إلى تحويل احتياج الأنثى للزواج إلى حاجة دفاع عن وجود، وبحث عن حماية ذكورية، بصيغة أقرب للمجتمعات الأولية عنها للمجتمعات المتحضرة، وعليه فإن مسألة العلاقة بين الذكر والأنثى ليست -بطبيعة الحال- منفصلة عن الإطار الاجتماعي والاقتصادي الذي يشهد سحقًا للطبقة المتوسطة، سحق ينتج بدوره قيمًا مجتمعية جديدة، تتباين بتباين الظروف والمتغيرات ما بين اتجاه البعض إلى علاقات جنسية أكثر انفتاحًا دون التزامات رسمية، واتجاه آخرين إلى مزيد من العلاقات التقليدية، التي تعزز من سلطة الرجل على أساس كونه مسؤولًا عن الحماية في القبيلة

في كلا الحالتين فإن القضية النسوية ستواجه مخاطرًا عاصفة، وستصبح مع الوقت نخبوية أكثر، فبمنطق الحماية السالف ذكره، لن تنجو من هذه المفرمة المجتمعية غير المرأة القادرة على إعالة نفسها، أو تلك التي تعتمد على عائلة قوية تستند إليها في توفير الحماية المطلوبة، ولما كانت نسب الفقراء أكثر، وفي تزايد، فإن المسألة تضحي نخبوية أكثر، ويصبح صراع فيس بوك خارج بشكل كبير عن الوضع الذي بدأ في التشكل بفعل المتغيرات الجديدة، وبالتالي -وإذا تغاضينا عن كون هذا رأيًا- فإن آراء القائلين بقدرة النقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي  على خلق وعي جديد، تظل غير دقيقة طالما أغفلت النظرة الكلية للواقع، وعليه ننبه شبابنا الوطني إلى عدم الالتفات إلى مثل هذه العناصر الإثارية التي تستهدف النيل من مجتمعنا، وبث قيمًا مغلوطة حول الرأي والرأي الأخر، وكل هذا الكلام الفارغ والهدام، والله الموفق.

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسين السيد أبو حسين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.