تأخذك إلى أعماق الفكر

الكتب الصوتية.. هل أصبح الكتاب المطبوع في خطر؟

قد يُصدمُ كثيرون عندما يعلمون أن كتابًا صوتيًا قد حصد مليون استماعٍ على موقع يوتيوب، لكن المفاجأة الأكبر هي أن هذا الكتاب هو “الأمير” للكاتب الإيطالي “نيكولا ميكيافيلي” الصادر عام 1532م، حيث تغلَّب التسجيل الصوتي للكتاب في عدد مشاهداته على أشهر الكتب الرائجة هذه الأيام كمؤلفات التنمية البشرية والروايات وكتب الثقافة الجنسية، ما دفعني للبحث في عالم الكتب الصوتية والشريحة التي تتفاعل معها والأسباب التي جعلتها خيارًا ثقافيًا رغم كل الجدل الذي يدور حولها.

بدايات خجولة

شهد عام 1952 تسجيل أول كتابٍ صوتيٍ في التاريخ، وتضمن التسجيل بعضًا من قصائد الشاعر الإنجليزي دايلان توماس، غير أن رواج الكتب الصوتية لم يصل لذروته حتى عام 1980، عندما أصبحت الشرائط السمعية “الكاسيتات” في متناول الجميع، وحينها فقط أصبح للكتب الصوتية شركات متخصصة للإنتاج والتسويق، اعتمدت في بداياتها على الزبائن المكفوفين، حيث قامت بتسجيل الكتب الدراسية والثقافية على حد سواء، ما ساهم في تشكيل قاعدة بيانات ضخمة، اعتمد عليها غير المكفوفين فيما بعد.

العصر الذهبي

ومع بداية الثورة الرقمية بداية الألفية الحالية، انتعش سوق الكتب الصوتية بشكلٍ كبير، حيث أصبح التداول يتم عن طريق الإنترنت، وتم إنشاء العديد من المواقع الإلكترونية المتخصصة بإنشاء وتسويق الكتب الصوتية على مستوى العالم، بما يشمل منطقتنا العربية، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في فك احتكار الشركات للإنتاج والتسويق، حيث أصبح بإمكان أي شخصٍ تسجيل الكتب الصوتية ونشرها على اليوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعية الأخرى.

حلولٌ ومشاكل

ساهمت الكتب الصوتية في تقديم الكثير من الحلول التي لم تكن ممكنة بدونها، ولعل أهمها تأمين وسيلة عملية للمكفوفين، تمكنهم من الولوج إلى محتوى جديد بدون مساعدة من أحد، كما ساهمت في إتاحة فرصة للمطالعة في ظروف يصعب على القارئ فيها حمل الكتاب، كالأماكن العامة وأوقات الاستراحة والاسترخاء، إلا أن الكتب الصوتية واجهت انتقادات كثيرة في المقابل، وأصبح هناك تحالف غير معلن بين العديد من النخب الثقافية لمحاربة -أو تقييد- هذه الظاهرة.

بديلٌ أم رافد؟

أبرز هذه المخاوف هي أن يحل الكتاب الصوتي مكان الكتاب الورقي، ما يشكل نقلةً ثقافيةً محفوفةً بالمخاطر، يمكن أن تؤدي في المستقبل إلى نهاية “الكتاب” كأداةٍ للقراءة والمعرفة، وتعويضه بفضاء رقمي خالٍ من الضوابط والمعايير التي تحكم إنتاج الكتب ونشرها، ما يفسح المجال أكثر أمام المحتوى غير المسؤول أو الهادف، ويضيع الهدف الأساسي للكتاب بنشر الوعي والمعرفة، بل ويمكن أن يتحول إلى أداة تخريب للمجتمع وثقافته، يصعب على الجميع مجابهتها.

إعلان

المخاطر اللغوية

كثيرٌ من الكتب الصوتية على اليوتيوب يتم تسجيلها عبر قرّاءٍ غير متخصصين، ما يجعل كثيرًا من هذه التسجيلات مليئةً بالأخطاء اللغوية الكارثية، التي تنتقل إلى آذان وعقول آلاف المستمعين، وتساهم في تخريب “فطرية اللغة” لديهم، ولعل الغريب في الأمر هو خلو تعليقات المتابعين من ذكر هذه الأخطاء، بل ويطري الكثير منهم على “إتقان” القراء الصوتيين للغة، ويطالبونهم بالمزيد، ولعل الملام هنا ليس فقط من يقوم بقراءة هذه الكتب، فالعديد من القنوات التلفزيونية والمواقع المنتشرة على شبكة الإنترنت تقترف هذه الأخطاء اللغوية أيضًا.

حقوق الملكية الفكرية

يعتبر هذا الموضوع من أبرز المشاكل التي تُتهم الكتب الصوتية بتسببها، حيث يتم تسجيل الكثير من الكتب بدون موافقة أصحابها الأصليين أو المسؤولين عن توزيعها، ما يتسبب بخسائر فادحةٍ لصناع الثقافة، لا بل ويهدد وجودها الذي أصبح بدون شك يعتمد على المردود المادي لضمان استمراريتها، في ظل شح الدعم الحكومي والمجتمعي لها، ولعل هذا الرأي هو أكثر ما تم الاتفاق عليه بين جميع المتجادلين -دفاعًا أو انتقادًا للكتب الصوتية- منذ نشوء هذا الجدال.

إلى أين نتجه؟

تشير التقارير التي تصدرها المواقع والمنصات المعنية بالكتب الصوتية إلى أن الخط البياني لانتشارها يزداد بوتيرةٍ عالية، ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الأرقام يصعب على ناشريها التلاعب بها، في ظل سهولة التدقيق والبحث في صحة المعلومات على الإنترنت، فهل ستلحق نخبتنا الثقافية بهذا الركب بعد تأخُّرٍ طويل؟ أم إن هذه الصناعة ستنشئ نخبتها الخاصة بها بعيدًا عن التركة الثقافية التقليدية؟

المصادر
The Evolution of Audiobooks: From the First Audiobook Recording to Digital Downloads
صناعة عالمية ومنافسة شرسة وأبرز اللاعبين
ثروة معرفية تسجل حضوراً عربياً لافتاً

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مضر عيد

تدقيق لغوي: سارة إبراهيم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.