تأخذك إلى أعماق الفكر

الغربة ومفهوم الوطن

“الغربة كلها شبه جملة، الغربة شبه كل شيء!” ― مريد البرغوثي “الغريب يا مولاي ليس من اغترب عن مسقط رأسه، الغريب هو من عجز أن ينال حريته” ― إبراهيم الكوني

“وطني لو شُغِلتُ بالخُلدِ عنه نازعتني إليه في الخُلدِ نفسي”

أتذكر شرح أستاذتي هناء لهذا البيت الشعري الذي كتبه أمير الشعراء أحمد شوقي، وهي تقول بكل اعتزاز: إن الوطن هو مصر فلو مِتُّ ودخلت الجنة سأظل أتذكره وأحبه، سألتها -بكل براءة الأطفال- لماذا؟ فصارت تشرح لي معنى الوطن والانتماء إليه بمفاهيم مبسّطة وقد نجحت في غرس مفهوم الانتماء وحب الوطن داخلي للمرة الأولى منذ لحظتها وذلك حين ربطت الوطن والانتماء إليه بكل الأشخاص اللذين أحبهم وكل الأشياء التي تسعدني، ثم ذهبت إلى بيتي مُسرعة أحاول حفظ هذا البيت الشعري بنفس الاعتزاز الذي رأيته في عيني أستاذتي، وحفظته ولم أنسه منذ ذلك الحين.

وكبرت وفي كل مرحلة عمرية أحاول التفكير في أسباب فخري للانتماء لوطني الكبير مصر فأجد دومًا إجابات من التاريخ القديم والمعاصر ما يجعلني أفخر بمصريّتي، ذلك الانتماء الذي دفعني للمشاركة في التظاهرات الرافضة لنظام مبارك القمعي ثم ثورة يناير المجيد وكافة أحداث الحراك الثوري بعدها؛ لكي أجعل من وطني الوطن الأفضل وليس فقط وطنًا أفضل. ثم مرّ كل شيء كالحلم الجميل الذي استفقت عليه بكابوس أشد وطأة مما سبق، وفجأة بدأت أشعر داخل وطني بالغربة!!

نرشح لك: The Lobster ما الذي تفعله بنا الغربة؟

سألت نفسي كثيرًا ما سبب شعوري بالغربة داخل مصر وما الذي أدى إلى ذلك الشعور؟! وكنت كلما أتساءل أجد إجاباتي تنحصر في عدة نقاط:

أولها هو ضياع الثورة وضياع أحلامي بغدٍ أفضل معها وضياعي وسط دوامة الصراع من أجل العيش وليس الصراع من أجل الحقوق والحريات. فقد نجح لصوص الأحلام في سرقة دفء الوطن مني، ومزقوا أحلامي إربًا لمجرد اختلافي في الرأي عما أراه مستقبلًا لبلادي الأم.

واستمر الشعور يلازمني حتى بعد تركي المؤقت للبلاد، حيث وجدتني أُعاني من غربة أشد وطأة عليّ، الغربة بمعناها الحقيقي وهي الوجود بعيدًا عن الوطن والحنين إلى كل شيء فيه، واضطراري لترك كل الأشياء التي أحبها: منزلي الذي تربّيت فيه، رابطة عنق أبي وفستان أمي ومدفنهما القديم بمصر القديمة، فنجان قهوتي، مكان جلوسي المفضل على الأريكة الوثيرة، تفاصيلي الصغيرة الكثيرة، كل ما جمعته على مدار عمري من هدايا وتذكارات، حتى زاوية السقف التي أحدق بها كلما يزورني الأرق. أفتقد أيضًا كل قصاصات الورق التي أحرقتها كيلا يقرأ ما كتبته أحد وكأنني أدفن أسراري بمصر إلى غير رجعة أو إلى إشعار آخر؛ إشعار رجوعي للوطن!

إعلان

أعترف أنني أفتقد كل هذه الأشياء وأكثر ويرافقني الشعور بالحسرة كلما تغلغلت في معرفة الثقافة الأوروبية! أتحسر على موطني في كل مرة أقف في الطوابير المنتظمة وأسير في الشوارع النظيفة ذوي الإشارات المرورية الصارمة، في كل مرة رأيت جمالًا في الطبيعة ومحافظتهم عليها بحرص، في كل مرة أحصل على كافة حقوقي وحرياتي دون تمييز بسبب اللون أو النوع أو الدين أو الجنسية وأتساءل ماذا كان سيحدث لو كانت كل تلك القيم الجميلة موجودة ومطبّقة فعليًا بوطني هل كنت وقتها سأغادر تلك البلد المنهوبة أم سأظل بها أحتمي؟!

لا أدري إلى متى سيرافقني الشعور بالغربة وأتساءل متى سيزول وهل سيزول برجوعي مصر رغم الغربة التي شعرتها بداخلها؟ أم سيزول بزوال الأنظمة المستبدة ورجوعي للحلم بالمستقبل الأفضل لمصر؟

اقرأ أيضًا: رواية شآبيب: الغربة والاغتراب

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.