تأخذك إلى أعماق الفكر

الفلسطينيون: الهنود الأمريكيون في “الشرق الأوسط”

عند مراجعة تاريخ الفلسطينيين و الهنود الأمريكيين من الواضح أن كلاهما واجه نفس المصاعب بدرجات متفاوتة، هناك اغتصاب مُشترك للأرض وفقدانٌ لحقّ تقرير المصير وتقطيع للأوصال ابتلى بها كلا الشعبين اللذين يجب أن ينالا العدالة وأن يوضع حدٌ للتّجاوزات المُرتكبة بحقهم.

تاريخ قمع سكان أمريكا الأصليين

لطالما تمّ الاحتفاء بوصول كولومبوس إلى الولايات المتحدة الأمريكية لسنوات عديدة، ولكنّ مزيدًا من الناس يدركون أنه هو من بدأ معاناة سكان أمريكا الأصليين الذين تمّ استغلال نسائهم كعبدات جنس ورجالهم كعبيد عمل، لأغراض التنقيب عن الذهب تحت إشراف كولومبوس وبعض الإسبان الذين كانوا يقطعون أيدي أو رؤوس كل من تُسوّل له نفسه بالمقاومة.

لسوء حظ الهنود الأمريكيين لم ينته التعذيب مع كولومبوس مع نشوء الولايات المتحدة الأمريكية، تمّ ارتكاب العديد من الفظائع وممارسات القمع للسكان الأصليين، مثل هذه الفظائع درب الدموع الذّي يُطلق على الطريق الذي تمّ إنشاؤه لإتمام النقل القسريّ للقبائل الأصليّة من الشّرق إلى الغرب الأوسط، وإرسال الهنود الأمريكيين إلى أماكن حجز مثل باين ريدج في ساوث داكوتا.

وونديد ني” هو اسم محفور في الذاكرة الجماعية للهنود الأمريكيين بسبب الفظائع التي حدثت هناك في منطقة باين ريدج في عام 1890م، تقول التقديرات المحافظة أن 150 من الرجال والنساء والأطفال من الهنود الأمريكيين قُتِلوا بالرّصاص، بينما أشارت تقديرات أُخرى أنّ عدد الضحايا بلغ 300 فردًا، ولكن أيًا كان التقدير الذي يتفق عليه المرء فمن الواضح أنّ المذبحة كانت من أسوأ حوادث الإبادة في تاريخ الولايات المتحدة، لقد حاولت الزّعامة الأمريكية السابعة نزع سلاح جماعة الوونديد ني من أسلحتهم، وكان هذا هو التبرير الذّي قدمته حكومة الولايات المتحدة لجرائم القتل.

تاريخ قمع الفلسطينيين

إذا كنت مِثْلي “-يقول الكاتب-” غيرَ فلسطينيّ ومقيم في الولايات المتحدة ولا تعر اهتمامًا كبيرًا للأخبار فقد لا تعرف الكثير عن الفلسطينيين، في محاضرة ألقيت في جامعتي قام أحد المتحدثين الضيوف بوصف العملية التي يستخدمها المتطرفون الصهاينة لإبادة الفلسطينيين ​​وجعل العالم ينسى بشأنهم، ناقش أيمن شحادة، الأستاذ غير المتفرغ في كلية كولومبيا، كيف تمّ إلغاء أحد فصوله الدراسية بسبب مقاربته التي تم اعتبارها “غير متوازنة” للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وسواء أكان متوازنًا أم لا، كان شحادة مُحقًا في أنّ الأمريكيين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر لا يعرفون شيئًا عن فلسطين أو الفلسطينيين، وشخصيًا لقد غفلت عنهم بالفعل حتّى صيف 2014 مع بداية القصف على الجامعة الإسلامية في غزة.

إعلان

علمت فيما بعد بواحدة من أُولى جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين، وهي مجزرة اللّد عام 1948م عندما هاجم الاحتلال -المُعلَن حديثًا كدولة- إحدى البلدات الفلسطينية الواقعة خارج منطقة سيطرتها، وعندما قاوم بعض الفلسطينيين الغزاة الإسرائيليين، تمّ اعتقال المواطنين في البلدة  من منازلهم والمسجد المحليّ وقتلهم بالقنابل اليدوية والقذائف.

بدأت مجزرة اللّد وأحداث أُخرى مماثلة في كثير من المدن الفلسطينية وشكّل ذلك النكبة التي تُعتبر المأساة الفلسطينية التي تسببّت في طرد العديد من الفلسطينيين من منازلهم، وتتواصل النّكبة على شكل إجبار للفلسطينيين على ترك أراضيهم ومنازلهم حتّى يومنا هذا تمامًا مثل الفلسطينيين الذين قُتلوا في اللّد وقبية ودير ياسين، لكنّ الفلسطينين استمرّوا في المقاومة خلال “انتفاضتين”، الأولى كانت انتفاضة ضد الحكم الإسرائيلي للمنطقة عام 1987م في ثورة بدون عتاد لكنّ سلاحها كان الحجارة.

أمّا الانتفاضة الثانية كانت عبارة عن سلسلة من الأحداث بما فيها قيام جيش الدفاع الإسرائيلي بهجمات عسكريّة وتجريد الفلسطينيين من حقوقهم المدنية، عقابًا على مقاومتهم التي ثارت على الإسرائيليّ أرييل شارون قائد عمليات اقتحام  المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي بعد فشل محادثات السلام في كامب ديفيد، وعلى الرغم من أن الانتفاضة الثانية تضمّنت مقاومةً مسلّحةً من قبل الفلسطينيين لكنْ فَقَد ما يقرب 5000 فلسطيني حياتهم.

تعدّ النّكبة والمناطق الفلسطينية المحدّدة في اتفاقيات أوسلو سيناريو موازيًا لما حصل للأمريكيين الأصليّين في نظام الحجز في الولايات المتحدة، مثلما تتشابه المذابح التّي تعرّض الطّرفان لها. إنّ الانتهاكات التّي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ليست بعيدة عن سياسات الولايات المتحدة الأمريكية الواضحة، وعند مراقبة تاريخ هذين الشعبين يمكنُ للمرء أن يرى أنّ الفلسطينيين والهنود الأمريكيين قد عانوا من مصائب مُتماثلة، ولكنْ ماذا عن اليوم؟ لسوء الحظ ما زال كلّ من الهنود والفلسطينيين حتّى يومنا هذا يعانون من المصاعب على أيدي عملاء قمعهم المستمرّين في استعمار أرضهم.

احتلال الأرض

لقد شكّل اغتصاب الأراضي رباطًا مشتركًا بين الشّعبين، قيل إن الرئيس السابع للولايات المتحدة أندرو جاكسون، امتلك نوايا لتحريك الهنود الأمريكيين باتّجاه الغرب، كانت هذه الرغبة في توسيع حدود الولايات المتحدة هي التّي دعته لإرسال رسالة إلى دولة الخور مدّعيًا أن السّلام قد يأتي مع سياسة الفصل بين الأمريكيين والهنود الأمريكيين، هناك ادعاءات مُماثلة تتعلّق بأمن “إسرائيل” عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، كان الأمن أحد الأسباب الرّئيسة وراء معارضة الأمم المتحدة لجدار الفصل العنصريّ في الضّفة الغربيّة، جاء هذا الجدار ليس فقط على حساب الفصل بين الأصدقاء والعائلة والجيران، ولكن أيضًا على حساب الأرض منذ أن تسلّل إلى الأراضي الفلسطينيّة، كلّ من الهنود والفلسطينيين فقدوا أراضيهم باسم الأمن والسّلام المزُيّف، وبسبب ذلك فقدوا أيضًا حقّهم في تقرير المصير.

فقدان حق تقرير المصير

بمجرّد سلب الأمريكيين الأصليين والفلسطينيين حقّهم في تقرير المصير بدأت القوى القمعيّة بعزل الأشخاص، تمّ إرسال الهنود الأمريكيين غربًا إلى أماكن حجز، بينما حرص الاحتلال على حبس الفلسطينيين في غزّة وتقييد حريّتهم وحركتهم في الضّفة الغربيّة ومحاربة من تبقّى منهم في الأراضي المحتلة الأُخرى [تحت السيادة الإسرائيلية].

في المناطق المذكورة سابقًا هناك القليل من الرّاحة أو الفرص، في غزّة على سبيل المثال، واحدة من أعلى المناطق كثافة سكانيّة في العالم، يعيش 9713 شخصًا لكلّ ميل مربع، يؤدّي هذا بطبيعة الحال إلى وضعٍ غير صحيّ نظرًا لوجود الكثير من الأشخاص في مكان ضيّق، ما يتسبّب في حدوث مشكلاتٍ بمياه الشّرب نظرًا لأنّ محطّات تنقية المياه في المنطقة تعمل فوق طاقتها، مع مشكلات توفير الغذاء حيث لا تسمح “إسرائيل” للسّكان في غزة بالصّيد أو الزّراعة داخلها مع شبه انعدام الوظائف وارتفاع معدّل البطالة ليصل 40.7٪ وانقطاعات الكهرباء وترديّ الخدمات الصّحية والوضع النّفسي المُرهق، وبالمثل فإنّ أماكن حجز الهنود الأمريكيين مثل باين ريدج تواجه مشكلات تتعلّق بفرص العمل فضلًا عن المخاوف الصّحية السائدة، يوجد معدل بطالة من 80 إلى 90٪ في الحجز لأنّه من الصعب إنشاء أعمال تجارية دون موافقة الحكومة، بعض المخاوف الصّحية تتمثّل في أنّ النساء في باين ريدج أكثر عرضة للإصابة بسرطان عنق الرحم بخمس مرات من بقيّة النساء في الولايات المتحدة؛ سكان باين ريدج أكثر عرضة للإصابة بمرض السكري ثمانِ مرات، أكثر عرضة للإصابة بالسّل ثمانِ مرات، وانتحار المراهقين أربعة أضعاف المعدّل الوطنيّ، ثم بالطّبع هناك مشكلة معدّل إدمان الكحول 80٪ التي لم تتم معالجتها.

تنبع هذه القضايا التي يعاني منها الهنود الأمريكيون والفلسطينيون من احتلال أراضيهم وافتقارهم إلى تقرير المصير، ومحاربتهم من خلال عزلهم في بقعة جغرافية صغيرة واستهداف الأُسر نفسيًا وجسديًا.

تدمير العائلات

يقال أن وحدة الأُسرة هي أساس المجتمع، وبسبب هذه الفكرة يمكن أن يكون من المنطقي أنه إذا تم تفكيك الوحدة يمكن للمرء أن يدمّر المجتمع، بالنّسبة للهنود الأمريكيين كانت هناك العديد من الحالات التي تمّ فيها نقل أطفالهم بعيدًا وإرسالهم إلى دور رعاية غير أمريكية دون أيّ قدرة معقولة على متابعة العمليّة، يؤدي هذا إلى فقدان الشّباب الهنود الأمريكيين ثقافتهم ولغتهم الأم، لأنّه في كثير من الأحيان يتمّ وضع الشباب مع أُسَرٍ مختلفة، ويتمّ اختطاف الأطفال باسم المصلحة الفُضلى وبالإجبار دون ترك القرار اختياريًا، وعلى الرغم من أن ذلك يحدث أحيانًا لسبب مشروعٍ، لكنْ دائمًا ما عانى الأطفال هناك وفقدوا هويّتهم الثّقافية.

بالنّسبة للفلسطينيين فإن عائلاتهم ممزقة بطريقة مختلفة، هناك مداهمات ليلية مفاجئة ضد منازلهم في الضفة الغربية بحجة “الجرم بالتبعية”، ما تفعله قوات “الأمن” الإسرائيلية هو دخول منزل وأخذ الأطفال للاحتجاز، وبمجرد احتجازهم سيتعرضون للتعذيب ولن يُسمح لهم بمقابلة عائلاتهم تحت تبرير الحصول على المعلومات، يقال أن هذه الأساليب تُستخدم في الضفة الغربية لردع الانتفاضات ضدّ المستوطنين المستعمرين في الضّفة الغربية، وبغض النّظر عن السبب فإنّ حالات احتجاز الأطفال هذه لا تحطّم الطفل فحسب،بل الأسرة أيضًا بعد الشعور الفظيع بالخسارة النّاجم عن عمليات الاختطاف.

هناك قدر كبير من التشابه بين قضايا الماضي والحاضر للفلسطينيين والهنود الأمريكيين، كلاهما فقد أراضيه لصالح كيانات أقوى، فقدوا حقّهم في تقرير المصير بسبب فقدان سيادتهم، وأخيرًا تمزّقت عائلاتهم بفعل أفعال القهر، وكان هناك ولا يزال الكثير ممن يحتجون على انتهاكات حقوق الإنسان للفلسطينيين تَفوق النّشاط في الاحتجاج على انتهاكات حقوق الإنسان للهنود الأمريكيين.

وبما أن كلا الشعبين لم ينالا العدالة، ومع كل هذه القواسم المشتركة المؤسفة، يجب مقاربة الخطاب في مجابهة الظلم الواقع على الفلسطينيين والهنود الأميركيين بحيث يُظهِر كل طرف الدّعم للطرف الآخر، نحن جميعًا شعب واحد، وجمعينا بشر، عندما يتأذّى أحدنا نعاني جميعًا بسبب التّرابط بين عالمنا، وبما أن هذا العالم هو وطننا الوحيد يجب علينا أن نفعل ما هو صحيح وعادل للحفاظ على سلامته وانسجامه، إن أي صراع، أو استسلام للخوف، أو اضطهاد لحقوق الإنسان الأساسية في أي مكان على الأرض يساهم في تدمير السلام والوئام الضروريين في العالم ككل.

“إن الفلسطينيين في غزة [وكل الأراضي الفلسطينية المحتلة] هم الهنود الأمريكيون في الشرق الأوسط”، لقد كان هذا رأي زعيم الحقوق المدنية وأحد السكان الأصليين لأمريكا الراحل “راسل مينز” الذي حاول في عدّة محاضرات متوافرة على اليوتيوب شرح القواسم المشتركة للقضايا بين الفلسطينيين والهنود الأمريكيين، وعلى الرغم من أنه توفي عام 2012م لكنّه ما زال وأفكاره يعيش في قلوب أحبّائه وكلّ المطالبين بالحرية والعدالة للشّعوب.

قد يتساءل البعض أيضًا لماذا اخترت استخدام مصطلح “الهنود الأمريكيين” إلى جانب مصطلح “الأمريكيين الأصليين”؟، قال مينز بنفسه: “أنا أمقت مصطلح الأمريكيين الأصليّين لأنّه مصطلح حكوميّ عامّ يُستخدم لوصف جميع المقيّدين الأصليين في الولايات المتحدة، وأفضّل مصطلح الهنود الأمريكيين لأنّني على الأقل أعرف أصوله، ولأنّنا نحن الهنود المجموعة العرقية الوحيدة الأصليّة في الولايات المتحدة، لقد تمّ استعبادنا لكوننا هنودًا أمريكيين وتمّ استعمارنا لأننا هنود أمريكيون وسنكتسب حريتنا كهنود أمريكيين، وبعد ذلك سوف نطلق على أنفسنا أي شيء نختاره، ولكن حتى هذه اللحظة، أنا أمريكي هندي ولست أمريكيًا أصليًا!”.

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: افنان ابو يحيى

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.